رمضان حمزة محمد
باحث
الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 06:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ما يشهده بعض مناطق العراق من أمطار وثلوج خلال هذا الموسم بعد تكرار عدة مواسم جفاف، عاد الخطاب الرسمي والاجتماعي سريعًا إلى نغمة التفاؤل، وكأن أزمة المياه قد انحسرت أو أصبحت تحت السيطرة. غير أن هذا التفاؤل، في حقيقته، لا يستند إلى قراءة علمية رصينة، بل يعكس ميلًا قديمًا إلى التعامل مع المياه كحدث موسمي لا كقضية سيادة وطنية.
صحيح أن الأمطار أسهمت نسبيًا في تحسين الرطوبة الأرضية، وإنعاش بعض الزراعات الديمية، وتغذية محدودة للموارد الجوفية الضحلة، لكن أثرها يبقى هامشيًا أمام الانخفاض الحاد في خزين السدود الاستراتيجية على نهري دجلة والفرات. فالمشكلة ليست في غياب المطر وحده، بل في أن العراق لم يعد يملك السيطرة على شرايينه المائية، ولا يملك حتى سياسة واضحة لإدارة ما تبقى منها.
إن ما يواجه العراق اليوم هو أزمة مائية مركبة تغير مناخي متطرف من جهة، وسياسات مائية غير عادلة من دول المنبع من جهة أخرى، يقابلها في الداخل ضعف حوكمة، وغياب تخطيط طويل الأمد، وإدارة تقليدية ما تزال تتعامل مع المياه كملف خدمي لا كعنصر من عناصر الأمن القومي.
الأخطر من ذلك أن التحسن الظرفي يُستثمر سياسيًا لتأجيل القرارات الصعبة، بدل أن يكون حافزًا للإصلاح. فكل موسم مطير يتحول إلى ذريعة لطمأنة الرأي العام، بدل مصارحته بحقيقة أن العراق بات ضمن الدول الأكثر تعرضًا للإجهاد المائي، وأن القادم قد يكون أسوأ إن استمرت السياسات الحالية.
إن التطرّف المناخي لم يعد احتمالًا نظريًا، بل واقعًا يتجسد في عدم انتظام الأمطار، وتراجع كفاءة السدود، وازدياد موجات الجفاف والحر الشديد. ومع ذلك، لا تزال الدولة تفتقر إلى استراتيجية مائية شاملة تدمج التكيّف المناخي، وتعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والمورد، وتربط ملف المياه بالسيادة والقرار السياسي.
إن إنقاذ العراق من الانزلاق نحو العطش البنيوي لا يبدأ بالمطر، بل بالقرار، قرار الاعتراف بحجم الأزمة، وقرار إصلاح الحوكمة، وقرار استعادة ملف المياه إلى مركز السياسة الوطنية، بعيدًا عن الحلول الترقيعية والرهانات الموسمية. فالمياه، في النهاية، ليست نعمة عابرة، بل شرط وجود الدولة نفسها.
#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟