رمضان حمزة محمد
باحث
الحوار المتمدن-العدد: 8594 - 2026 / 1 / 21 - 17:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في الوقت الذي يخوض فيه العراق واحدة من أخطر معاركه الوجودية على مورد الماء، تُدار هذه المعركة بعقلية قديمة، ضيّقة، ومغلقة، لا ترى في المجتمع شريكًا، ولا في النساء فاعلًا، ولا في الخبرة المحلية قيمة سياسية. هكذا، تتحوّل أزمة المياه من تحدٍّ خارجي تفرضه دول المنبع، إلى خلل داخلي في طريقة التفكير وصنع القرار.
المفارقة الصادمة أن النساء في العراق هن الأكثر تماسًا اليومي مع آثار الشح المائي في الريف، في الزراعة، في تأمين مياه الشرب، في التكيّف مع الجفاف والهجرة القسرية. ومع ذلك، فحين يصل ملف المياه إلى طاولة الدولة، تختفي هذه الخبرة تمامًا، ويُختزل القرار في لجان تقنية وأمنية مغلقة، تُدار بمنطق السيادة الصلبة، لا بمنطق الإدارة الرشيدة أو الشراكة المجتمعية.
هذا النمط ليس عراقيًا خالصًا، بل يتكرر عالميًا في أحواض الأنهار العابرة للحدود، كما تُظهر تجارب دولية عديدة. غير أن خطورته في الحالة العراقية مضاعفة، لأن الدولة أصلًا في موقع ضعف مائي، وتعاني هشاشة تفاوضية، وتفتقر إلى أدوات الضغط. ومع ذلك، تُصرّ على إقصاء نصف المجتمع من معركة يُفترض أنها معركة بقاء.
في العراق، تُختزل مشاركة النساء - إن وُجدت - في ورش شكلية، أو فعاليات رمزية، أو تقارير لا تجد طريقها إلى القرار. أما مواقع التأثير الحقيقية: اللجان التفاوضية، فرق إعداد السياسات، دوائر التخطيط المائي، فتكاد تكون حكرًا على مقاربة بيروقراطية ذكورية ترى المياه ملفًا تقنيًا أو أمنيًا، لا قضية حياة واستقرار اجتماعي.
والنتيجة؟ سياسة مائية عمياء. سياسات لا ترى القرى التي جفّت، ولا الأهوار التي تنهار، ولا النساء اللواتي يدفعن ثمن قرارات لم يشاركن في صياغتها. وحين تفشل هذه السياسات، يُطلب من المجتمع “التكيّف”، وكأن العطش قدر طبيعي، لا نتيجة مباشرة لخلل في الحوكمة والتمثيل.
اللافت أن المشاركة النسوية تكون أكثر حضورًا وفاعلية على المستوى المحلي مبادرات مجتمعية، منظمات مدنية، برامج تكيّف مع الجفاف. لكن الدولة لا تسمع هنا، ولا تربط هذا الجهد بالمسار الرسمي. فتبقى الخبرة في الأسفل، والقرار في الأعلى، والفجوة تتسع.
إن إدماج النوع الاجتماعي في إدارة المياه لا يتعلق بالعدالة فقط، بل بالكفاءة السياسية. الدولة التي تُقصي فاعلين رئيسيين من فهم الواقع، تُفاوض وهي عمياء، وتخطط وهي منقطعة عن الأرض. وفي ملف عابر للحدود كالمياه، حيث تختلط الجغرافيا بالسياسة بالمناخ، لا مكان للسياسات أحادية الرؤية.
ما يحتاجه العراق ليس “إشراكًا شكليًا”، بل إعادة تصميم جذرية لحوكمة المياه تمثيل حقيقي للنساء في مواقع القرار، موازنات مراعية للنوع الاجتماعي، ربط المسارات التفاوضية الرسمية بالخبرة المجتمعية، والخروج من عقلية الملف التقني إلى منطق القضية السيادية الشاملة.
الأخطر أن استمرار هذا الإقصاء يُضعف الموقف التفاوضي العراقي نفسه. فالدولة التي لا تمثل مجتمعها، ولا تُظهر إدارة عادلة وشاملة لمواردها، تدخل أي تفاوض إقليمي من موقع هش، مهما رفعت من شعارات السيادة.
#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟