رمضان حمزة محمد
باحث
الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 17:10
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا يمكن فهم التحدّي المناخي والمائي في العراق بمعزل عن موقعه الجغرافي كـدولة مصب في حوضي دجلة والفرات. فبينما يُسجّل العراق تقدمًا نسبيًا في إعداد استراتيجيات المناخ، والتقارير الدولية، وأدوات الشفافية، يبقى العامل الخارجي – دول المنبع – هو المتغيّر الأكثر تأثيرًا والأقل خضوعًا للسيطرة الوطنية.
تعزو دول المنبع، ولا سيما تركيا وإيران، سياساتها المائية إلى تغيّر المناخ، تراجع الهطول، وارتفاع الطلب الداخلي. غير أن الواقع العراقي يكشف أن المناخ يُستخدم في كثير من الأحيان كغطاء سياسي لإدامة سياسات أحادية توسّع مستمر في السدود والخزانات، تشغيل غير منسّق للمنشآت المائية، غياب أي التزام فعلي بمبدأ “عدم الإضرار الجسيم”. في هذا السياق، لا يواجه العراق تغيّرًا مناخيًا فقط، بل اختلالًا بنيويًا في ميزان القوة المائية. أن شح المياه هو أخطر مُضاعِف للمخاطر في العراق، فإن هذا الشح لا يُنتَج داخليًا فقط، بل يُعاد تشكيله سياسيًا عبر تقليص الإطلاقات المائية العابرة للحدود، تحويل الجفاف من ظاهرة مناخية إلى أداة ضغط غير معلنة، ربط المياه بملفات أمنية واقتصادية لا يمتلك العراق أوراق تفاوض قوية فيها. وهكذا، تصبح الهشاشة المناخية في العراق هشاشة سيادية أيضًا. أن ضعف الحوكمة المائية داخليًا يُفرغ العراق من أي شرعية تفاوضية قوية غياب رؤية وطنية طويلة الأمد للمياه، استمرار الهدر الزراعي، انعدام التسعير والعدّادات، إدارة المياه كخدمة لا كأصل استراتيجي. هذا الواقع يسمح لدول المنبع بتبرير سياساتها بحجة أن العراق لا يُحسن إدارة ما يصل إليه أصلًا. المفارقة أن التقدّم الذي أحرزه العراق في ملف المناخ NDC، تقارير الشفافية، أدوات الهشاشة كان يمكن أن يتحول إلى رافعة دبلوماسية في ملف الأنهار المشتركة، أساس لخطاب قانوني–مناخي يستند إلى العدالة المناخية، مدخل لإشراك المجتمع الدولي في ضبط السلوك الأحادي لدول المنبع. لكن ما دام ملف المياه مفصولًا عن السياسة المناخية، السياسة الخارجية، والأمن الوطني، فإن العراق سيبقى متلقيًا سلبيًا لتداعيات قرارات لم يشارك في صنعها. لا يمكن للعراق أن ينجح في التكيّف مع تغيّر المناخ دون إعادة بناء موقعه التفاوضي المائي. وهذا يتطلب توحيد ملف المياه والمناخ والدبلوماسية في رؤية سيادية واحدة، استخدام أدوات المناخ الدولية كوسيلة ضغط قانونية وأخلاقية، الانتقال من خطاب الشكوى إلى خطاب إدارة الندرة المشتركة. فالمياه في العراق لم تعد مسألة فنية، بل اختبارًا لقدرته على تحويل الهشاشة المناخية إلى قوة تفاوضية قبل أن تتحول الندرة إلى واقع لا رجعة فيه.
#رمضان_حمزة_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟