أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق /3














المزيد.....

خلف الباب الازرق /3


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 22:39
المحور: الادب والفن
    


المصير المظلم

​ليس كلُّ من يخرج من المكان ينجو منه. بعضُ الأمكنة تخرج معنا، وتسكن في الداخل.

​جاءت به سيارةُ النجدة مساءً.
كانت السماءُ تمطرُ بخفّة، والوحلُ يلتصق بحذائه الصغير. وقف عند بوابة الدار وهو يضمّ كيسًا نايلونيًا إلى صدره، كأنما يخبئ فيه بقايا عمرٍ قابلٍ للكسر. سلّمه الشرطيُّ ومضى دون أن يودّع، تاركاً خلفه طفلاً يواجه صمتاً أثقل من المطر.
​بقي سعدٌ واقفًا ينظر إلى الشارع، يرقبُ الأضواء المتلاشية، كأنَّ أحدًا قد يعود ليصحح الخطأ ويأخذه. لكنَّ الشارع ظلّ يمطرُ فقط.
​دلّوه على سريرٍ ملتصقٍ بالحائط. جلس عليه بحذر، ومدّ يده تحت الوسادة يبحثُ عن شيءٍ اعتاد أن يجده في بيته القديم؛ رائحة، أو خديعة أمان. لم يجد شيئاً سوى برودة القماش. من السرير المقابل، رمقه ولدٌ أكبر منه بنظرةٍ ساخرة وقال:
​"ما اسمك؟"
​"سعد".
ضحك الولد بمرارة: "هنا لا توجد أسماء.. نحن مجرد أرقام في دفتر المدير". ثم استدار ومنح العالم ظهره.
​في طابور الغداء، تعلّم سعدٌ أول دروس "السقوط". دفعه أحدهم، فتناثر حساءُ العدس على الأرض وسط ضحكات الصغار. انحنى يجمع ما تبقّى بيدين مرتجفتين، فمرّ المشرفُ وقال ببرودٍ جارح:
​"انتبه في المرة القادمة.. لا وقت لدينا للكسالى".
​لم يسأل المشرفُ مَن دفعه، ولم ينصفه أحد. في تلك اللحظة، تعلّم سعدٌ أن الأرض أقربُ إليه من العدالة، وأن الصمت لا يحمي الضعفاء.
​في الثامنة، اتُّهم بسرقة قطعة حلوى.
​"هل أخذتها؟" سأل المشرف.
​"لا".
جاءت الصفعةُ سريعةً، تلتها أخرى تركت وشم الخجل على خده. في المساء، لم يذهب سعدٌ للاعتذار، بل عاد إلى المخزن وتسلل كالظل. أخذ قطعة حلوى فعلاً، وجلس خلف الخزانات يأكلها ببطءٍ شديد. لم يكن جائعاً، لكنه أراد أن يشرعن الظلم الذي وقع عليه؛ أراد ألا يكون "مظلوماً بلا سبب".
​كبر سعدٌ، وصار كتفاه أعرض، وصوته أخشن. تعلّم أن من لا يَدفع.. يُدفع. في الخامسة عشرة، اكتشف أن العالم خارج السور يفتح أبوابه لمن يملك الجرأة، لا لمن يملك الحق. عاد يوماً وفي جيبه نقودٌ كثيرة، اشترى بها عصيراً للصغار، فلأول مرة شعر بـ "السيادة". أخفى ما تبقى من النقود تحت ذات الوسادة الباردة.. ونام مبتسماً للمرة الأولى.
​حين بلغ الثامنة عشرة، ناداه المدير ليسلمه "كيس الرحيل".
​"انتهت مدتك.. صرت رجلاً الآن".
هزّ سعدٌ كتفيه بلامبالاة، وخرج من ذات الباب الذي استقبله طفلاً مبللاً بالوحل. لم يودّع أحداً، فالمكان الذي لا يمنحك اسماً، لا يستحق منك دمعة وداع.
​مرّت سنوات.
في إحدى الأمسيات، كان المدير يطالع الجريدة في مكتبه الدافئ. توقّف عند خبرٍ في الصفحة الأخيرة: «القبض على شابٍ بتهمة السطو المسلح في المنطقة الصناعية». كانت الصورة ضبابية، لكنَّ الملامح القاسية والاسم كانا واضحين تماماً: سعد.
​طوى المدير الجريدة بهدوء، وأسند رأسه إلى الكرسي. في الخارج، كان الصغار يركضون في الساحة، يطاردون كرةً مهترئة نحو الباب الأزرق.. ولا أحد منهم يدرك أن ذلك الباب قد يكون بدايةً لرحلةٍ لا تنتهي إلا خلف قضبانٍ أخرى.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خلف الباب الازرق / 2
- خلف الباب الازرق / 1
- ما لا يدرس في الجامعة / 7 الاخيرة
- ما لا يدرس في الجامعة / 6
- ما لا يدرس في الجامعة / 5
- ما لا يدرس في الجامعة / 4
- مالا يدرس في الجامعة / 3
- مالا يدرس في الجامعة / 2
- ما لا يدرس في الجامعة / 1
- ميثاق
- رائحة الصابون العادي
- ليالي بغداد / 10 الاخيرة
- ليالي بغداد / 9
- ليالي بغداد / 7
- كراج العلاوي / 8
- ليالي بغداد / 6
- ليالي بغداد / 5
- ليالي بغداد / 4
- ليالي بغداد / 3
- ليالي بغداد / 2


المزيد.....




- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - خلف الباب الازرق /3