داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 15:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المضحك المبكي أن كل الذي يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي نصدقه – خصوصا هذه الايام - ونعتبره حقيقة ساطعة لا غبار عليها، حيث نغلق عقولنا ونفتح أفواهنا، ونروح نتحدث ونجادل، وأحيانا نتعارك ونصل إلى حد الضرب بالأيدي، وكأن ما نراه على الشاشة وحيٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فنشارك الأخبار قبل أن نفهمها، ونبني مواقفنا على عناوين مبتورة، ونحاكم أشخاصا ودولًا وأفكارا بناءً على مقطع قصير أو صورة مجتزأة أو منشور عاطفي صيغ بعناية ليؤثر فينا لا ليُعلِمنا.
وما لا ندركه، أو نتجاهله عمدا، أن هناك مبدأ معروفا في السياسة يُسمى: الحروب الباردة، وحروب الإعلام، وهي ليست نظريات مؤامرة، كما يظن البعض، بل أدوات معترف بها في فلسفة الصراع الدولي. هذه الحروب لا تُدار بالطائرات والمدافع، بل بالكلمات، والصور، والإشاعة، وبالضغط النفسي. تُصنع الرواية، وتُضخ، وتُكرر، حتى تصبح (حقيقة) في أذهان الجمهور. الحرب الآن القائمة بين أمريكا وإيران، مثلًا، هي إلى حد كبير حرب دعاية، ليس إلّا كل طرف فيها يقدّم نفسه ضحية، والآخر شرًّا مطلقًا، ويختبر قدرة إعلامه على التأثير والسيطرة. وكلنا يعلم أن اعلام امريكا اقوى من ايران، لأسباب واضحة.
لكن المشكلة الأخطر أن كثيرين يصدقون كل ما يصدر عن الطرفين، بلا تمييز، بلا شك، بلا مساءلة، حتى أولئك الذين يُطلق عليهم مثقفون. يتحول هذا المثقف من ناقد إلى مروّج، ومن صاحب عقل إلى مكبر صوت. يُستبدل التفكير بالانفعال، والتحليل بالاصطفاف، والوعي بالضجيج. لهذا صرنا مهزلة حيث تتلاعب بنا الاهواء، وتحرف وعينا الأخبار.
ونحن لا ندرك أن الانغماس في هذا الفوضى الإعلامية يزرع القلق، ويشتت الانتباه عن مشاكلنا الحقيقية، ويحوّلنا إلى دمى تُحركها الصور والعناوين. كثيرون منا ينشرون قبل أن يفكروا، ويجادلون قبل أن يسألوا، ويغضبون قبل أن يتأكدوا. والمضحك المبكي أن بعضنا يظن أنه يمتلك الحقيقة بينما كل ما بين يديه نصف قصة مشوهة، وقد صيغت بعناية، والذكاء الاصطناعي يلعب لعبنه.
وفي زمن كهذا، لم تعد المشكلة في قلة المعلومات، بل في غياب العقل النقدي. نحن لا نحتاج إلى المزيد من الأخبار، بل إلى قدر أكبر من الشك، لأن أخطر ما في الدعاية أنها لا تحتاج إلى كذب كامل، يكفيها نصف حقيقة، والباقي نملؤه نحن بأوهامنا، ونحوّلها إلى حرب نؤمن بها، حتى وإن لم نفهم طبيعتها الحقيقية.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟