|
|
قراءة في كتاب (النقد الأدبي في روسيا ما بعد السوفييتية)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 14:02
المحور:
الادب والفن
(1) كان الاتحاد السوفيتي هو المنافس الشرس للولايات المتحدة الامريكية، كدولة عظمى، وقد حدث بين هتين الدولتين، حرب اعلامية منذ الاربعينيات حتى بداية التسعينات، وسميت هذه الحرب بـ "الحرب الباردة" لأنها كانت حرب اقتصادية سياسية ايديولوجية، وتُعد مثل هذه الحروب، أقوى من الحروب العسكرية التقليدية، كما تفرضها امريكا اليوم على ايران، وقبلها على العراق. وبالتالي سقط الاتحاد السوفيتي، وأصبح دويلات صغيرة. جاء في "ويكيبيديا – الموسوعة الحرة مايلي: " كان تفكك الاتحاد السوفيتي إشارة لانتهاء الوجود القانوني لدولة اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. وقد حدث ذلك التفكك في عام 1991. ذلك عقب إصدار مجلس السوفييت الأعلى للاتحاد السوفيتي وفيه أُعلِن الاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفيتية السابقة، وإنشاء رابطة الدول المستقلة لتحل محل الاتحاد السوفيتي. وفي 1991 قام الرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف بإعلان استقالته في خطاب وجهه إلى الشعب السوفيتي عبر التلفزيون الرسمي. وأشار في الخطاب إلى أن مكتب رئيس اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية قد أُلْغِي. وأعلن تسليم كافة سلطاته الدستورية بما فيها السلطة على الأسلحة النووية الروسية، إلى الرئيس الروسي بوريس يلتسن. وبالتالي، أصبحت روسيا على ما هي عليه الآن، حيث بدأت مرحلة جديدة، أي مرحلة لتاريخ جديد تغيرت فيه كثير من القضايا: السياسية والأدبية والفكرية والأقتصادية. وهذا الكتاب الموسوم "النقد الأدبي في روسيا ما بعد السوفيتية" وهو اختيار وترجمة الاستاذ حسين صابر، عن اثنين من ابرز الكتّاب من الذين برزوا في هذا المعترك في مجال الأدب، وهما: يغفيني دوبرينكو و غالين تيخنوف. والحديث كان حصرا عن هذه المرحلة حيث انحى النقد بها منحى آخر، بعد أن كان النقد مراقب – بعض الشيء – وهناك أعمال ادبية مهمة مُنعت من النشر. راجع ص: 32 – 33 من الكتاب. (2) جاء في الكتاب الحديث حول أنه كيف مُنعت بعض الأعمال، وكيف كانت معظم تلك الأعمال خاضعة للرقاب، ولا تصدر إلّا بموافقة لجنة مخصصة لهذا الغرض. "وكانت المشكلة الأخرى هي أنه منذ عشرينيات القرن الماضي، كان النقد السوفيتي كمؤسسة اجتماعية، أي مرتبكا ارتباطا وقيقا بالأدب السوفيتي، أي الأدب الخاضع للرقابة الحكومية، وكانت حدود ما هو مقبول وما هو غير مقبول في الأدب السوفيتي ككل، هي نفسها بالنسبة للنقد. راجع: ص 30 مع ذلك ثمة اعمال استطاع مبدعيها أن يجازفوا بنشرها، متحدين تلك الرقابة، غير عابهين بالعقوبة التي قد تُوجه اليهم. في فترة السبعينيات والثمانينات القرن الماضي منعت اعمال مثل: ارخبيل غولان (1930 – 1959) و سولجيننتسين (1918 – وهو كاتب مسرحي، وكذلك قصائد جوزيف برودسكي (1940 – 1996) وغيرهم. راجع ص: 30 فضلا عن ذلك "كانت هناك أعمال نادرة فيها مجازفة كبيرة لنقاد غير خاضعين للرقابة، تم نشروها خارج الاتحاد السوفيتي، أو كتبت لدائرة ضيقة من الأشخاص، من ذوي التفكير المماثل لكتابها وتوجهاتهم، كأعمال الشاعر والروائي فيكتور كريفولين، والكاتب ميخائيل بيرغ". ص 32 وهذه الأعمال وغيرها كانت محظورة، وغير ذلك من الأعمال الأخرى كالكتب السياسية، وأخرى فكرية يعاقب عليها القانون آنذاك، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي طُبع أغلبها، حيث رفع الحظر عنها، ومثل هذا يحدث في العديد من الحول، بعد أن يتغير نظامها السياسي. ومع ذلك، وبحسب مبدأ "لكل قاعدة شواذ" فأن لجنة المراقبة لتلك الأعمال، لم تستطع أن تراقب جميع الأعمال، بهدف حظرها، لسبب أو لآخر؛ هناك من المهتمين بالنقد وغيره، استطاعوا أن يؤسسوا لجنة خاصة بهم أطلقوا عليها (النقد غير الخاضع للرقابة) وعلى إثر هذه اللجنة "فأن بعض النقاد الأيديولوجيين في التسعينيات، ومن خلال نظام التعاضد بينهم وبين تلك الاستراتيجيات، قد نشروا مثالات مثل: (نظرة الى الفنان الحر)و (الحضور المبرر) و (مطبوعات التحكم) وهي مقالات لكريفولين كتبت في التسعينيات ثم جمعها في كتاب - مطاردة الماموث – 1999- " راجع ص 42. (3) في الفصل الثالث تناول الكتاب موضوع ما بعد الحداثة، وكان الطرح من الناحية النقدية، هو موضوعة الأدب وما يخصه من المطبوعات كالروائية، وقضايا الشعر، كذلك الدوريات والصحف، وغير ذلك، لا ما يخض الفلسفة، أي موضوع الطرح أدبي محض، بعيد عن القضايا الفلسفية التي هي جزء هام من ناحية ما بعد الحداثة. "إن النقاشات حول ما بعد الحداثة والواقعية، التي أستمرت طوال عقد التسعينيات بأكمله، أدت في النهاية إلى انقسام ايديولوجي ملحوظ للغاية في المعسكر الليبرالي. ينجذب المدافعون عن التقليد الواقعي نحو مجلتي (العالم الجديد) و(القارة) وهنا يتم نشر الخطب الأكثر قسوة لإيرينا رودنيانسكايا، وباسينسي، وبعض النقاد الآخرين، تلك الخطب الموجهة ضد ما بعد الحداثة وممثليها، والتي بشكل عام تشكل خطورة على ظواهر الثقافة الروسية، أولئك الكُتاب الذين يعتبرون ما بعد الحداثة ظاهرة انتاجية للثقافة الروسية..." راجع: ص 54. وبالتالي، الذين انتقدوا ما بعد الحداثة، وأعدوها بأنها مثلبة، ونكسة بحق الأدب والنقد الأدبي، وهنا نلخص ما جاء بتلك المثالب: 1- ما بعد الحداثة لا تنتج المعاني، بل تدمرها. إنها تكشف فوضى العالمين الاجتماعي والفردي. 2- تتخلى ما بعد الحداثة عن فكرة الفهم والمنهج المثالي، وفي نهاية المطاف عن المنطق الديني أو الأخلاقي، الذي كان دائما مركز القيمة الثقافة الروسية الدينية والعلمانية. 3- ما بعد الحداثة مشغولة بفوضى العالم الخارجي وجعل العالم الداخلي للإنسان بلا معنى. تاريخ ما بعد الحداثة اتجاهات راديكالية وبلشفية، في الثقافة والتاريخ. (راجع: ص 56) ويخلص الكاتبين بالنتيجة، وبصدد الحديث عن الشعر الروسي، حول فعلت به ما بعد الحداثة، بالقول: "كل الشعر الروسي بأنواعه البسيط والعميق، الراقي والسطحي، لديه نظام روحي هش إلى حد ما، ولا يمكن السماح للديماغوجيين (الاسلوبيين) بالاستيلاء عليه. ليست هناك حاجة لتحويل الحداثيين إلى مخلّصين، واتباعهم إلى طائفة. كل هذه خيالات فارغة، فالثقافة واحدة وكاملة، كي يتحول الأديب الروسي إلى أدب مبعثر، يجب أن يبقى كما كان، فهو مدرسة روحية وجمالية تغذي الإنسان". ص 57. (4) في فصل الانطباعات الأدبية، الحديث حول الفارق بين سبعينيات القرن الماضي، وبين بعد حقبة ما بعد السوفيتية، إذ جاء الكتاب أنّه في النصف الثاني من التسعينيات، شهد خطاب اليوميات تحوّلًا نقديًا لافتًا، حيث لم يعد هذا الخطاب مجرد تسجيل ذاتي للأحداث، بل أصبح مساحة تحليلية تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الوعي الجمالي والاجتماعي. وقد تجلّى هذا الاتجاه في أكثر من (115) مقالة لدربروتوفسكي، التي تُوّجت بعمله الصادر عام 2000 حول مفهوم "السينما الملموسة". وفي هذا العمل، تعامل دربروتوفسكي مع اليوميات بوصفها مادة بصرية - سردية، تتجاوز التوثيق إلى مساءلة الواقع وإعادة تركيبه نقديًا. لاحقًا، لعبت مجلة المراجعة دورًا محوريًا في ترسيخ هذا التحول، إذ فتحت المجال أمام قراءات جديدة لليوميات باعتبارها خطابًا نقديًا هجينًا، يجمع بين الأدب والفلسفة والنقد الثقافي. وعليه لم تعد اليوميات تُقرأ من زاوية ذاتية ضيقة، بل كوثيقة فكرية تعكس تحولات المجتمع وأسئلته. وفي هذا السياق، جاء التغيير في تصنيف الأدب الاجتماعي التشخيصي نتيجة للدراسات التي قام بها دوبين في تجاربه عام 2001. فقد أعاد دوبين النظر في الحدود الفاصلة بين السرد والتحليل الاجتماعي، معتبرًا أن التشخيص الأدبي لا يقتصر على وصف الظواهر، بل يتطلب تفكيك بنيتها العميقة وربطها بالسياق التاريخي والثقافي. وهكذا، أسهمت هذه التحولات مجتمعة في إعادة تعريف وظيفة اليوميات ودورها النقدي في الأدب المعاصر. راجع: ص 71 (5) بالنتيجة، إن كتاب "النقد الأدبي في روسيا ما بعد السوفييتية" للمؤلفين يعفيني دوبرفينخو وغالين تيخنوف، بترجمة الأستاذ حسين صابر، ونشر أتحاد الأدباء والكتاب في العراقي لسنة 2025، هو دراسةً مهمة في فهم التحولات العميقة التي شهدها النقد الأدبي الروسي عبر حقبتين مفصليتين: عهد الاتحاد السوفييتي ومرحلة سقوطه في تسعينيات القرن المنصرم. يتناول الكاتبان السياق التاريخي والسياسي الذي أحاط بالنقد الأدبي، موضحَين كيف كان هذا الحقل محاصرًا بقيود أيديولوجية صارمة، حيث خضع الإنتاج الأدبي لرقابة لجان خاصة تولّت المنع والإجازة، مما أدى إلى إقصاء كثير من الأعمال ومنع تداولها. ويُبرز الكتاب طبيعة النقد في الحقبة السوفييتية بوصفه أداة توجيه أيديولوجي أكثر منه ممارسة تحليلية حرة، إذ فُرضت على النقاد معايير محددة لا يجوز تجاوزها. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، شهد المشهد النقدي انفتاحًا واسعًا، أتاح حرية التعبير وتعدد المناهج والرؤى. ونتيجة لذلك، تغيّر طابع النقد تغييرًا جذريًا، وأصبح فاعلًا ومؤثرًا، يستند إلى المقارنة والتحليل واستعادة الأعمال المقصاة سابقًا. يقوم الكتاب على مقارنة واضحة بين العهدين، كاشفًا عن أثر التحولات السياسية في تشكيل الخطاب النقدي، كما بينّا. (6 وتأتي ترجمة الأستاذ حسين صابر دقيقة وأمينة، بل ومهمة، حيث حافظت على روح النص وأبعاده الفكرية، مما يجعلها ترجمة جديرة بالثناء، وقد أسهمت في إيصال هذا العمل المهم إلى القارئ العربي - بشكل عام، والعراق بشكل خاص - بوضوح واقتدار.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حسين مردان.. شاعر التمرد
-
لماذا الإساءة إلى السياب؟
-
الصعاليك الجدد/ 4
-
صعاليك العراق الجُدد/ 3
-
صعاليك العراق: شعرٌ يُكتب على حافة الخراب/ مقدمة
-
منحة المبدعين بين الاستحقاق والمنّة
-
معارض الكتب.. جعجعة بلا طحين
-
أدباء مرضى نفسيين: ما هو التعالي الفارغ؟
-
لماذا نعيش إذا كانت الحياة بلا معنى؟
-
فصول الحزن الدفين قراءة في نص(رياح) لـ عبد الإله الفهد
-
تجربتي الأدبية وزيف البشر
-
المتاهة التي نسكنها
-
بلدٌ غنيّ وفنانٌ جائع لماذا انهار رضا الخياط؟
-
من هم أدباء الدمج؟
-
السفر الى الماضي والى الحاضر - كتاب يضلّ الفكر باسم المعرفة
-
فضيحة من العيار الثقيل تهز المشهد الثقافي
-
ما عاد لي وطنٌ
-
صوتي ليس للبيع…لهذا لن أنتخب
-
رؤية الحيدري.. التشيع كاجتهاد مفتوح نحو الحقيقة
-
كمال الحيدري كما أراه
المزيد.....
-
فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط
...
-
عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة
...
-
مايكل بي. جوردان يقول إن مشاهدة فيلم -Sinners- أبكته
-
أحزان فيروز تتجدد في جنازة هلي الرحباني.. أمومة استثنائية خل
...
-
-الطوفان العظيم-.. سينما الكارثة حين تتحول المياه إلى مرآة ل
...
-
وثائق كنسية تعزز -أطلس القدس المصور- وتنصف العثمانيين
-
الفيلم السعودي -رهين-.. فوضى سينمائية تقع في فخ الكوميديا ال
...
-
وداعاً -ابن رشد العصر-.. جدل مراد وهبة لن يموت أبداً!
-
عالم ما بعد هوليود: كيف تعيد صناعة السينما رسم خريطة التأثير
...
-
مارلين بوث تحصد جائزة سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية 2025
...
المزيد.....
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
المزيد.....
|