داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 13:31
المحور:
الادب والفن
كثرت في الآونة الأخيرة الأصوات التي تُطلِق على نفسها وصف الأدباء، بينما هم في الحقيقة لا يحملون من الأدب إلا اسمه، وكأن المصطلح أصبح لافتة جاهزة يمكن لأيٍّ كان أن يعلّقها على نفسه ما دام يجيد تركيب جملٍ مبعثرة أو كتابة نصوص لا يربطها منطق ولا يعززها خيال ولا ينهض بها معنى. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، اتسعت الساحة لمن لا يمتلك أبسط أدوات الكتابة، فصار كل من يكتب في حقل من حقول الأدب، أو نصًا مليئًا بالصور المتكلَّفة يتصدر المشهد باعتباره “أديبًا” له جمهور ومريدون. وهكذا تراجعت القيمة الحقيقية للكلمة أمام زيف الادعاء وسطحية الظهور.
وقد بدأ البعض يصف هذه الفئة بـ “أدباء الدمج”، في إشارة واضحة إلى ما عرف في العراق من “ساسة الصدفة”، أولئك الذين وصلوا إلى مواقع صنع القرار بلا خبرة أو موهبة أو مؤهل. والمصطلح، رغم طرافته، يفضح أزمة عميقة في البيئة الثقافية، حيث تختلط الأصوات الصادقة بالأصوات المفتعلة، ويتساوى من قضى سنوات في القراءة والبحث والكتابة بمن لم يقرأ كتابًا كاملًا في حياته. إن الأدب ليس زخرفة لغوية ولا استعراضًا للمفردات، بل هو رؤية وفكرة وتجربة، وهو مسؤولية قبل أن يكون موهبة.
ولا تكمن المشكلة في ظهور كتاب جدد، فالحركة الأدبية لا تستمر إلا بالوجوه الطموحة، بل تكمن في غياب الوعي بأن الأدب لا يحتمل المجاملة ولا يتسع للتسطيح. الكاتب الحقيقي هو من يدرك أن كتابة الرواية، القصص، الشعر، النص المسرحي كل هذه تحتاج إلى صقل، وأن الكلمة تحتاج إلى صدق، وأن الأفكار لا تُنتَج اعتباطًا بل تُصاغ بجهد ومعرفة وعمق. أما من يرى الكتابة مجرد وسيلة للظهور أو لحصد الإعجابات، فإنه يضيف ضجيجًا جديدًا إلى مشهد يعاني أصلًا من الفوضى.
ويبقى الأمل معقودًا على القارئ الواعي القادر على تمييز الابداع الذي ينبع من تجربة ومعرفة، عن ذلك الذي لا يعدو أن يكون تركيبًا هزيلًا لكلمات بلا روح. فالأدب الحقيقي لا يصنعه الادعاء، بل يصنعه الإخلاص للغة، والاحترام للفكر، والإيمان بأن الكتابة فعل مسؤول لا ينهض به إلا من عرف قيمتها.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟