أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - تجربتي الأدبية وزيف البشر














المزيد.....

تجربتي الأدبية وزيف البشر


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8549 - 2025 / 12 / 7 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


في العمر العشرين، تُشبه الروح صفحة بيضاء واسعة، تتسع لكل حلم، وكل وهم جميل، وكل فكرة ناصعة نؤمن بأنها الحقيقة المطلقة. كنت آنذاك أرى عالم الأدب والثقافة كأنه واحة طهر لا يدخلها إلا الأنقياء، مكانًا يشبه أجواء الأنبياء، حيث يتجرد الإنسان من كل شهوة ومصلحة وعيب. كانت الكتب بالنسبة لي بوابات للسمو، وكان الأدباء كائنات أعلى من البشر، يحملون قلوبًا نقية لا تعرف الخطيئة، وعقولًا لا تنحني أمام رغبة ولا تتلوث بنفاق. تلك النظرة البريئة كانت جزءًا طبيعيًا من العمر ومن حرارة الشغف.
منذ ذلك الوقت، أحببت الأدب حبًّا أصيلًا، وتمنّيت أن أكون جزءًا من هذا العالم، أن انتسب إلى اتحاد الأدباء، وأن أخط اسمي هناك حيث يتجاور الإبداع مع الخلود. تمنّيت أن اكبر وأن احمل تلك الشعلة البيضاء التي لا تنطفئ، وأن اصغي لصوت داخلي يقول إن مستقبلًا جميلاً ينتظرني بين الكلمات. لكن الحياة —بدهائها القديم— لا تمنح الإنسان الأشياء كما يتخيّلها، بل كما هي حقًا، وتكشف له أن الأوهام مهما بدت مقدّسة، لا تصمد أمام اختبار الزمن.
واليوم، بعد أربعين عامًا، جاءت الصدمة القاسية. ليست صدمة من الأدب ذاته، فالأدب باقٍ كما هو؛ كتابٌ صادق، وقصيدة ساحرة، وفكرة تضيء العقل. الصدمة جاءت من البشر، من إدراك أنّ الذين كنا نراهم المثال الأعلى ليسوا أكثر من بشرٍ، فيهم ما في الناس جميعًا من ضعف وتناقض وأهواء. اكتشفت أن كثيرًا مما نعتبره قداسة قد يكون مغطّى ببريق زائف، وأن بعض الذين يتحدثون عن القيم الكبرى ربما يفعلون عكسها حين تُطفأ الأضواء.
هنا فقط فهمتَ أنّ الإنسان محاط بخدعة كبيرة اسمها الحياة. حياة تُزيّن الأشياء ثم تكشف بشاعتها، تُعطي لتأخذ، وتُعلّم بالضربات أكثر مما تُعلّم بالكتب. لكنها، رغم قسوتها، ليست شرًا مطلقًا؛ إنها تجربة معقدة، خليط من صدق وكذب، من جمال وقبح، من خيبة ورجاء. ولعل الحقيقة الكبرى التي أدركتها اليوم هي أنني حين أحببت الأدب، أحببت الجانب النقي في نفسي، وليس في الآخرين. الأدب لم يخدعني يومًا، لكن البشر فعلوا.
ومع ذلك، تبقى الخدعة الجميلة جزءًا من نضجنا. فقدان المثاليات لا يعني فقدان الإيمان، بل يعني أني صرت ارى الأشياء بعين أكثر عمقًا. أنا اليوم عرفت أن الأدب ليس عالمًا منزّهًا، لكنه عالم قادر على أن يُطهّر الروح رغم عيوب أصحابه. وأن الحياة، مهما خدعتنا، تترك في داخلنا القدرة على الحلم وعلى الكتابة عن هذا الألم، وعلى تحويل الصدمة إلى فهم، والخسارة إلى حكمة.
لذلك، ربما لم أخسر شيئًا. أنا فقط انتقلت من الوهم إلى الحقيقة، ومن الطفولة إلى الرؤية. وما يبقى بعد كل هذا هو قلمي وقلبي الذي لم يفقد حساسيته مهما كانت الخيبات.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المتاهة التي نسكنها
- بلدٌ غنيّ وفنانٌ جائع لماذا انهار رضا الخياط؟
- من هم أدباء الدمج؟
- السفر الى الماضي والى الحاضر - كتاب يضلّ الفكر باسم المعرفة
- فضيحة من العيار الثقيل تهز المشهد الثقافي
- ما عاد لي وطنٌ
- صوتي ليس للبيع…لهذا لن أنتخب
- رؤية الحيدري.. التشيع كاجتهاد مفتوح نحو الحقيقة
- كمال الحيدري كما أراه
- الحيدري: هل الله موجود أم وجود؟*
- كمال الحيدري: آدم أول نبي لا أول مخلوق
- رؤية كمال الحيدري في شمولية الحقيقة الدينية وتعدد طرق الوصول ...
- اعترافات المطر الخجول قراءة في نص لرنا جمال
- وجع مؤجل
- مفهوم العقل الفقهي عند كمال الحيدري
- كمال الحيدري وخصومه
- كمال الحيدري.. الفيلسوف الذي أشعل نار العقل في محراب المقدس( ...
- نهاية الإنسان تبدأ حين ينتمي إلى القطيع
- تزوير وجهي الرّسمي
- عبرتُ لأنكِ لم تمسكي بيدي


المزيد.....




- نصٌّ سيريالى (نحْو خَرَاب صَالِح لِلسَّكَن) الشاعرمحمدابوال ...
- أين اختفت أمى نوال ؟ ديوان شعرى جديد بقلم منى نوال حلمى فى م ...
- الخوف بوصفه نظامًا في رواية 1984 للكاتب جورج أورويل
- الدكتور ياس البياتي في كتابه -خطوط الزمن-: سيرة إنسان ووطن
- رفع الحجز عن معاش الفنان عبد الرحمن أبو زهرة بقرار رسمي عاجل ...
- هل هجرت القراءة؟ نصائح مفيدة لإحياء شغفك بالكتب
- القضية الخامسة خلال سنة تقريبًا.. تفاصيل تحقيق نيابة أمن الد ...
- فيلم -عملاق-.. سيرة الملاكم اليمني نسيم حميد خارج القوالب ال ...
- احتفاء كبير بنجيب محفوظ في افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب ...
- هل ينجح مهرجان المنداري ببناء جسر للسلام في جنوب السودان؟


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - تجربتي الأدبية وزيف البشر