أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح














المزيد.....

سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 12:05
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


ليست سورة يوسف قصةً تُروى، بل تجربةً إنسانية تُعاش.
إنها نصٌّ يتجاوز السرد الديني إلى بناءٍ وجوديٍّ عميق، يعيد تعريف الألم، ويختبر معنى العدالة، ويكشف كيف تتشكّل الروح حين تُسلب منها الطمأنينة. سورة لا تُخبرنا عمّا جرى فحسب، بل تقودنا بهدوءٍ بالغ إلى مواجهة سؤالنا الشخصي: ماذا نفعل حين نُلقى في جبابنا الخاصة؟

منذ اللحظة الأولى، لا يُنتزع يوسف من مكانه فقط، بل من تعريفه الأوّل: الابن، المحبوب، الآمن.
الجبّ هنا ليس حفرةً في الأرض، بل عزلةٌ وجودية، لحظة انكسار الثقة حين يأتي الخذلان من حيث توقّع الإنسان الحماية. عند هذا الحدّ يتشكّل السؤال الفلسفي المركزي في السورة: كيف نحافظ على جوهرنا حين تنهار خرائط الأمان؟

إخوة يوسف لا يُقرأون بوصفهم شخصياتٍ تاريخية، بل رموزًا نفسية وأخلاقية مكثّفة. إنهم الغيرة حين تعمى، والمقارنة حين تتحوّل إلى عداء، والخوف من التفوّق حين يصبح مبرّرًا للإقصاء. إنهم الوجه المظلم في النفس الإنسانية، الذي يعجز عن مواجهة عتمته، فيسعى إلى إطفاء نور الآخرين.

تنتقل السورة من الجبّ إلى العبودية لا كانتقالٍ مكاني، بل كمرحلةٍ في تشكّل الوعي.
يوسف عبدٌ في الظاهر، لكنه يحتفظ بحريته الداخلية كاملة. الحرية هنا ليست موقعًا اجتماعيًا، بل موقفًا أخلاقيًا: القدرة على صون الجوهر وسط الإذلال. وفي بيت العزيز يبلغ الامتحان ذروته؛ حيث تتقاطع السلطة والجمال والرغبة. يوسف لا يرفض امرأة، بل يرفض أن يخون صورته الداخلية، أن ينحدر إلى ما دون ما يعرف أنه قادر على أن يكونه.

ثم يأتي السجن، لا بوصفه عقوبة، بل بوصفه رحمًا للتحوّل.
في العتمة تتخلّق الرؤيا، وفي الصمت يتبلور المعنى. يوسف في السجن لا يسأل: لماذا أنا هنا؟ بل يسأل السؤال الأعمق: من يجب أن أكون وأنا هنا؟ وهنا تتجلّى عظمة السورة الفكرية؛ فالألم ليس المشكلة، بل غياب المعنى. والسجن، على نحوٍ مدهش، لا يقيّد رسالة يوسف، بل يمنحها صفاءً وعمقًا.

الرؤيا في السورة ليست مجرّد تنبؤ، بل لغة بديلة حين تعجز اللغة المباشرة.
يوسف قادر على التأويل لأنه عاش الرموز قبل أن يفسّرها. من ذاق الجبّ يفهم الحلم، ومن عبر الألم دون أن ينكسر يملك مفاتيح المعنى. المعرفة هنا ليست تراكُمًا ذهنيًا، بل حكمةٌ مرّت عبر الجرح وبقيت حيّة.

وحين يبلغ يوسف موقع السلطة، لا ينتقم.
هنا الذروة الأخلاقية للنص.
الانتصار الحقيقي لا يكون بردّ الأذى، بل بتجاوزه.
عبارة العفو ليست عاطفةً عابرة، بل إعلان تحرّر من أسر الماضي. يوسف لا ينكر الجريمة، لكنه يرفض أن يُعرّف ذاته من خلالها. إنه يختار المستقبل بدل أن يسكن الذاكرة الجريحة.

وفي المقابل، يقف يعقوب صورةً أخرى للصبر: الصبر الجميل.
ليس الصبر الذي يُنكر الألم أو يبتلعه، بل الصبر الذي يرفعه إلى الله دون تشويه ودون ادّعاء. يفقد يعقوب بصره، نعم، لكنه لا يفقد بصيرته. الفقد في السورة ليس نقيض الرجاء، بل معبره الصامت.

تقول سورة يوسف، في عمقها الإنساني، ما لا يُقال مباشرة:
ليس كل سقوط نهاية،
ولا كل ظلم هزيمة،
ولا كل تأخير حرمان.

أحيانًا يتأخّر الفرج لأن الروح لم تنضج بعد،
وأحيانًا يُغلق الباب لأن الدرس لم يُستوعَب.

يوسف لم يصل إلى القصر مصادفة،
بل لأنه بقي يوسف في الجبّ، وفي الرقّ، وفي السجن.
ومن يظلّ وفيًّا لجوهره،
تأتيه الحياة في اللحظة التي تشبهه…
لا قبلها، ولا بعدها.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سورة يوسف: حين يُمتحَن المعنى… وتنتصر الروح
- حين يصبح الصمت سياسة… وتُختزل الحقيقة في بيان
- **حين يصير القول بديلاً عن الضمير: تفكك صورة المثقف من شرعية ...
- كيف نتقن القتل دون أن تتسخ أيدينا
- **الأعلام السوداء في تل أبيب: حين يصبح الاحتجاج اعترافًا متأ ...
- تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث جميل السلحوت: ...
- هدي شعراوي… حين يُقتل الضوء، وتُترك الحقيقة وحيدة
- إنجيل متّى بوصفه مشروعًا أنثروبولوجيًا للاهوت المحبّة قراءة ...
- رمضان حين فتح لنا المعنى انطباعات من ورشة عبرت الأجيال والحد ...
- غزة… اختبار الضمير العالمي
- سورة مريم: خطاب الضعف بوصفه بنيةً للمعنى
- محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن ...
- لماذا لا يتفق العرب؟
- بكفّي… حين يتحوّل الاحتجاج إلى استعادة للكرامة والمعنى
- تعبنا من الموت
- القدس: المدينة التي تُستهدف في معناها قراءة في ما يتجاوز الح ...
- الثقافة كقوة ناعمة من الدفاع عن الهوية إلى بناء الفعل الحضار ...
- ما يُسمّى قداسة
- ما لا يُساوَم عليه
- سخنين أمس… حين خرج الوجدان من البيوت لأن الصمت صار شريكًا


المزيد.....




- أحد أشرار هاري بوتر أصبح رمزًا للاحتفال برأس السنة في الصين ...
- الصين تحظر مقابض الأبواب المخفية في السيارات
- رئيس هيئة الطيران المدني السوري لـCNN: الناقلات الأجنبية ستأ ...
- إعلام إيراني: المحادثات النووية مع أمريكا ستُعقد في سلطنة عُ ...
- إيران وترسانتها الباليستية.. هل تشكّل عاملًا حاسمًا في ميزان ...
- المباحثات بين واشنطن وطهران ستجري في مسقط.. ماذا نعرف حتى ال ...
- ماذا نعرف عن سيف الإسلام، نجل معمر القذافي؟
- المصابون بحروق الدرجة الثالثة في حريق كرانس مونتانا يخضعون ل ...
- الحرب في أوكرانيا: ما المنتظر من جولة المفاوضات في أبو ظبي؟ ...
- -إحياء التاريخ بالصوت-.. عالمة تعيد إحياء أصوات العصور الوسط ...


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رانية مرجية - سورة يوسف: امتحان المعنى وانتصار الروح