|
|
ديانة المايا في أساطيرها عن الخلق والآلهة والطقوس
عضيد جواد الخميسي
الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 18:18
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
ترتكز المعتقدات الدينية للمايا على فكرة أن كل شيء تقريباً في العالم يحمل في طياته "كوهْ"، أي القداسة. و"كوهْ K uh" و"كوهول k uhul"، هما مصطلحان متشابهان يُستخدمان لشرح روحانية كل شيء إن كان حياّ أو جماداّ، ويصفان أسمى قوة للحياة في الوجود. ورسّخت المعتقدات فكرة خلق البشر والأرض وكل ما هو مقدّس .ويمكن ترجمة هذه القداسة الإلهية من خلال مجموعة أساطير الخلق .
أساطير الخلق قبل التعرّف على أساطير المايا عن الخلق ، يجب علينا فهم الفرق بين المصدرين اللذَين وُجدت فيهما قصص الخلق . وهذان المصدران هما كتاب "پوپول ڤوهْ " وكتب " چیلام بالام" . إذ يرتبط كتاب "پوپول ڤوهْ" بمايا المرتفعات في گواتيمالا الحالية، ويتضمّن نصوص خلق الإنسان والنبوءات والأساطير والقصص التاريخية المتوارثة . أما مجموعة كتب " چیلام بالام" فإنها ترتبط عادةً بمايا الأراضي المنخفضة في منطقة يوكاتان في المكسيك. وهناك عدة كتب من " چیلام بالام" منسوبة إلى المناطق التي دُونّت فيها. ومن أشهر هذه الكتب التي أكثرها تأثيراً كتب "چومايل"، و"تيزيمين"، و"ماني"، و"كاوا"، و"إكسيل"، و"توسيك"، و"كوديكس پيريز"، والتي كتبها كاهناً يُدعى "جاگوار"، وهي ترجمة حرفية لـ " چیلام بالام". ويرجع تاريخ هذه الكتب إلى الحقبة الاستعمارية الإسبانية، حوالي القرن الخامس عشر الميلادي، وهناك تأثير واضح للاستعمار الإسباني على أساطير الخلق في كتاب چیلام بالام .
يعتقد شعب المايا أن خلق الأرض كان من فعل هوراكان Huracán ( إله الرياح والسماء) . فعندما انطبقت السماء على الأرض، لم يتبقَ مجالٌ لنمو أي من الكائنات الحيّة. ولتوفير هذا المجال، زُرعت شجرة الـ سيبا. وامتدت جذور هذه الشجرة في جميع طبقات العالم السفلي، ووصلت أغصانها إلى العالم العلوي . كما نما جذع الشجرة ليُفسح المجال على الأرض للحيوانات والنباتات والبشر. وحسب معتقدات المايا، كانت الحيوانات والنباتات قد خُلقت أولاً ومن ثم البشر الذين جُعلوا من الناطقين لتقديم الشكر والامتنان للآلهة.
المراحل المتعددة لحضارة المايا بحسب نصوص المايا، فقد تدرّجت ثلاث مراحل للخلق حتى الآن ؛انتهت اثنتان منها بعدما فُنيت فيهما جميع الكائنات . وتوجد روايات عديدة لهذه المراحل الثلاث، وبعضها متأثراً بالمسيحية . أمّا الأحداث الأساسية لعمليات الخلق؛ يمكن أن نوجزها لكم في المقاطع التالية من كتاب "پوپول ڤوهْ" الخاص بحضارة المايا في المرتفعات :
ـ الخلق من الطين شهد الخلق الأول ظهور البشر المُصنّعين من الطين؛ حيث لم يكن هؤلاء البشر منتجين، وليس بمقدور الكثير منهم التفكير كما يفعل الإنسان المعاصر. وحسب النصوص المقدسة للمايا، فإن هؤلاء البشر "يتكلمون ولكن بلا عقول" ! ولم يكونوا قادرين على الحركة لأنهم مصنوعون من الطين، كما أنهم لم يكونوا بشراً بالمعنى الحرفي للكلمة. لذا فإن الآلهة لم تكن راضية عن خلقها الأول، فأبادت خلائقها الطينيين بتغطيسهم في الماء لاذابتهم والتخلّص منهم ! .
ـ الخلق من الخشب في الخلق الثاني، خلقت الآلهة الرجال من الخشب والنساء من القصب. وكان بمقدور هؤلاء البشر أن يعيشوا حياة طبيعية، لكنهم بلا أرواح ولا يأبهوا لآلهتهم ، بيد أنهم كانوا من الخالدين . فعندما يموتون لا يمكثون في الموت سوى ثلاثة أيام، ثم يعودون للحياة. وقد تسبب فيضان من الماء الفوّار الحار في هلاك رجال الأشجار ونساء القصب. ويُعتقد أن القليل ممن نجوا من هذه الكارثة قد تحولوا إلى هيئة القرود التي نعرفها اليوم !
ـ الخلق من نبات الذِرة شهد الخلق الثالث ميلاد الإنسان الحديث. حيث خُلق هؤلاء البشر من عجينة نبات الذرة البيضاء والصفراء مع دماء الآلهة. وكان البشر الأوائل أربعة رجال وأربع نساء. وقد اعتبرت الآلهة هؤلاء الرجال والنساء حكماء للغاية. كما اعتقدت آلهة المايا أن هؤلاء البشر الأذكياء يُشكلون تهديداً لسلطتهم، وكادت أن تقضي عليهم ؛ لكن قلب السماء (المعروف أيضاً باسم هوراكان ــ لكنه في اسطورة الخلق يُعرف بقلب السماء أو قلب الأرض) حجب عنهم موهبة الحكمة. يؤمن شعب المايا بطوائفه المختلفة بمجموعة متنوعة من أساطير الخلق . وأهم مفهوم يجب إدراكه حول معتقدات المايا الدينية هو أن الزمن وخلق البشر يُعتبران في دورة مستمرة. وهذا يعني أن بعض طوائف المايا تعتقد أن البشر الحاليين سوف يُهلكون وأن خلقاً جديداً سينبثق من بعدهم . رغم ذلك، فإن هذه الفكرة لا تتوازى بالضرورة مع المفاهيم الشائعة في أن المايا قد آمنوا بحدث "نهاية العالم". فالإيمان بنهاية البشرية ليس نهاية العالم؛ بل هو نهاية حقبة زمنية، وربما حتى بداية عهد جديد للآلهة. لقد أهلكت الآلهة مختلف أصناف البشر لأنهم إما لم يستطيعوا أو لم يرغبوا في عبادة من خلقهم . وكان هذا اعتباراً بالغ الأهمية بالنسبة للآلهة؛ إذ لم يكن بوسعهم ( الآلهة) تحمّل وجود مخلوقات غير جديرة وغير قادرة على إطعامهم وتبجيلهم .
الآلهة والإلهات الرئيسيين لحضارة المايا عادةً ما تتسم آلهة المايا بالسلاسة والتنوع في الشخصيات، مما قد يصعب أحياناً التمييز بينها. وعلى الرغم من كثرة اعداد آلهة المايا، فإنّ الآلهة الأكثر نفوذاً قد تندمج أحياناً مع الآلهة الأدنى منها، وتتشارك في الصفات مع كلتيهما . وليس من المستغرب أيضاً أن نجد دمج مفهوم الترابط في ثقافة المايا الاجتماعية نفسه على آلهة المايا؛ بل حتى أن بعض الآلهة تتسم بصفات شخصية متضاربة. وتتجلى تعددية شخصيات الآلهة في مظهرها؛ فالعديد منها عبارة عن مزيج من إنسان وحيوان . كما أنها قد تكون مرتبطة وفق ميول واتجاهات مختلفة، وقد تتباين أهمية الإله الواحد تبعاً لسياقه التاريخي . وهذه المرونة هي تحديداً ما دفع علماء التاريخ إلى الإشارة لبعض آلهة المايا بحروف الأبجدية اللاتينية .
الإله إتزام نا والإلهة إكس چيبل ياكس Itzam Ná & Ix Chebel Yax إتزام نا هو إله الخلق ، ولا يُعرف عنه الكثير، وينطبق الأمر نفسه على نظيرته الإلهة إكس چيبل ياكس . وغالباً ما يُصوَّر إتزام نا على هيئة رجل عجوز ضيق العينين طويل الأنف، أو أحياناً على هيئة الـ إگوانا ( سحلية أمريكية). وكانت إكس چيبل ياكس زوجة إتزام نا، وتُصوَّر هي الأخرى على هيئة إگوانا. ويُعتبر كلٌّ منهما رفيعي المقام . وقد تختلف تهجئة اسميهما كما هو الحال مع العديد من أسماء شعب المايا.
الإله هوراكان Huracán هوراكان، هو إله مشهور آخر من المايا ، ويشار إليه غالباً باسم "قلب السماء أو قلب الأرض" . ورغم من قلة الأدلة المباشرة على كونه الإله الخالق الأسمى؛ إلا أن كتاب " پوپول ڤوهْ" يُلمّح في واحد من مقاطعه إلى أنه "واهب الحياة". كما يشير المقطع نفسه إلى هوراكان بصفته قلب السماء والأرض، مما يُؤكد أهميته كخالق . ونظراً لتعدد آلهة المايا، فليس من الضروري التأكيد بشكل قاطع على الآلهة الخالقة. ومع ذلك، يرتبط هوراكان عادةً بشعب الكيشيه مايا في گواتيمالا. ويعتقد الكيشيه أن هوراكان هو من هندس الأرض وخلقها للبشر. كما أنه خلق البشر من عجينة الذرة، وهو سيد النار والعواصف والرياح .
الإله كينيچ آجاو K inich Ajaw كينيچ آجاو(ويُنطق آه ـ هاو)، المعروف أحياناً باسم الإله جي G أو كينيچ آهاو، وهو "سيد الشمس". ويُصوَّركينيچ آجاو عادةً وهو يشرق أو يولد من الشرق، ويشيخ مع غروب الشمس . ثم يتحول سيد الشمس الشرس هذا إلى نمر، ويصبح مستشاراً للحرب في العالم السفلي . ويُبجلّه الناس خشية منه ، لأنه على الرغم من خصائص الشمس المانحة للحياة ، غير أنها قد تُفرط أحياناً في حرارتها وتسبب الجفاف.
الإله هون هوناهپو Hun H unahpu هون هوناهپو؛ هو إله نبات الذِرة ، وربما يكون أهم الكائنات السماوية. ويُعرف أيضاً باسم الإله إي E. ويُعتبر خالق الإنسان الحديث لدى شعب المايا في يوكاتان . ويعود ذلك إلى أن ذِرته ودمه ما جعل البشرية منبثقة . كما يُرمز للحياة والخصوبة، ويُصوَّر على هيئة شاب ذي شعر طويل .
الإله چاك Chak الإله چاك الذي يُعتبر نظيراً للإله كينيچ آجاو، هو إله المطر أو الإله بي B. وچاك هو نصف إنسان ونصف زاحف، ويُصوَّر عادةً بصاعقة برق أو ثعبان أو فأس . كما يُصوَّر هذا الإله المخيف أحياناً مطلياً باللون الأزرق وله شاربان يشبهان شاربي الثعابين يبرزان من وجهه. ويعتقد المايا أن الإله چاك كان يسكن الكهوف حيث كان يُولِّد البرق والرعد والغيوم ويأتي بالأمطار ، إلا أنه كان سبباً في الفيضانات والبرق الحارق ، ويتصرف في بعض الأحيان كعاصفة هوجاء. وكان چاك يُخشى منه ويُعبد في آنٍ واحد، ورغبته في أن تكون قرابينه من الضحايا البشرية أو الحيوانية مقابل الأمطار التي يوفرها.
الإله كاويَل K awil الإله كي K، أو كاويَل، حارس الصولجان . وهو في المقام الأول راعياً للأسر الملكية، ويُعرف أيضاً بارتباطه مع البرق . ويُصوَّر عادة في يده ثقب على شكل شعلة تبعث بالدخان ، أو نصل فأس مُرعب. وإضافة إلى ثقوبه المُخيفة، يمتلك ثعباناً في إحدى قدميه وخطماً ( الجزء البارز من وجه الحيوان ؛ مثل الكلب والخنزير) مقلوباً في الأخرى . ويُنسب إلى الإله كاويَل اكتشاف الكاكاو والذِرة بعد أن قذف جبلاً بإحدى صواعقه.
كيسم Kisim يُعرف كيسم، أو الإله أي A، باسم "الإله المُطلق للغازات". ولكن لا تدع هذا الاسم الطريف يخدعك عزيزي القارئ ؛ فهذا الإله هو مرعب للموت والتحلل . وقد صُوِّر كيسم على هيئة هيكل عظمي متحلل أو زومبي . وفي بعض الأحيان كان يُصوَّر برفقة بومة. ففي معتقدات المايا تُعتبر البوم رُسل العالم السفلي .
الإلهة إكس چيل Ix Chel الإلهة أو O أو إكس چيل، هي إلهة القوس قزح . ومع أن القوس قزح قد يرمز إلى النوايا الحسنة في الثقافة الغربية، إلا أنه لا ينبغي الخلط بين إكس چيل وإلهة النوايا الحسنة. إذ يعتقد شعب المايا أن القوس قزح هو "غازات الشياطين"، جالباً سوء الحظ والمرض . وتحمل إكس چيل هذه الصفة أيضاً لارتباطها بالقوس قزح . في هيئتها المعتادة، تظهر إكس چيل كعجوز شمطاء ذات أنياب ومخالب. ورغم ذلك، فإن لـ إكس چيل أيضاً سمات أكثر وداعة ؛ وذلك لطبيعة مخلوقات المايا المزدوجة؛ فهي تمثل أحياناً الخصوبة والولادة لتُصوَّرعلى أنها شابة وجميلة.
التوأمان البطلان تتضمن أسطورة التوأم البطل مغامرات الشقيقين چبالانكه Xbalanque و هوناهپو Hunahpu في العالم السفلي. وتبدأ الأسطورة المدونة في كتاب "پوپول ڤوهْ" ، بولادة الإلهين الشقيقين . وكان والد التوأم هو الإله هون هوناهپو وعمّهما ڤوكوب هوناهپو. ويعتبر الإلهان "هون هوناهپو" و"ڤوكوب هوناهپو" (اللذان يرمزان إلى الكواكب والخصوبة) من لاعبي پوك ـ آ- توك المتفوقين . وكان استمتاعهما باللعبة والجلبة التي يحدثانها أثناء ممارستها ؛ ذلك ما أغضب آلهة شيبالبا الذين دعوا الأخوين إلى العالم السفلي بحجة اللعب ضدهم في إحدى المباراة ؛ ولكن بمجرّد وصول الشابين إلى شيبالبا، تعرضا للخداع و القتل ، و دُفنت جثتيهما تحت ملعب الكرة ، حيث وُضِع رأس هون هوناهپو داخل جذع شجرة الـ كالاباش كتحذير للآخرين من قوة الـ شيبالبا. وهذا الرأس (الذي يحرّكه الشقيقان وهما في مدفنهما) يبصق بعد حين في راحة يد الإلهة العذراء "إكسكويك" وتصبح حاملاً بالولدين المعروفين باسم التوأمان البطلان "چبالانكه" و "هوناهپو" ، وكلاهما أيضاً من لاعبي الـ پوك ـ آ- توك المتمرسين، الذَين هزما آلهة شيبالبا وقوى الشّر والظلام .واجه التوأمان العديد من التحديات، لكن القصة الأكثر ملحمية هي رحلتهما عبر شيبالبا (تُنطق شي ـ بهال ـ باه) وهو العالم السفلي للمايا .
هناك العديد من الكائنات السماوية الأخرى، لكن ما ذُكر أعلاه هو الأكثر شيوعاً. ويمكن أن تتخذ أشكالاً عديدة، ويُعدّ تعددها ركيزة أساسية من ركائز الترابط في ديانة المايا .
الفردوس والجحيم والاتجاهات الأصلية خلافاً لتصورات العالم المعاصرعن الفردوس والجحيم أو الجنّة والنار؛ آمن شعب المايا بمستويات مختلفة لهذه العوالم . ولكن هناك ثمّة ثلاثة مستويات رئيسية يجب تمييزها عن بعضها؛ فقد فهم شعب المايا عوالم الكون لا على أنها فردوس وجحيم ؛ بل على أنها العالم العلوي، والعالم الأوسط ، والعالم السفلي . يتألف العالم العلوي من ثلاثة عشر طبقة، والعالم الأوسط من طبقة واحدة، والعالم السفلي من تسع طبقات . ويُعتقد أن شجرة الـ سيبا تنمو عبر جميع العوالم، من أعلى طبقة في العالم العلوي إلى أدنى طبقة في العالم السفلي . وتُعد شجرة السيبا أساسية لفهم أهمية الاتجاهات الأصلية في عالم المايا . ترتبط آلهة المايا على وجه الخصوص بالجهات الأصلية. فبينما نحن نعرف عناصر تلك الجهات الأصلية الأربع ( شمال، جنوب ، شرق، غرب)؛ أدرك المايا أن هذه الجهات تتكون من خمسة عناصر؛ الجهات الأربع والمركز. ولعلّ أهمّ جهة أصلية بالنسبة للمايا هي الشرق، فهي منبع الشمس، وترتبط بالولادة لاعتقادهم بأن الشمس تولد يومياً من الشرق . كانت هذه المبادئ جزءاً من الحياة اليومية للمايا. فقد صُممت منازلهم لتعكس الاتجاهات الأصلية وشجرة السيبا. بل إن المايا وضعوا مواقدهم في وسط منازلهم لتمثيل شجرة السيبا كمركز للاتجاهات الأصلية .
طقوس المايا شارك شعب المايا في طقوس دينية متنوعة. ولم تكن جميع هذه الطقوس مرتبطة بالتضحية البشرية، مع أن التضحية كانت ممارسة شائعة في الاحتفالات الدينية. وخلافاً للاعتقاد السائد؛ لم تقتصر التضحية الطقسية على الموت المروع لـ أسير مسكين . مع أن هذا الطقس كان نادر الحدوث نسبياً، إلا أن التضحية بالدماء هو الطقس الأكثر شيوعاً على الإطلاق . أن إراقة الدماء وكما يوحي اسمها، طقس من طقوس التضحية. وفي ثقافة المايا كانت إراقة الدماء مقتصرة على العائلة الملكية؛ فقد طالبت الآلهة بالدم إحياءً لذكرى الخلق الأول، لأنهم سفكوا دماءهم من أجل حياة البشر. كما كانت هذه الممارسة لدى العامّة ولو بحالات أقل، للتواصل مع قدماء الأجداد.
التضحية بالدم كان طقس التضحية بالدم يشكل مناسبة هامة في حضارة المايا. فقد كان أفراد الأسر الملكية المشاركون في هذه الممارسة ؛ يقضون أياماً في أداء طقوس التطهير استعداداً للتضحية بدمائهم . وكان الرجال والنساء من السلالات الملكية وعلى رأسهم الملوك والملكات ؛يتزاحمون لأداء هذا الطقس ويشاركون في أنماط مختلفة من التضحية، حتى أنهم كانوا يصنعون أدوات مقدسة لأدائها . وعادةً ما كان يُسحب الدم من أجزاء مختلفة من الجسم باستخدام أدوات متخصصة مصممة لضخ المزيد من الدم، وربما المزيد من الألم أيضاً. وكانت هذه الأدوات تُصنع عادةً من أشواك سمك الرقيطة stingray اللاسع وتُزين برموز مختلفة لإظهار دلالاتها الدينية. وقد وصفت المؤرخة روبالكابا إحدى الحالات المروعة للتضحية ؛ كيف كنّ النساء من الأسر الملكية يستخدمن حبلاً مشوّكاً لتجريح ألسنتهن وسحب الدم لنثره على رموز المايا. أما الرجال فكانوا يفعلون الشيء نفسه، ولكن على العضو الذكري بدلاً من اللسان . وكان طقس إراقة الدماء يُمارس غالباً لإحياء ذكرى الأحداث المهمة وتقديسها مثل؛ الولادات، تولي العرش، الذكرى السنوية. ولكن من ناحية أخرى، كانت التضحية البشرية مخصصة لأعظم مناسبات المايا.
التضحية البشرية مع أن الحروب كانت تُشنّ عادةً لأسباب غير دينية، إلا أن الدين كان يدخل فيها عند وقوعها. وكثيراً ما كان الكهنة أو الشامان يُساعدون في وضع استراتيجيات وخطط الحرب. وكان يُطلق على كاهن الحرب اسم " ناكوم" . وغالباً ما كان شعب المايا يجمع بين جوانب الحرب والدين، ويُستحضر ذلك الطقس في صورة الأسرى عند تقديمهم كقرابين . كانت القرابين ضرورية لإرضاء الآلهة، كما كانت أساسية لضمان النصر العسكري . فعندما يعتلي ملك أو ملكة العرش، ويُقبض على أحد المعارضين السياسيين باعتباره سجين ؛ يُحيون ذكرى هذا الحدث المفصلي بتقديمه كقربان بشري . وعادةً ما كان هؤلاء السجناء من العائلة المالكة أو من النخب في دولة معادية. وكانت هذه القرابين تُؤدى بطرق عدة، ولكنّ ثلاث منها كانت الأكثر شيوعاً. والطريقة الأولى ؛كانت قطع الرأس . أما الطريقة الثانية ؛هي نزع القلب من صدر الشخص الحي . والطريقة الاخيرة الاكثر انتشاراً؛ إلقاء الشخص الحي في بئر ماء عميق ( سينوتي ) كقربان للآلهة.
تقاليد وعادات أخرى على الرغم من أن طقوس التضحية هي الأكثر قداسة لدى حضارة المايا القديمة، إلا أنهم مارسوا أيضاً أنواعاً أخرى من الطقوس . ولم تكن جميع قرابين المايا دموية وبشعة إلى هذا الحد. ورغم من أنها قد تبدو غير معقولة وغير انسانية للكثير منّا ؛ إلا أن القرابين البديلة تُقدم طقوس مثيرة للاهتمام بقصد التواصل مع الآلهة و إرضائها. كانت إحدى الطقوس المذهلة والتي غالباً ما يتم تجاهلها للتواصل مع الآلهة ؛هي إنزال الأطفال الى الآبار الجوفية العميقة (سينوتي) . والأطفال كانوا يُرسلون إلى أعماق هذه الآبار ليتمكنوا من التحدث إلى الإله أو الإلهة. وبعد بضع ساعات ، كان يتم إخراجهم لسماع رسالة الآلهة. وبالطبع أيضاً، فقد شارك شعب المايا أيضاً في تقديم القرابين الثمينة للآلهة، مثل حجر اليشم والذهب والأقنعة والأصداف وعظام بشرية منحوتة وأدوات مقدسة.
كان الزواج طقساً دينياً آخر سبباً للاحتفال . فقد كانت زيجات المايا عادةً ما تكون بالتوافق بين أفراد الطبقة الاجتماعية نفسها. كما تفاوت سن الزواج لارتباطه بنمو السكان وتراجعهم . فعندما انخفض عدد سكان المايا، كان الشباب يتزوجون في سن أصغر. وكان يتم التوفيق بين الأزواج في سن مبكرة جداً، حتى أنهم كانوا في بعض الأحيان رُضّعاً . كان الكهنة يُجرون مراسم الزواج في منزل العروس . وكانوا يستخدمون البخور لجلب الحظ السعيد في الزواج واقامة الاحتفالات . وإذا لم يُرضِ الزواج أيّاً من الزوجين، كان الطلاق سبيل الافتراق . ولا توجد تقاليد مُحددة للطلاق، لكن المثير للاهتمام إلى حدٍّ ما، كان الطلاق إجراءً مقبولاً لدى مجتمعات المايا .
يُعدّ الرقص طقساً آخراً وغالباً ما يُغفل عنه. و طقوس الرقص كانت تُؤدّى للتواصل مع الآلهة. وتميّزت الرقصات بأزياء فاخرة تُجسّد وجوه الآلهة. وكثيراً ما كان المايا يرتدون أو يُضمّنون في ملابسهم حُلياً مثل العصي والرماح والخشخيشات والصاجات، بل وحتى الثعابين الحية كأدوات مساعدة في الرقص . ويعتقد المايا أنه من خلال ارتداء ملابس الآلهة والتصرّف مثلها، ستتلبسهم روح الإله، وبالتالي سيتمكّنون من التواصل معه. حافظت حضارة المايا القديمة على دين متداخل الأفكار . ولا تزال الآلهة والطقوس المتعددة حاضرة حتى الآن في ثقافة المايا المعاصرة، على الرغم من انصهارها مع المعتقدات الأخرى . وتُعدّ مفاهيمهم عن الخلق والتضحية والقداسة والتعددية أساسية لفهم ديانة المايا بكامل عقيدتها..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كلير گبسون ـ الحياة الخفية للمايا القديمة ـ ساراباند للنشر ـ 2010 . ليندا سيشل & پيتر ماتيوس ـ قانون الملوك: لغة المعابد والمقابر المقدسة السبع للمايا ـ سكربنر للنشر ـ 1999 . جورج . إي . ستيوارت ـ ممالك المايا المفقودة ـ ناشونال جيوگرافي سوسايتي ـ 1993 . دينس تيدلوك ـ پوپول ڤو: الطبعة النهائية للكتاب الماياني عن فجر الحياة وأمجادها ـ تاچستون ـ 1996 . جيل روبالكابا ـ امبراطوريات المايا ـ منشورات تشيلسي هاوس ـ 2009 . جي . أريك . تومسون ـ تاريخ المايا و ديانتها ـ طباعة جامعة أوكلاهوما ـ 1990 .
#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الممثل الذي قتل الرئيس !!
-
أصل وتاريخ نظام التقويم الغربي
-
يمّ الإله الفينيقي ـ الكنعاني
-
الشطرنج لعبة ذكاء عمرها 1500 عام
-
حكاية الهنود السيوكس عن هبة نبات الذِرة
-
المناشڤة والبلاشڤة
-
يوم الموتى
-
الغنوصيون الكاثاريون
-
حملة الملك الآشوري سرگون الثاني على مملكة أورارتو
-
الطائفة الزورڤانية الفارسية
-
الملك البابلي نبوخذنصّر الثاني
-
أرض الأمريكيين الأصليين وحكاية التلّ الغامض
-
روايات قدماء السود الهاربين إلى كندا
-
الأديرة البوذية في اليابان
-
أرض كنعان التاريخية
-
الإله نينورتا في الأساطير السومرية
-
اتحاد كييڤ روس
-
الأدب في ممالك مصر القديمة
-
حضارة وادي السند الغامضة
-
الجيش الأحمر في الحرب العالمية الثانية
المزيد.....
-
أمريكيون يقضون 45 مليار دقيقة في مشاهدة -بلووي- مسلسل الرسوم
...
-
إيران تنهض بوجه ترامب: ألف مسيّرة جاهزة للقتال.. ومناورات با
...
-
فيديو ضرب شرطي مسلمتين في هولندا والسلطات تحقق
-
دخلت الفن صدفة.. مقتل هدى شعراوي بطلة -باب الحارة- واتهام خا
...
-
دراسة تحذر: ما تفعله في الثلاثينات يحدد شكل شيخوختك
-
الجزيرة تستنكر حظر -يوتيوب- بثها بإسرائيل
-
-المقاتل زودني ببندقية وتركني-.. تكتيكات القسام برواية أسير
...
-
فولكس فاغن تستهدف السوق الصيني بأكبر -هجوم كهربائي-
-
-الجندي البطريق-.. جندي روسي يحاول خداع مسيّرة أوكرانية وسط
...
-
-جواسيس- أم هدايا؟ استعادة الصين توأم الباندا من اليابان تثي
...
المزيد.....
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
-
محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف
...
/ صباح علي السليمان
-
محاضرات في منهجية البحث والمكتبة وتحقيق المخطوطات ( كتاب مخط
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|