|
|
الممثل الذي قتل الرئيس !!
عضيد جواد الخميسي
الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 16:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
جون ويلكس بوث (عام 1838-1865م ) ممثل مسرحي أمريكي من القرن التاسع عشر الميلادي، الذي اغتال الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن في 14 أبريل/ نيسان عام 1865م . وُلد بوث لعائلة من الممثلين المشهورين، وكان نجماً صاعداً على مسارح الولايات المتحدة، واشتهر بأدواره الرئيسية في مسرحيات ويليام شكسپير . كما تعاطف مع الكونفدرالية خلال الحرب الأهلية الأمريكية (عام 1861-1865م)، وندد بالرئيس لينكولن عندما وصفه بالطاغية الذي سعى إلى إخضاع ولايات الجنوب. وبعد إطلاق النار على لينكولن في مسرح فورد بواشنطن العاصمة، هرب بوث واختبأ لمدة أسبوعين تقريباً ؛ إلا أن السلطات الفيدرالية قد حاصرته في حظيرة بريف ڤرجينيا، وقتلته برصاصة في رقبته بعد مواجهة مسلحة قصيرة.
الحياة المبكرة وُلِد جون ويلكس بوث في منزل بمزرعة والديه التي تبلغ مساحتها 150 فداناً بالقرب من بيل إير في ولاية ماريلاند. وكان التاسع من بين عشرة أبناء لـ جونيوس بروتوس بوث، الممثل المسرحي الشكسپيري الشهير، وزوجته ماري آن هولمز بوث، اللذَين انتقلا إلى الولايات المتحدة من إنگلترا بعد فترة وجيزة من هروبهما عام 1821م . وسُمي بوث تيمّناً بالسياسي الإنگليزي اليميني جون ويلكس ، وهو من أقربائه البعيدين . كان بوث فتىً قد نشأ متهوراً وعنيفاً، وكثيراً ما كان يمزح ويشاكس أصدقائه وجيرانه. وعلى الرغم من شعبيته بين زملائه في مدرسته بيل إير، إلا أنه لم يكن طالباً مجتهداً، فقد كان يجد صعوبة في الحفظ و التهجئة والإملاء؛ وكما يتذكر أحد زملائه : "لم يكن ضعيف الذكاء أو الفطنة ؛ بل على العكس تماماً ، إلا أنه لم يكن مولعاً بالقراءة، ولم يكن مهتمّاً في دراسته" ( ألفورد، ص 17). وبدلاً من ذلك، كرّس بوث وقته لركوب الخيل والمبارزة، وهي الهوايات التي أصبح ماهراً فيها للغاية. اتسمت طفولة بوث بشكل كبير في علاقته مع والديه. وكانت تربطه علاقة خاصة بوالدته، التي قالت عنه ذات مرة إنه "أكثر أبنائي بهجة وراحة، وأكثرهم حناناً " ( ألفورد،ص14). وكانت علاقتهما قوية لدرجة أن ماري آن حسب أحد أصدقاء العائلة، كانت تشعر بمرض ابنها، وكانت ترسل له الرسائل دون أن تشير إلى مرضه. أما علاقة بوث بوالده فكانت مختلفة تماماً. كان والده جونيوس بوث مدمناً للكحول، وعرضةً لتقلبات مزاجية عنيفة. وكان معروف عنه ضربه لأولاده، وخاصة جون العنيد، واحتفاظه بوثائق رسمية سرية، أبرزها ما كُشف عنها عام 1851م؛ حيث تبيّن أنه لم يُطلق زوجته الأولى فعلياً ؛ لأنه وماري آن لم يتزوجا رسمياً ابداً ، وجميع أبنائه منها كانوا غير شرعيين . وقد تحسّن الوضع في العام نفسه، حين طلق جونيوس زوجته الأولى وتزوج بـ ماري آن رسمياً، ولكن في نظر الناس، وُصمت عائلة بوث بالفضيحة والعار. وبصفته من أبرزَ مُحدثي المآسي في عصره، كان جونيوس بوث غالباً ما يسافر في جولات عبر البلاد. وعندما كان عائداً إلى وطنه من إحداها تُوُفِّيَ في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1852م على متن باخرة في نهر المسيسيبي .
مجاله في التمثيل بحلول صيف عام 1857م ، كان بوث البالغ من العمر تسعة عشرعاماًً، مستعداً لدخول مجال التمثيل برفقة العائلة. فقد كان شقيقاه الأكبر، جونيوس بروتوس بوث الابن وإدوين بوث، قد شقا طريقهما في عالم التمثيل، وكان جون متحمساً للالتحاق بهما. وبمساعدة إدوين؛ انضم إلى فرقة التمثيل التي مقرّها مسرح شارع آرچ في فيلادلفيا، حيث كان يتقاضى ثمانية دولارات أسبوعياً مقابل "أيّ مسرحية أو دور يُسند له، وعلى الحضور في كلّ پروڤه" ( ألفورد،ص39). ولتجنب المقارنات غير المرغوبة بوالده الشهير، اختار لنفسه اسم فنّي "جي بي ويلكس" على المسرح . ولم تكن عروضه الأولى موفقة؛ فقد كان يُعاني من رهبة المسرح، وغالباً ما كان يبدو عليه التوتر بشكل واضح، وكان يتلكأ في أداء الحوار أو يُخطئ فيه، مما يثير استياء الجمهور. وفي إحدى المناسبات التي لا تُنسى، كان يُجسّد دور أسكانيو پيتروچي في مسرحية " لوكريزيا بورچا " لڤيكتور هيگو . وعندما حان وقت تقديم دوره، واجه بوث صعوبة في نطق الجملة: "سيدتي، أنا پوندولفيو پيت .. پيدوفليو پات .. پانتوچيو پيد -، اللعنة، ما أنا؟" ( ألفورد،ص42). انفجر الجمهور ضاحكاً بينما وقف الممثل الشاب هناك، مُحرجاً. وقال أحد زملائه الممثلين عن بوث: "لم يكن بلا موهبة، لكنه كان كسولاً ومغروراً للغاية، وإذا أراد أن يصبح ناجحاً مثل والده وأشقائه المشهورين، فعليه أن يجتهد أكثر." ( ألفورد،ص42 ) في منتصف عام 1858م، انتقل بوث إلى ريچموند في ولاية ڤرجينيا، للانضمام إلى فرقة مسرح مارشال؛ حيث كان ساحراً ووسيماً بشكلٍ لافت ، وقد وصفه أحد أصدقائه بأنه "وسيم كإله يوناني "، إذ ترك انطباعاً قوياً في الأوساط الاجتماعية في ريچموند، وسرعان ما بدأ العديد من الصداقات. اتخذ بوث مهنة التمثيل بمحمل من الجد، وتعلم تقنيات حفظ الأدوار من زملائه الأكثر خبرة. وبغضون بضعة أشهر، تدرج من أداء الأدوار الثانوية البسيطة إلى أدوار ثانوية قوية في كل من التراچيديا والكوميديا. وفي أبريل/ نيسان من عام 1859م ، لعب دور هوراشيو في مسرحية هاملت إلى جانب شقيقه إدوين الذي كان دوره رئيسي . وعندما انتهت المسرحية ورُفع الستار؛ أمسك إدوين بيد شقيقه جون، وقاده إلى أسفل المسرح، وقال: "أعتقد أنه أبلى بلاءً حسناً. ألا تعتقدون ذلك؟" . استجاب الجمهور بصيحات الإعجاب التي لا بد أنها جاءت مُرضية لممثل شاب كانت عروضه قبل أقل من عامين، تُقابل عادةً بصيحات الاستهجان . وفي نهاية الموسم المسرحي، لعب بوث مرة أخرى أول دور رئيسي له في مسرحية "عطيل" أمام شقيقه إدوين، الذي لعب دور الشرير ياگو. وقد حظيت المسرحية بإشادات إيجابية، مما عزز مكانة بوث كممثل بارز. كما تخلى عن اسمه الفني وأصبح يُعرف باسم "جيّ ويلكس بوث".
أمريكا المنقسمة في أكتوبر عام 1859م، أُلقي القبض على جون براون المناهض للعبودية، بعد محاولته الفاشلة لإشعال انتفاضة للعبيد بالاستيلاء على الترسانة الفيدرالية في هارپرز فيري/ ڤرجينيا، وحُكم عليه بالإعدام ، مما أدى إلى موجة من الاضطرابات في جميع أنحاء ڤرجينيا، بل وفي جميع أنحاء البلاد. ورغم أنه لم ينحدر من عائلة تمتلك العبيد، إلا أن بوث كان يمقت فكرة إلغاء العبودية، وكثيراً ما كان يُشاهد وهو ينتقد براون في حانات الفنادق ، وكما أخبر أصدقائه ؛فقد كان يتمنى لو كان حاضراً في هجوم جون براون على هارپرز فيري حتى يتمكن من "إطلاق النار على الملعونين المناهضين للعبودية " ( ألفورد،ص 68). استعار بوث زيّاً عسكرياً من الفصيل المليشياوي المسلّح ريچموند گرايز، وسافر معهم إلى چارلزتاون/ ڤرجينيا، لمشاهدة تنفيذ حكم الإعدام في 2 ديسمبر/ كانون الأول . وكان يقف على بُعد خطوات قليلة من المشنقة عندما أُعدم براون ؛ ورغم كرهه له، إلا أنه لم يخف إعجابه بشجاعته الفائقة بتحديه للموت. لقد كانت لحظة تحولية بالنسبة للممثل الشاب، الذي رأى الأبطال يستشهدون من أجل قضية أعظم على المسرح ولكن لم يسبق له أن رأى ذلك في واقع الحياة . في عام 1860م، غادر بوث ريچموند ليشرع في أول جولة وطنية له كممثل في دور البطولة؛ إذ تنقّل في جميع أنحاء الجنوب، حيث أدى الأدوار الرئيسية في مسرحيات مثل روميو وجولييت ، ومأساة ريچارد الثالث ، وسيدة ليون ، والتي أصبحت جميعها عروضاً مميزة في رصيده الفني . وعلى الرغم من بعض العثرات عندما أصيب بوث برصاصة في ساقه عن طريق الخطأ من قبل زميل له واحتاج إلى عدة أسابيع للتشافي ؛ إلا أن الجولة قد حققت نجاحاً كبيراً، مما عزز مكانته على المستوى الفنّي . ولكن حتى مع تحقيقه شهرة على مستوى البلاد؛ كانت تلك الأمة نفسها تتفكك؛ فقد وصلت أزمة الولايات التي كانت تختمر لعقود من الزمن إلى نقطة الغليان في النهاية مع انتخاب أبراهام لنكولن في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1860م. فقد شعر الجنوبيون بالتهديد من قبل لينكولن وحزبه الجمهوري، معتقدين أنهم يسعون للقضاء على العبودية وتدمير المؤسسات الجنوبية، وتقزيم الولايات الجنوبية وجعلها مجرد مناطق تابعة للحكومة الفيدرالية. فقد أصبحت ولاية كارولينا الجنوبية أول ولاية تنفصل في ديسمبر/ كانون الأول، تلتها عشر ولايات أخرى بحلول أبريل/ نيسان عام 1861م، وأعلنت نفسها دولة جديدة ( الولايات الكونفدرالية الأمريكية ) وبدأت بالهجوم على حصن سمتر البحري في 12 أبريل/نيسان عام 1861م. وبذلك فقد بدأت الحرب الأهلية الأمريكية.
ولاية ماريلاند كانت موطن بوث، وصوّتت ضد الانفصال، غير أن شريحة كبيرة من سكان ماريلاند دعمت الكونفدرالية ورغبت في الحفاظ على نظام العبودية. وقد دافع بوث نفسه بحماس وجرأة عن القضية الجنوبية ؛ ففي رأيه، كان دُعاة إلغاء العبودية هم من تسببوا في المشاكل الإقليمية التي مزّقت الأمة، وكان المتعصبون الشماليون هم من سعوا إلى فرض إرادتهم التسلطية على الجنوب. كما بدت ايديولوجيته راسخة عندما قمع الرئيس لينكولن المعارضة في بالتيمور وأجزاء أخرى من ماريلاند بتعليق أوامر الإحضار ، وفرض الأحكام العرفية ، وسجن قادة الانفصال في فورت ماك هنري، وهي جميعها أفعال ندد بها العديد من أهالي ماريلاند، بمن فيهم بوث، ووصفوها بأنها غير دستورية. ولكن رغم تلك الانفعالات المناهضة وضغط أصدقائه، لم يلتحق بوث بالجيش الكونفدرالي؛ وعندما سأله أخوه عن السبب، أجاب: "لقد وعدتُ أمي بالابتعاد عن الاقتتال إن أمكن" ( ألفورد،ص115). في الواقع، يبدو أن بوث قد توسل إلى والدته مراراً وتكراراً لنيل موافقتها على الالتحاق والقتال من أجل الجنوب؛ لكن الأرملة ماري آن، وخوفاً من فقدان ابنها الحبيب، لم تسمح له بذلك . لذا، فإنه بدلاً من الذهاب للقتال، استمر بوث في التمثيل .
بين أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1861م ويونيو/ حزيران عام 1862م ، قدّم بوث 163عرضاً مسرحياً في إحدى عشرة مدينة عبر الولايات الشمالية والحدودية والذي أبهر الجمهور بمعاركه المسرحية الشرسة و موهبته التمثيلية التي كانت تتطور باستمرار. وتذكر أحد زملائه الممثلين: "كان بوث عبقرياً، و قدراته الدرامية مذهلة". كما أشادت الصحف به باعتباره الممثل الشاب الواعد على المسرح الأمريكي ( ألفورد،ص 157). كان بوث يندمج مع أي دور يؤديه، آسراً جمهوره بأدائه المذهل؛ بيد أنه كلما غاب عن المسرح، لم تكن أفكاره بعيدة عن الحرب المستعرة في الجنوب. وقد أثار إعلان تحرير العبيد الذي أصدره الرئيس لينكولن غضبه عندما حرر العبيد في الولايات الكونفدرالية، وأصبح يُظهر كراهيته للرئيس أكثر فأكثر. وفي 9 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1863م، حضر الرئيس لينكولن عرضاً مسرحياً في مسرح فورد الجديد بواشنطن العاصمة، حيث كان بوث يُمثل فيه. وحسب ماقيل في حينه، لوّح بوث بإصبعه مُهدداً الرئيس، مما دفع لينكولن إلى التعليق قائلًا: "يبدو عليّ متعجرفاً، أليس كذلك؟" ( ألفورد، ص 140) .
التخطيط للمؤامرة في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1864، قدم بوث وشقيقاه الأكبران، جونيوس جونيور و إدوين، مسرحية "يوليوس قيصر" لويليام شكسپير أمام جمهور من 2000 شخص في مدينة نيويورك . وأقيم العرض للاحتفال بالذكرى السنوية الـ 300 لميلاد شكسپير، وجمع التبرعات لبناء تمثال له في سنترال پارك (لا يزال التمثال قائماً إلى الآن). وعند هذه المرحلة، كانت الحرب تسير على نحو سيء بالنسبة للكونفدرالية ؛ ففي ڤرجينيا، كانت قوّات الجنرال روبرت إي لي محاصرة ، بينما كانت قوّات تينيسي الكونفدرالية على وشك الإبادة في الغرب خارج ناشڤيل . وأعرب بوث عن ندمه الشديد على قراره بعدم القتال من أجل الجنوب، وكتب إلى والدته قائلاً: "لقد بدأت أعتبر نفسي جباناً وأحتقر وجودي". بالإضافة إلى ذلك، فقد ازدادت كراهيته لـ لينكولن منذ العرض في مسرح فورد. وألقى بوث باللوم على لينكولن في تدمير الجنوب، ورأى في محاولته الترشح لولاية ثانية ( وهو أمر لم يفعله أي رئيس من قبل) خطوة أولى نحو تنصيب نفسه ملكاً. كما قادته هذه الأفكار إلى صراع مع شقيقه إدوين أحد أعضاء الحزب الاتحادي؛ فبعد جدال حاد على مائدة الإفطار، طرد إدوين شقيقه الأصغر من منزله. ومع تضاؤل فرص استقلال الجنوب، فكّر بوث ملياً في سبل المساعدة في هذا الوقت المتأخر، وسرعان ما توصل إلى نتيجة : سيختطف رئيس الولايات المتحدة !!. كانت خطته الأولية هي اختطاف الرئيس لينكولن ونقله إلى الجنوب لاستخدامه كورقة مساومة لتأمين إطلاق سراح أسرى الحرب الكونفدراليين . في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1864م، قام برحلة غامضة إلى مونتريال/ كندا؛ حيث من المحتمل أنه أجرى اتصالات مع عملاء كونفدراليين . وعلى مدار الأشهر القليلة التالية، جمع فريقاً من زملائه المتعاطفين مع الكونفدرالية من بينهم ديڤيد إي. هيرولد يعمل مساعد صيدلي؛ وجورج أتزرودت، وهو مهاجر ألماني ويعمل فنّياً ؛ ولويس پاول، جندي كونفدرالي سابق ؛ وجون سورات، يعمل مُخبر كونفدرالي . وكان الخمسة قد قرروا أن يجتمعوا في منزل والدة سورات، لوضع تفاصيل خطتهم . واصل بوث التمثيل خلال تلك الفترة ، ثم بدأ في مواعدة لوسي هيل، ابنة أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، وخطبها سراً. ورغم ذلك، فإن التطرف قد غاص في شخصية بوث؛ فأخذ يشرب ويدخن أكثر من المعتاد، وسلوكه بات أكثر تقلباً . وبحلول أبريل/نيسان عام 1865م ، كانت الحرب قد انتهت تقريباً ؛ فقد سقطت ريچموند عاصمة الكونفدرالية، واستسلم لي مع قوّاته في أبوماتوكس كورت هاوس . وفي 11 أبريل/ نيسان، وبينما كان الرئيس لينكولن يلقي خطاباً يدعو فيه إلى حق الاقتراع للأمريكيين من أصل أفريقي؛ حدّق بوث باشمئزاز والتفت إلى هيرولد وتعابير وجهه قد تغيّرت بشدة وقال: "هذا آخر خطاب سيلقيه على الإطلاق" ( ألفورد،ص257) .
الاغتيال والهروب ثم الموت في صباح يوم 14 أبريل/ نيسان عام 1865م ، علم بوث أن الرئيس لينكولن سوف يحضر عرضاً لمسرحية "ابن عمّنا الأمريكي Our American Cousin" في مسرح فورد، لذا جمع بوث شركائه في الخطة بسرعة وأبلغهم أن هدفهم قد تغير. الآن وقد انتهت الحرب، ولم يعد هناك أي سبب لاختطاف الرئيس، وبدلاً من ذلك سوف يقوم بوث بقتله بغية الانتقام للجنوب. وعلى أمل شلّ قيادة الحكومة الفيدرالية ،وربما التحريض على ثورة؛ كلّف بوث لويس بقتل وزير الخارجية ويليام هـ. سيوارد ، وتكليف جورج بقتل نائب الرئيس أندرو جونسون في نفس المساء. وفي تلك الليلة حوالي الساعة 10 مساءً، دخل بوث مسرح فورد بتوتر واقترب بصمت من المقصورة الرئاسية، حيث كان لينكولن يشاهد المسرحية مع زوجته ماري تود وصديقه الميجور هنري راثبون مع خطيبته كلارا هاريس ، ثم صوّب بوث مسدسه الصغير نحو مؤخرة رأس لينكولن، وانتظر حتى انطلقت ضحكات عالية من الجمهور، ثم أطلق النار!. على الفور، انحنى الرئيس إلى الأمام، ورأسه متدليّاً على صدره!. وفي تلك اللحظة؛انقضّ الميجور راثبون على بوث للقبض عليه، لكن القاتل أخرج سكيناً من سترته وطعن الميجور في ذراعه، ثم قفز من المسرح على ارتفاع 3.6 متر. وبأسلوبه الاستعراضي، التفت بوث إلى الجمهور، ورفع السكين الملطخة بالدماء فوق رأسه، وصاح: " هكذا دائماً هم الطغاة " ( شعار ولاية ڤرجينيا)، والذي يُترجم غالباً خطأً إلى "الموت للطغاة" ؛ قبل أن يركض عبر باب جانبي إلى زقاق ضيّق، حيث امتطى حصاناً و ولّى هارباً.
وصل بوث خارج واشنطن والتقى رفيقه ديڤيد ( الذي وجهت إليه لاحقاً تهمة التواطؤ في مساعدة القتلة على الفرار إلى ولاية ڤرجينيا) قبل أن يتجه الاثنان إلى منزل صديقهما الدكتور صموئيل أ. مود في ماريلاند. وكان بوث قد كسر شظية ساقه اليسرى أثناء قفزه، وهو بحاجة إلى علاج بجبيرة مؤقتة وعكازات، حيث أخبر صديقه صموئيل ؛أنه أصيب في قدمه إثر سقوطه من فوق حصانه . وفي صباح اليوم نفسه 15 أبريل/ نيسان، تُوفي الرئيس لينكولن في منزل مُقابل للمسرح . عندما علم الدكتور صموئيل بما فعله بوث، غادر منزله بسرعة، خوفاً من أن يُلحق إيواؤه بالقاتل خطراً بعائلته. ثم توجه كلاً من بوث وديڤيد إلى منزل صموئيل كوكس المتعاطف مع الكونفدرالية، والذي أخفاهما في الغابة خلف منزله انتظاراً لفرصة عبور نهر بوتوماك إلى ڤرجينيا. وخلال الأيام الخمسة التي قضياها خلف منزل كوكس، علما أن رفاقهما الآخرين قد فشلوا في مهامهم ؛ إذ تمكّن لويس فقط من جرح وزير الخارجية سيوارد ، بينما ثمل جورج كثيراً، وفقد أعصابه ولم يُهاجم نائب الرئيس أندرو جونسون إطلاقاً. كما علموا أن وزارة الحرب قد عرضت مكافأة قدرها 100 ألف دولار لمن يُقبض عليهم . ولكن أكثر ما أزعج بوث هو وصفه في الصحف بأنه "شرير" و"جبان" على أفعاله. وحتى في الجنوب، حيث كان يتوقع أن يُستقبل كبطل لا أن يُدان على ما قام به؛ لذا فقد أُصيب بالألم وخيبة الأمل، ولم يكن أمامه خيار سوى المضي قدماً. عبر بوث ورفيقه ديڤيد نهر بوتوماك في 24 أبريل/ نيسان، ووصلا في النهاية إلى مزرعة تبغ يمتلكها ريتشارد گاريت؛ فانتحل بوث شخصية جندي كونفدرالي جريح، وطلب من گاريت مأوىً مؤقتاً، فسمح له بالبقاء في حظيرته. بعد الساعة الثانية صباحاً بقليل من يوم 26 أبريل/ نيسان، حاصرت قوة عسكرية من فوج الفرسان السادس عشر في نيويورك، بالإضافة إلى محققين فيدراليين، حظيرة مزرعة گاريت، وذلك بعد أن تعقبوا القتلة. وطالبوا الرجال بتسليم أنفسهم، وقد امتثل ديڤيد للأمر، ليتم اعتقاله خارج الحظيرة ،؛ غير أن بوث رفض الامتثال ، قائلاً للجنود إنه يفضل القتال على الاستسلام. وأملاً في إخراجه من الحظيرة ، أضرم الجنود النار في الحظيرة ، ولكن بوث الذي كان يقف على عكازيه وبندقيته في يده ؛رفض الخروج والاستسلام متعثراً بخطواته .
لقد بلغ الموقف ذروته عندما أطلق أحد الجنود، وهو الرقيب بوسطن كوربيت، النار من مسدسه الكولت، فأصاب بوث في رقبته، ثم أُخرج من الحظيرة المحترقة ونُقل إلى رواق مزرعة گاريت ، حيث أمضى الساعات الثلاث التالية يحتضر في ألم مبرح . ولم يتكلم كثيراً، سوى توسله للجنود أن يقتلوه وإعلان موته كان من أجل الوطن . وفي اللحظات الاخيرة، طلب من الجنود رفع يديه ليتمكن من رؤيتهما؛ فتفحص يديه وهمس: "لا فائدة .. لا فائدة"، ثم توفي بعد السابعة صباحاً بقليل، عن عمر ناهز الستة والعشرون عاماً ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تيري ألفورد ـ الحظ المغفّل:حياة جون ويلكس بوث ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2015 . بروس كاتون ـ لاداعي للتراجع أبداً ـ فينيكس للنشر ـ 2001 . شيلبي فوت ـ الحرب الأهلية ـ ديكيل أيج للنشر ـ 1986 . جون ميچام ـ وكان هناك نور: أبراهام لينكولن والنضال الأمريكي ـ راندوم هاوس للنشر ـ 2022 .
#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أصل وتاريخ نظام التقويم الغربي
-
يمّ الإله الفينيقي ـ الكنعاني
-
الشطرنج لعبة ذكاء عمرها 1500 عام
-
حكاية الهنود السيوكس عن هبة نبات الذِرة
-
المناشڤة والبلاشڤة
-
يوم الموتى
-
الغنوصيون الكاثاريون
-
حملة الملك الآشوري سرگون الثاني على مملكة أورارتو
-
الطائفة الزورڤانية الفارسية
-
الملك البابلي نبوخذنصّر الثاني
-
أرض الأمريكيين الأصليين وحكاية التلّ الغامض
-
روايات قدماء السود الهاربين إلى كندا
-
الأديرة البوذية في اليابان
-
أرض كنعان التاريخية
-
الإله نينورتا في الأساطير السومرية
-
اتحاد كييڤ روس
-
الأدب في ممالك مصر القديمة
-
حضارة وادي السند الغامضة
-
الجيش الأحمر في الحرب العالمية الثانية
-
عبادة الإله مثرا
المزيد.....
-
شاهد.. فيضانات في أستراليا تجرف سيارات ومنازل إلى مياه البحر
...
-
وزير الدفاع الإيراني يُحذر من أن طهران قد لا تتمكن من منع ام
...
-
كان 2025 أفضل عام في تاريخ السياحة عالميا بإيرادات بلغت 10 ت
...
-
سجال على منصة -إكس-.. عراقجي يتهم إسرائيل بجر واشنطن للحرب و
...
-
-الخلاف معها جوهري-.. رئيسة وزراء الدنمارك: واشنطن ما زالت ر
...
-
في حال لجوء واشنطن للقوة: ما الذي تملكه غرينلاند للدفاع عن ن
...
-
سلطنة عمان.. عريس يزف عروسه على متن هليكوبتر
-
تركيا: محادثات مع باكستان والسعودية بشأن اتفاقية دفاع
-
هل يعالج الأطباء الأسباب الجذرية للأمراض أم يكتفون بعلاج الأ
...
-
بلدات إسرائيلية تواصل فتح الملاجئ
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|