أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - الأطفال في سجون قسد: حين يتحوّل الأمن إلى جريمة مكتملة الأركان















المزيد.....

الأطفال في سجون قسد: حين يتحوّل الأمن إلى جريمة مكتملة الأركان


أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 13:43
المحور: حقوق الانسان
    


لا يمكن لأي سلطة، سواء كانت دولة أو قوة أمر واقع، أن تدّعي الدفاع عن الاستقرار أو مكافحة التطرّف، بينما تزجّ بالأطفال خلف القضبان، أو تصفّي السجناء ثم تلتقط الصور فوق أنقاض الجريمة. فالقضية هنا لا تتعلّق بخلاف سياسي أو تباين أيديولوجي، بل بملف حقوقي خالص، وأي محاولة لتبريره تمثّل انزلاقاً أخلاقياً وقانونياً واضحاً.

في مدينة الرقة، إحدى مدن الجزيرة السورية، برز خلال السنوات الماضية ملف بالغ الخطورة جرى تجاهله عمداً أو تمييعه بخطاب أمني مبرّر: اعتقال الأطفال في سجون تشرف عليها مليشيا قسد، بوصفها سلطة أمر واقع. هذا الملف لا يقتصر على حوادث فردية أو تجاوزات إدارية، بل يعكس نمطاً ممنهجاً من الاحتجاز التعسفي، خارج أي إطار قضائي مستقل، وفي مرافق غير مخصّصة للأحداث، في انتهاك صريح للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

حتى الإفراج الأخير عن 126 طفلاً من سجن الأقطان لم يكن ثمرة مراجعة قانونية أو مسار قضائي مستقل، بل جاء نتيجة ضغط ميداني، تزامن مع اشتباكات بين قوات الحكومة السورية ومليشيا قسد، وانسحاب الأخيرة من الرقة باتجاه مدن الجزيرة. الأخطر من ذلك أن الإفراج لم يرافقه أي توضيح رسمي عن أسباب الاعتقال، أو مدده، أو الأساس القانوني الذي استندت إليه المليشيا في احتجاز قاصرين، بعضهم اعتُقل بسبب التظاهر، أو التصوير، أو رفض التجنيد الإجباري. وهي أفعال، حتى في أكثر الدول تشدداً، لا تبرّر سجن الأطفال، بل تستوجب آليات حماية اجتماعية وتربوية.

إن احترام حقوق الإنسان لا يُقاس بالشعارات أو البيانات الصادرة عن سلطات الأمر الواقع، بل بكيفية تعاملها مع الفئات الأضعف، وفي مقدّمتها الأطفال. فاحتجاز القاصرين، مهما كانت الذرائع الأمنية أو السياسية، يشكّل خطاً أحمر في المنظومة القانونية الدولية، وانتهاكاً مباشراً للاتفاقيات التي وُضعت بعد حروب كبرى لحماية الأطفال من التحوّل إلى أدوات صراع أو أوراق ضغط أمني.

وبموجب القانون الدولي، فإن أي قوة تفرض سيطرتها على الأرض تصبح ملزمة بحماية المدنيين وضمان حقوقهم الأساسية، بغضّ النظر عن توصيفها السياسي أو العسكري. وعليه، فإن احتجاز الأطفال لا يمكن تبريره تحت أي عنوان أمني، ولا يمكن فصله عن طبيعة السلطة التي تمارسه.

1. مليشيا قسد – سلطة أمر واقع بلا قضاء

من الضروري تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية. فقسد ليست دولة ذات سيادة، ولا جهازاً قضائياً معترفاً به، ولا سلطة منتخبة، بل تشكيل مسلح غير حكومي يمارس سلطة أمر واقع في عدد من المدن السورية. ووفقاً للقانون الدولي، فإن أي احتجاز يجري خارج إطار قضائي مستقل وشفاف يُعد احتجازاً تعسفياً.

ومحاولات قسد تقديم نفسها كجهاز أمني منضبط لا تغيّر من هذه الحقيقة القانونية. فغياب قضاء مستقل، وانعدام الضمانات الإجرائية، يحوّلان جميع أوامر الاحتجاز الصادرة عنها إلى إجراءات فاقدة للمشروعية، ولا سيما حين يكون الضحايا من الأطفال.

2. احتجاز الأطفال: الانتهاك الجوهري

وفق اتفاقية حقوق الطفل، لا يجوز احتجاز أي طفل إلا كملاذ أخير، ولأقصر مدة ممكنة، وفي مرافق مخصّصة للأحداث وتحت رقابة قضائية مستقلة. أي خروج عن هذه الشروط يجعل الاحتجاز تعسفياً بحد ذاته.

البيانات الصادرة عن إدارة سجون قسد، سواء تحدثت عن نقل الأطفال من سجن إلى آخر أو عن "معاملة خاصة"، لا تغيّر من الحقيقة الأساسية: سجن الأقطان ليس مرفقاً مخصّصاً للأحداث، واحتجاز الأطفال فيه يشكّل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، بغض النظر عن الذرائع المقدمة.

3. الإفراج الذي كشف أكثر مما ستر

الإفراج عن الأطفال في لحظة الانسحاب العسكري لم يكن نتيجة مراجعة قانونية أو اعتراف بالخطأ، بل جاء في سياق ضاغط ميدانياً، تزامن مع تغيّر ميزان القوة على الأرض. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً: لو لم تتغير المعادلة العسكرية، هل كان هؤلاء الأطفال سيخرجون أصلاً؟

الأخطر من ذلك، أن الإفراج لم يرافقه أي توضيح رسمي عن أسباب الاعتقال أو مدده، أو الأساس القانوني الذي استندت إليه قسد في احتجاز قاصرين، بعضهم اعتُقل لأسباب تافهة مثل التظاهر، التصوير، أو رفض التجنيد الإجباري.

4. غياب الشفافية وتضارب الروايات

الامتثال للمعايير الدولية لا يُثبت بالتصريحات، بل بالوثائق. وإذا كانت قسد تؤكد التزامها بالقانون الدولي، فالمطلوب واضح: نشر أوامر الاحتجاز، سجلات الإدخال والإخراج، تقارير الفحص الطبي والنفسي، سجلات الفصل بين الأطفال والبالغين، وإثباتات الاتصال بالعائلات والرقابة القضائية.

من دون هذه الأدلة، يبقى الحديث عن "معاملة خاصة" أو "برامج تأهيل" مجرد ادعاءات غير قابلة للتحقق، وتفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول إدارة السجون واستخدام التمويل الدولي المخصص لملف "حماية السجون".

5. الأطفال وملف داعش: العقاب الجماعي المقنّع

محاولة تبرير احتجاز الأطفال بالإشارة إلى أنهم "متورطون بجرائم" أو "ضحايا تجنيد لداعش" لا تصمد قانونياً. الأطفال الضحايا يجب حمايتهم وإعادة تأهيلهم، والأطفال المتهمون يجب أن يخضعوا لإجراءات عدالة الأحداث، لا لاحتجاز في سجون للبالغين.

القانون الدولي لا يعترف بما يسمى "الذنب الوراثي"، ولا يجيز احتجاز الأطفال كإجراء وقائي مفتوح الزمن. تحويلهم إلى "مخاطر أمنية مستقبلية" هو في الواقع وصفة مؤكدة لإنتاج العنف، لا منعه.

6. سجون قسد الأخرى: نمط الانتهاك

ملف الأطفال لا يمكن فصله عن الصورة الأوسع لسجون مليشيا قسد. تقارير وشهادات محلية تحدثت عن إعدامات لسجناء في سجن الطبقة قبيل انسحابها. كما فُتح سجن النساء في الرقة بعد انسحاب قسد، لتظهر شهادات عن احتجاز نساء بسبب رفض سيطرتها أو رفض التجنيد الإجباري.

هذه الوقائع، حتى قبل استكمال التحقيق الدولي فيها، تشير إلى نمط متكرر من الاعتقال السياسي والانتهاكات الجسيمة التي لا يمكن تبريرها بأي ظرف أمني.

7. الحاجة إلى تحقيق دولي مستقل

استناداً إلى ما سبق، لا يمكن الركون إلى ادعاء قسد التزامها بالمعايير الدولية. إثبات صحة هذه الادعاءات من عدمه يتطلب فتح تحقيق دولي مستقل وحيادي من لجنة التحقيق الدولية المعنية بسوريا، يتيح الوصول الفوري إلى الأطفال المحررين لإجراء مقابلات سرية وفحوصات طبية ونفسية، ومعاينة مواقع الاحتجاز، وفحص السجلات والبرامج المزعومة، مع ضمان حماية الشهود والأطفال وحفظ الأدلة.

ما جرى في مدينة الرقة ليس حادثاً عابراً، بل مؤشر خطير على كيفية استخدام السجن كأداة ضبط سياسي وأمني من قبل مليشيا قسد. الإفراج عن الأطفال في لحظة الانسحاب العسكري لا يمنح براءة، بل يكشف طبيعة السلطة التي كانت تحتجزهم.

الدفاع الحقيقي عن الاستقرار لا يبدأ من الزنازين، بل من حماية الأطفال، وتأهيلهم نفسياً وتعليمياً، وتأمين الرعاية الاجتماعية لمن فقدوا عائلاتهم أو بيئاتهم الآمنة. أي سلطة تفشل في حماية الأطفال تفشل تلقائياً في ادعاء بناء مستقبل مختلف. هذا ليس خلاف روايات، بل امتحان أخلاقي وقانوني لا يقبل التأجيل.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب الليزرية الأولى
- قضية غرينلاند: السيادة في زمن المال والقطب المتحوّل
- من محاربة داعش إلى انهيار قسد وانكشاف مشروع PKK
- ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم
- بخصوص ما يُشاع عن مجزرة: أين صور الجثث؟ وأين الوثائق؟
- انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناه ...
- التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني ...
- حين يسقط قناع “تحرير المرأة”: شهادة دولية تفضح خطاباً مزدوجا ...
- تحول تاريخي: الاعتراف الرسمي بحقوق الكرد السوريين وإعادة تعر ...
- احتمالات ما بعد الضربة الأميركية: نظام أكثر شراسة ما لم توجد ...
- العنف المتبادل… تجنيد القاصرات كأداة حرب
- تسويات المال الملوّث: وانفجار أزمة ثقة
- الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّي ...
- لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران
- إمبراطورية لاتحاد ورقي بلا أثر ثقافي
- حين يصبح السلاح عبئاً على الأكراد… حلّ قسد لم يعد خياراً
- الحسابات المجهولة في الساحة السورية- فوضى مقصودة أم عبث مجان ...
- بين إشاعتي اغتيال
- عصر القوّة… الشعوب كرهائن
- ضباط الفلول يقعون في فخ: مخترق الهواتف يدّعي أنه ضابط إسرائي ...


المزيد.....




- 2036 خرقا إسرائيليا بثلاثة أشهر.. لبنان يشكو تل أبيب للأمم ا ...
- جيش الاحتلال الإسرائيلي يشن حملة اعتقالات واسعة في طولكرم
- الضفة.. جيش الاحتلال يشن حملة اعتقالات واسعة في طولكرم
- الأونروا: الموقف المصرى ثابت وحاسم رغم تصاعد حملات الاستهداف ...
- تعذيب وبعد عن الأطفال.. شهادات أوكرانيات في الأسر الروسي
- حملة للاحتلال واسعة بالضفة الغربية.. اعتقالات تشمل نائبا ومو ...
- تصعيد في القدس.. إضرام النار في مقر الاونروا بعد تعرضه للهدم ...
- الناطق العسكري باسم القسام: تعاملنا مع ملف الأسرى والجثث بشف ...
- أطباء بلا حدود.. هل تضحي بالبيانات من أجل الإغاثة؟
- حريق في مقر الأونروا بالقدس الشرقية بعد هدمه


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - الأطفال في سجون قسد: حين يتحوّل الأمن إلى جريمة مكتملة الأركان