أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية
(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)
الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 22:25
المحور:
حقوق الانسان
خلال خمسة عشر عامًا من الحرب، لم تتشكّل القوى المقاتلة في سوريا وفق معايير جيوش نظامية، ولا وفق أخلاقيات معاهد وأكاديميات عسكرية. معظم من حمل السلاح دخل المعركة بلا تدريب احترافي، ولا عقيدة قانونية تضبط السلوك في الحرب. وحتى من امتلك حدًا أدنى من الانضباط، فإن هول ما رآه، وما تعرّض له، وما شاهده من انتهاكات الخصم، دفع كثيرين إلى الانزلاق نحو توحّش مضاد.
هذه ليست قراءة تبريرية، بل توصيف واقعي.
العنف يولّد عنفًا، لكن الأخطر هو الاستثمار الخبيث في هذا العنف وتحويله إلى منهج.
هذا ليس تبريرًا لأي فعل دموي، ولا مساواة بين الضحية والجلاد. غير أن الظروف الراهنة لا تتيح فتح ملف المحاسبات، إذ يتطلب ذلك كمًّا هائلًا من الوثائق والقرائن.
ومع ذلك، تقود محاكمة عقلية بسيطة إلى نتيجة واضحة: هذه الحرب لا تنفجر عفويًا، بل تُؤسَّس وتُدار عبر شبكات مشبوهة متداخلة، تموَّل من نفط البلاد، ويُقتل فيها أبناء البلاد أنفسهم. أنفسهم.
من يبحث عن محاكمات أو تدخل دولي، عليه ألّا يكتفي بالنظر إلى النتائج، بل أن يعود إلى البدايات: من ارتكب الانتهاك الأول؟
من وسّع دائرة الجريمة؟
ومن استثمر ردود الأفعال وحوّلها إلى أفعال أشد وحشية وأكثر تنظيمًا؟
ما يجري ليس “حربًا تقليدية”. إنها حرب شوارع، حرب خاطفة، حرب أحياء ضيقة، قنّاصة وكمائن، حيث يذوب الخط الفاصل بين المقاتل والمدني. ومن يدخل هذا النفق، عليه أن يدرك حقيقة واحدة: الخروج منه سالمًا ليس مضمونًا، وربما غير ممكن.
أولًا:
لا يوجد سوري متوازن يعتقد أن ما يجري اليوم هو حرب ضد الأكراد. هذا تبسيط مضلل وخطاب تعبوي. الواقع أن الصراع موجّه ضد مليشيا مسلّحة تستثمر الأكراد سياسيًا وعسكريًا، وتشكل عائقًا حقيقيًا أمام أي مشروع سلم أهلي.
ثانيًا:
القول إن “الأكراد مع قسد” كذبة سياسية.
غالبية الأكراد السوريين يرفضون هذه المليشيا، لكنهم محاصرون بين القمع، والتخوين، وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
ثالثًا:
عندما تشير تقارير دولية موثوقة إلى وجود مجرمي نظام الأسد داخل صفوف مليشيا قسد، فهذه ليست تفصيلة هامشية. هذا يعني أن التكوين القائم على التحالف مع أدوات القمع القديمة وضع هذه المليشيا في مواجهة شعب بأكمله؛
شعب قدّم قرابة مليوني ضحية في ثورة ضد الأسد، ولن يقبل بإعادة تدوير جلاديه تحت أي شعار جديد.
رابعًا:
هناك إجماع سوري واضح:
الأكراد مكوّن أصيل من الشعب السوري، لهم حقوق كاملة غير منقوصة، كما سائر المكونات، بلا وصاية، وبلا استثمار سياسي، وبلا تحويلهم إلى دروع بشرية لمشاريع مسلّحة.
خامسًا:
ما يحدث اليوم، وبالنظر إلى ممارسات قسد، لا يستهدف السوريين وحدهم، ولا الأكراد وحدهم، بل يستهدف الاثنين معًا.
لا يبني دولة، ولا يؤسس لعدالة، ولا يحمي مستقبلًا.
بل يعيد الجميع إلى دوامة عنف مفتوحة، يكون المدنيون، من كل المكونات، هم الخاسر الأكبر فيها… مرة أخرى.
الخلاصة واضحة:
من يزرع العنف، ويحمي المجرمين، ويستثمر الدم، لا يصنع واقعًا آمنًا، بل يراكم حربًا مؤجلة، تنفجر في وجهه أولًا، وتجرّ معها الجميع.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟