أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أحمد سليمان - قضية غرينلاند: السيادة في زمن المال والقطب المتحوّل














المزيد.....

قضية غرينلاند: السيادة في زمن المال والقطب المتحوّل


أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 20:48
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


عادت غرينلاند إلى واجهة النقاش الدولي لا بوصفها جزيرة متجمدة في أقصى الشمال، بل كاختبار حقيقي لمفهوم السيادة وحق تقرير المصير في عالم تحكمه المصالح الكبرى. الموقع الجغرافي الفريد، والثروات الطبيعية غير المستثمرة، والتحولات المناخية التي أعادت رسم خرائط الملاحة العالمية، جعلت من الجزيرة لاعبًا صامتًا في صراع القوى الدولية. وفي هذا السياق، أثارت تقارير صحفية عن تفكير الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تقديم عرض مالي مباشر لسكان غرينلاند مقابل التصويت على الانضمام إلى الولايات المتحدة موجة واسعة من الجدل، تجاوزت حدود الخبر إلى أسئلة قانونية وأخلاقية عميقة حول معنى الاختيار الحر وحدود المال في السياسة الدولية.

أولًا: الخلفية التاريخية والسياسية لغرينلاند
خضعت غرينلاند للسيادة الدنماركية منذ القرن الثامن عشر، لكنها لم تبقَ مجرد إقليم تابع بالمعنى التقليدي. على مدى العقود الماضية، تطورت العلاقة إلى صيغة حكم ذاتي موسّع، اعترفت رسميًا بحق السكان في تقرير مصيرهم. هذا التطور جعل غرينلاند كيانًا يتمتع بخصوصية قانونية: ليست دولة مستقلة، لكنها أيضًا ليست أرضًا قابلة للتصرّف السياسي أو التفاوض التجاري. ومع انتهاء الحرب الباردة، بقي الوجود الأميركي العسكري في الجزيرة عامل توازن غير معلن، رسّخ موقعها ضمن المنظومة الأمنية الغربية.

ثانيًا: البعد الجيوبوليتيكي والتحول القطبي
أعاد تغيّر المناخ تشكيل أهمية غرينلاند. ذوبان الجليد فتح ممرات بحرية جديدة، وكشف عن ثروات معدنية نادرة تدخل في صناعات التكنولوجيا والطاقة المتقدمة. هذه العوامل جعلت الجزيرة عنصرًا محوريًا في سباق النفوذ في القطب الشمالي، حيث تتقاطع مصالح الولايات المتحدة، وروسيا، والصين. في هذا السياق، لم يعد الاهتمام بغرينلاند مسألة جغرافية أو دفاعية فقط، بل رهانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا طويل الأمد.

ثالثًا: العرض المالي وإشكالية حق تقرير المصير
يثير الحديث عن تقديم مبالغ مالية مباشرة للسكان مقابل خيار سياسي إشكالية جوهرية. فحق تقرير المصير، كما هو منصوص عليه في القانون الدولي، لا يقوم على المقايضة، بل على إرادة حرة تُمارَس في بيئة خالية من الضغط والإغراء غير المتكافئ. في مجتمع صغير محدود الموارد، يصبح المال عامل تأثير لا يمكن فصله عن الإكراه غير المباشر، ما يضع أي نتيجة محتملة للاستفتاء موضع تشكيك قانوني وأخلاقي. الإشكال هنا لا يتعلق بالتصويت ذاته، بل بالسياق الذي يُنتج هذا التصويت.

رابعًا: موقف الاتحاد الأوروبي والدنمارك
ينظر الاتحاد الأوروبي إلى غرينلاند باعتبارها جزءًا من الفضاء السياسي الأوروبي عبر الدنمارك، رغم خروجها من السوق الأوروبية المشتركة. أي مسار أحادي الجانب نحو الضم يُعد مساسًا بمبدأ السيادة، ويفتح الباب أمام سوابق خطيرة في العلاقات الدولية. لذلك يميل الموقف الأوروبي إلى دعم حق السكان في تقرير مصيرهم ضمن أطر قانونية واضحة، ورفض تحويل هذا الحق إلى أداة ضغط مالي أو سياسي.

خامسًا: دور الصين وروسيا في المشهد
تعتمد الصين مقاربة اقتصادية هادئة، تركز على الاستثمار والوصول إلى الموارد الطبيعية، دون الانخراط في خطاب الضم أو السيادة. أما روسيا، فتنظر إلى غرينلاند من زاوية أمنية بحتة، وترى في أي تمدد أميركي مباشر تهديدًا لتوازن القوى في القطب الشمالي. حضور هاتين القوتين، وإن كان أقل صخبًا، يضيف طبقة تعقيد تجعل من أي خطوة متسرعة عامل توتر إقليمي ودولي.

سادسًا: الرأي العام العالمي والمقاربة الحقوقية
أعاد هذا الطرح إلى الواجهة مخاوف قديمة من عودة منطق الهيمنة المقنّعة، حيث تُدار القضايا السيادية بمنطق الصفقات لا المبادئ. الرفض الواسع للفكرة لا ينبع من موقف عدائي تجاه دولة بعينها، بل من خشية حقيقية على مستقبل النظام الدولي، إذا ما جرى تطبيع فكرة شراء القرار السياسي عبر المال.

قضية غرينلاند تتجاوز الجدل الآني حول عرض مالي أو تصريح سياسي. إنها مرآة لتحولات أعمق في النظام الدولي، حيث تتصارع القيم المعلنة مع منطق القوة. التحدي الحقيقي لا يكمن في منع سيناريو بعينه، بل في حماية جوهر حق تقرير المصير، بوصفه فعلًا سياسيًا حرًا، لا نتيجة ميزانية، وضمان ألا يتحول الإنسان، في زمن الصراعات الكبرى، إلى رقم في حسابات النفوذ.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من محاربة داعش إلى انهيار قسد وانكشاف مشروع PKK
- ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم
- بخصوص ما يُشاع عن مجزرة: أين صور الجثث؟ وأين الوثائق؟
- انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناه ...
- التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني ...
- حين يسقط قناع “تحرير المرأة”: شهادة دولية تفضح خطاباً مزدوجا ...
- تحول تاريخي: الاعتراف الرسمي بحقوق الكرد السوريين وإعادة تعر ...
- احتمالات ما بعد الضربة الأميركية: نظام أكثر شراسة ما لم توجد ...
- العنف المتبادل… تجنيد القاصرات كأداة حرب
- تسويات المال الملوّث: وانفجار أزمة ثقة
- الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّي ...
- لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران
- إمبراطورية لاتحاد ورقي بلا أثر ثقافي
- حين يصبح السلاح عبئاً على الأكراد… حلّ قسد لم يعد خياراً
- الحسابات المجهولة في الساحة السورية- فوضى مقصودة أم عبث مجان ...
- بين إشاعتي اغتيال
- عصر القوّة… الشعوب كرهائن
- ضباط الفلول يقعون في فخ: مخترق الهواتف يدّعي أنه ضابط إسرائي ...
- هل تُهدّد الترتيبات الأمنية مكانة الجولان كأرض سورية محتلة؟
- لماذا الولاية القضائية عرجاء؟ عندما يُعتقل مادورو وتُكافأ جر ...


المزيد.....




- أمريكا.. هطول كميات ثلوج قياسية على عدة ولايات وانقطاع الكهر ...
- بالتسلسل الزمني.. تحليل لـCNN يناقض مزاعم وزارة الأمن الداخل ...
- هل يُعيد حفتر حساباته؟ ضغوط ومغريات مصرية- سعودية لثنيه عن د ...
- المتسلق الأمريكي أليكس هونولد يعتلي ناطحة سحاب بلا معدات أما ...
- بعد ضربات روسية على قطاع الطاقة.. زيلينسكي يدعو الحلفاء لتعز ...
- هل تنهي الوساطة الدولية الخلاف بين القوات السورية الحكومية و ...
- كوبا تجري تدريبات لجيشها وتؤكد جاهزيتها لمواجهة أي -عدوان- أ ...
- عاجل | الحكومة الإسرائيلية تأمر بتمديد حظر عمل الجزيرة وإغلا ...
- طاقة الرياح والشمس تتجاوز الوقود الأحفوري لأول مرة في توليد ...
- البرادعي ينتقد تشكيل مجلس السلام لغزة وغياب دول مؤثرة عن عضو ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أحمد سليمان - قضية غرينلاند: السيادة في زمن المال والقطب المتحوّل