أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - أحمد سليمان - ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم















المزيد.....

ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم


أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 23:41
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


أول من أشاع ثقافة التنكيل بالجثث كانت جماعة «الأسد أو نحرق البلد». وقد ترافق ذلك مع فنون قتلٍ تميّزوا بها: عند ارتكاب المجازر، ورمي البراميل المتفجرة، وقصف الغوطة بالسلاح الكيماوي، وبقر بطون النساء الحوامل. ثم جاءت «داعش» بإعدامات غرائبية تمثّلت في الحرق، والصلب، وقطع الرؤوس، ودفن الناس وهم أحياء. ولا ننسى أيضًا ملفات «قيصر» وصوره المروّعة، وصولًا إلى مسالخ صيدنايا، ثم ملف دمشق الذي أُعلن عنه مؤخرًا. فرّ بشار الأسد، لكن ثقافته الإجرامية ما زالت حاضرة في عقول بعض من لا يختلفون عنه.
وكنا نظن أن «قسد» لن تلحق بركب هذه السياسة، إلا أنها فعلت؛ بل جمعت بين ما قامت به تلك العقول، ولكن بأثرٍ دعائي أشد فظاعة، حين عرضت جثثًا مشوّهة لخصومها من الجيش الحر على شاحنة مفتوحة، أُلقيت فيها جثث العشرات، وجالوا بها في شوارع منطقةٍ خاضعة لسيطرتها. وقبيل انسحابها من مدينة الطبقة، جرت عمليات إعدام بحق سجناء لديها، إضافة إلى حوادث خطف أطفال وفتيات قاصرات، والزجّ بهم في الخطوط الأمامية في حربٍ عبثية لا تعبأ بالحياة.
وقد تجلّى ذلك في مشاهد مصوّرة جرى تداولها من أحياء الأشرفية، والرقة، والحسكة. وتشير معطيات وشهادات ميدانية وتحقيقات صحفية إلى أن قيادات في «قسد»، وهي قوة يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها مرتبطة تنظيميًا بحزب PKK بفرعيه التركي والسوري، انسحبت من بعض المناطق، تاركة خلفها أطفالًا وفتيات جرى استغلالهم، وفق تلك الشهادات، في أعمال قنص من فوق أسطح الأبنية بعد تلقّيهم تعليمات مباشرة. إن مثل هذه الممارسات تعبّر عن سلوكٍ وحشي يكرّس ثقافة عدميّة في إدارة الصراع، ثقافة لا تختلف في جوهرها عن نماذج تاريخية سوداء عرفها العالم، وفي مقدّمها الحقبة النازية في ألمانيا، حين جرى تحويل الإنسان إلى أداة قتل قبل تصفيته في أفران الغاز.

أسأل نفسي:
بشار الأسد، في حربه التي امتدّت أربعة عشر عامًا ضد ثورتنا، استطاع أن يدمّر ثلث مساحة البلاد، واستنجد بميليشيات متعددة لتساعده على التوحّش. لم يترك بلدًا في العالم إلا وأدخله في المأساة: إمّا حليفًا، أو داعمًا، أو شاهد زور في المؤتمرات الدولية. وكانت النتيجة مقتل أكثر من مليون سوري، ومثل هذا العدد إمّا مجهولو المصير في السجون السرّية، أو جرى تصفيتهم دون إعلان، أو ماتوا دون أن يُعرف سبب موتهم.
يا للهول… أكاد أُصاب بالصرع كلما استعدت هذه الصور المتكررة من التوحّش. لقد بات هذا النوع من الإجرام وكأنه ثقافة تُتداول بين الميليشيات التي دخلت سوريا في السنوات الماضية. نرى اليوم امتدادًا لنهج الأسد، أقرب إلى خرافةٍ جسّدها «داعش»، الذي بدأ من المبدأ ذاته، لكن مع «تحديث» إجرامي غلّفه بتأويل ديني: سبي النساء، والزواج من القاصرات، ومعيارية القتل المعنوي والمادي معًا، مقرونة بفقهٍ يُفصَّل على قياس الجريمة.
هي نسخة أخرى من بدعة «ربنا هو الأسد»، لكنها متوافقة تمامًا مع فقه «داعش» الذي تفرّد بها.
أعود إلى بداية سؤالي : هل سنحتاج إلى بناء البيوت أولا أم بناء المشافي ؟ او بناء البيوت واضافة عيادة منزلية داخل كل بيت ؟ . اعتقد الخيار الثاني أهم نسبيا ، . وياليت الذين يخططون لإعادة اعمار سوريا يضعون في اعتباره هذه الخاصية .
لكن الغريب ، أننا لليوم لم نسمع عن مشاريع بناء لتعيد النازحين في المخيمات ، بل هناك من أعلن بأنهم يستعدون لبناء سجون حديثة . ليس غريبا هذا الطرح . اذا كانوا بالفعل سيقومون بتطبيق العدالة وزج المجرمين بدون تمييز في هذه السجون . لكن في ذات الوقت ، هل التخطيط لسعادة السجناء ورفاهيتهم ضرورية ؟ لا أدري ، ربما شروط الدولة التي قيل لنا بأنه ستكون افضل من سنغافورة يجب أحداث السجون المرفقة قبل تطبيق العدالة .. ما يعني يجب استقبال السجناء في اماكن إقامة تحتوي على ملاهي كي يتمكنوا من النوم في شروط إنسانية مميزة تتخطى الصورة النمطية عن السجون.

لا بأس يا قوم ، نحن في مغارة عميقة ولا نعرف متى نخرج منها، ولكننا لسنا في غابة بالطبع ، مع ذلك أجد من الضروري أن نفكر بإعادة بناء النفوس قبل الحديث عن إعادة بناء للمدن .. كي يتم تدويرها من قبل الذين لم يجدوا عدالة ولم يحصلوا على حقوق أساسية تعوضهم معنويا عن فقدان أبنائهم.

إذا تحولت البلاد إلى غابة، فلا تكن حيوانًا :

ما جرى في ذلك البناء مشهد مكثّف لانهيار المعايير الأخلاقية، حين تُستباح الإنسانية باسم الحرب. وفق الرواية المتداولة، كانت المرأة مصابة في رأسها وميتة عند اقتحام الجنود للمكان. أحدهم رفعها فقط لسحب حقيبة الذخيرة التي كانت ترتديها، وخلال ذلك ناداه شخص آخر طالبًا منه رميها من الأعلى لتسقط على الأرض.
منطقيًا، لا يوجد أي مبرر لرمي جثة. ما الفائدة العسكرية من ذلك؟ ما الذي سيجنيه الفاعل سوى إشباع نزعة تشفٍّ أو استعراض قوة فارغة؟ وحتى لو افترضنا – جدلًا – أنها كانت على قيد الحياة، فإن القواعد الواضحة لأي نزاع مسلح تفرض اعتقالها ومعاملتها كأسيرة حرب، وإخضاعها للتحقيق، لا التنكيل بها أو التعامل معها كغنيمة.
في الحالتين، المشهد بالغ البشاعة. ويعيد إلى الذاكرة صورًا موثّقة للانتهاكات السابقة، من تنكيل بالجثث إلى تصفية أطفال وشبان حاولوا الهرب بعد رفضهم للقتال في صفوف «قسد». هذه ليست حوادث جزئية، بل نمط سلوك متكرر عندما تغيب المحاسبة وتُرفع شعارات "الضرورة العسكرية" لتبرير كل شيء.
السؤال الجوهري هنا لا يتعلق بالفعل وحده، بل بالسياق الذي أُنتج فيه. لو كانت مليشيا «قسد» تمتلك أخلاقيات حرب فعلية، لما نشرت قناصات من فتيات مراهقات داخل الأبنية السكنية وبين المدنيين. كان الأجدر بها أن تُبعد النساء والأطفال عن خطوط النار، وتترك لهم حقهم في التعليم والحياة الطبيعية، بدلًا من زجّهم في صراعات دموية بين أبناء البلد الواحد، في لحظة مصيرية تمر بها سوريا بأكملها.
إن استخدام النساء القاصرات كمقاتلات، ثم تقديمهن كرموز دعائية، ليس بطولة ولا "تحررًا"، بل جريمة مزدوجة: جريمة بحق الطفولة، وجريمة بحق المجتمع. والأسوأ أن هذه الممارسات تفتح الباب أمام مشاهد انتقامية لاحقة، يتحول فيها الجسد – حيًا كان أو ميتًا – إلى أداة للرسائل السياسية والعسكرية.
التشفي بالجثث، أيا كان الفاعل، يجب أن يُدان بوضوح، ويجب عدم السماح بتكراره أو تبريره، لأن أخطر ما في الحروب ليس عدد الضحايا فقط، بل تحوّل الانتهاك إلى ثقافة عسكرية مقبولة. هناك قوانين دولية واضحة تنظم التعامل مع القتلى والأسرى، وقبل القوانين هناك معايير أخلاقية وإنسانية لا تسقط حتى في أكثر النزاعات قسوة.
إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تقتصر على إسمنت وحديد. إعادة بناء الإنسان شرط أساسي لأي مستقبل قابل للحياة. ومن دون ترميم القيم، ستنهض المدن فوق أنقاض نفوس مدمّرة، وسنعيد إنتاج العنف بأشكال جديدة. ولهذا أكرر مقولتي أكثر من مرة: إذا تحولت البلاد إلى غابة، فلا تكن حيوانًا.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بخصوص ما يُشاع عن مجزرة: أين صور الجثث؟ وأين الوثائق؟
- انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناه ...
- التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني ...
- حين يسقط قناع “تحرير المرأة”: شهادة دولية تفضح خطاباً مزدوجا ...
- تحول تاريخي: الاعتراف الرسمي بحقوق الكرد السوريين وإعادة تعر ...
- احتمالات ما بعد الضربة الأميركية: نظام أكثر شراسة ما لم توجد ...
- العنف المتبادل… تجنيد القاصرات كأداة حرب
- تسويات المال الملوّث: وانفجار أزمة ثقة
- الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّي ...
- لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران
- إمبراطورية لاتحاد ورقي بلا أثر ثقافي
- حين يصبح السلاح عبئاً على الأكراد… حلّ قسد لم يعد خياراً
- الحسابات المجهولة في الساحة السورية- فوضى مقصودة أم عبث مجان ...
- بين إشاعتي اغتيال
- عصر القوّة… الشعوب كرهائن
- ضباط الفلول يقعون في فخ: مخترق الهواتف يدّعي أنه ضابط إسرائي ...
- هل تُهدّد الترتيبات الأمنية مكانة الجولان كأرض سورية محتلة؟
- لماذا الولاية القضائية عرجاء؟ عندما يُعتقل مادورو وتُكافأ جر ...
- الإحصاء الغائب: كيف فُتحت بوابة التلاعب الديموغرافي في الجزي ...
- الأكراد في سورية: بين التاريخ، المواطنة، والحقوق السياسية: ت ...


المزيد.....




- بريطانيا تنشر طائرات مقاتلة في قطر وسط تصاعد التوترات في الش ...
- كيف شبّه سجين سياسي سابق النظام في إيران وماذا قال لـCNN عن ...
- الجمهوريون يسقطون قرارا في الكونغرس يقيد تحركات ترامب العسكر ...
- الاتحاد الأوروبي يشكك بمجلس السلام الذي أطلقه ترامب بشأن غزة ...
- حرب السودان.. 8 ملايين طفل -بلا تعليم-
- -تيك توك- ينتقل لملكية أميركية.. وترامب -يحتفل-
- الولايات المتحدة تكشف عن خطط لإنشاء -غزة جديدة- بناطحات السح ...
- ترامب يؤكد استمرار مراقبة إيران ويكشف عن إرسال -أسطول عسكري ...
- ترامب يطرح -إطار عمل- حول غرينلاند والدنمارك ترفض المساس بسي ...
- فشل قرار يمنع ترمب من إرسال قوات إلى فنزويلا دون تفويض الكون ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - أحمد سليمان - ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم