أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - أحمد سليمان - انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناها الحقوقي















المزيد.....

انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناها الحقوقي


أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 02:55
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


على مدى سنوات، طُلب من السوريين القبول بما يُسمّى «الانتصارات الناعمة» بوصفها المخرج الأقل كلفة من حرب مدمّرة. الفكرة، نظريًا، تقوم على تخفيف العنف والانتقال التدريجي نحو الاستقرار. لكن الواقع السوري يفرض حقيقة أكثر قسوة: في كثير من الأحيان، كان ثمن هذه التسويات دمويًا، وكانت الضحايا في صدارة المشهد لا في نهايته.
في هذا السياق، جاء الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، باعتباره خطوة تهدئة واحتواء. غير أن قراءة هادئة لبنوده، ومقارنة صيغته الأولية بما انتهى إليه، تفرض التعامل معه بحذر شديد، لا باعتباره حلًا نهائيًا، بل مسارًا هشًا قابلًا للانفجار إذا أُسيء تطبيقه أو تُرك بلا رقابة.
الاتفاق، في جوهره، يلامس قضايا سيادية حساسة: الترتيبات الأمنية، دمج القوى المسلحة، إدارة الموارد، والوظائف الإدارية والعسكرية. هذه الملفات لا يمكن التعامل معها بوصفها تفاصيل تقنية، بل هي مفاصل تقرير المصير والأمن المجتمعي. وأي تطبيق متسرّع أو انتقائي لها قد يحوّل الاتفاق من أداة تهدئة إلى مصدر خوف جديد.

الأحداث الميدانية الأخيرة تؤكد هذا القلق. من الشيخ مقصود ودير حافر، إلى تصفية السجناء في مدينة الطبقة - وحتى الآن لا توجد إحصائية دقيقة عن عددهم - واستمرار قنص المدنيين من أسطح الأبنية في الرقة، إضافة إلى مجزرة في الحسكة ذهب ضحيتها أطفال ونساء وكبار السن. ثم تصاعد القصف المدفعي والصاروخي بعد الإعلان الرسمي عن توقيع الاتفاق، وسقوط عشرات القتلى من عناصر الجيش السوري. كل ذلك يطرح سؤالًا مباشرًا: كيف يمكن لاتفاق يُنتهك فور توقيعه أن يُقدَّم كضمانة للاستقرار؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل المبادرة التي أعلنتها الحكومة السورية مؤخرًا، بمنح الأكراد حقوقًا حُرموا منها لعقود طويلة، بل لما يقارب قرنًا كاملًا. هذه الخطوة، بغضّ النظر عن توقيتها الذي جاء في ظرف مصيري شديد الحساسية، تمثل من حيث المبدأ تحولًا سياسيًا إيجابيًا، ورسالة تهدئة، وإقرارًا بحقوق ثقافية وقومية طال إنكارها. وهي، موضوعيًا، خطوة ساهمت في قطع الطريق على محاولات توظيف القضية الكردية كذريعة دائمة للصراع.

غير أن الإشكالية لا تكمن هنا. الخطر الحقيقي يتمثل في استغلال هذه الحقوق المشروعة من قبل مليشيا قسد، التي تقدّم نفسها بوصفها قوة «ديمقراطية»، بينما مارست طوال أكثر من عقد أبشع أشكال القمع والاستغلال. فمن السيطرة على الموارد الوطنية، وعلى رأسها النفط والمحاصيل الزراعية، إلى فرض الأمر الواقع بالقوة، مرورًا بالبطش الأمني، واستغلال الأطفال، وتجنيد القاصرين والقاصرات، تحوّلت هذه المليشيا إلى سلطة أمر واقع لا تقلّ قسوة عن النماذج التي تدّعي مناهضتها.
هنا يجب أن يكون النقاش واضحًا: حقوق الأكراد ليست محل نزاع، ولا يجوز ربطها ببقاء مليشيا مسلّحة تفرض سيطرتها على الجزيرة السورية. بل على العكس، فإن الاعتراف بهذه الحقوق ضمن إطار الدولة، وبضمانات قانونية واضحة، يسحب الذريعة الأساسية التي استخدمتها قسد لتبرير استمرارها كقوة عسكرية منفصلة عن أي مساءلة.

من منظور حقوقي، الاتفاق الحالي لا يمكن أن ينجح إذا عُومل كغطاء سياسي مؤقت، أو إذا فُرض تطبيقه بشكل انتقائي. المطلوب رقابة دقيقة ومستقلة، خاصة في ما يتعلّق بالملفات الأمنية والسيادية، وضمان ألا تتحول «الاندماجات» إلى إعادة تدوير للنفوذ المسلح بأسماء جديدة. كما أن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يكون التزامًا أحاديًا، ولا يجوز التعامل مع الانتهاكات كأضرار جانبية مقبولة.
التجربة السورية، خاصة في ظل نظام الأسد، أثبتت أن الخوف لا يُنتج فقط بالقمع المباشر، بل أيضًا عبر اتفاقات غامضة، وترتيبات غير شفافة، وتسويات تُدار فوق رؤوس الناس. إعادة إنتاج هذا النموذج، حتى تحت شعارات جديدة، تعني إعادة إنتاج المأساة نفسها.
الخلاصة واضحة: إن لم يُطبَّق هذا الاتفاق بحذر صارم، وإن لم يُحصَّن برقابة حقيقية، وضمانات تنفيذ، وفصل واضح بين الحقوق المشروعة للأكراد وبين سلوك المليشيات المسلحة، فلن يكون «انتصارًا ناعمًا»، بل تسوية دموية مؤجّلة.
فالانتصارات الحقيقية لا تُقاس بالنصوص الموقّعة، بل بقدرتها على حماية الإنسان، لا تحويله إلى كلفة سياسية.

تحليل الاتفاق:

1. الاتفاق خطوة إيجابية نظريًا، خاصة المبادرة الحكومية بمنح الأكراد حقوقًا حُرموا منها منذ أكثر من مئة عام. هذه المبادرة ساهمت في قطع الطريق على مليشيا قسد التي كانت تحاول توظيف القضية الكردية لاستمرار وجودها كمليشيا مسلحة تحتل الجزيرة السورية.

2. لكن التطبيق يحتاج إلى حذر شديد: غياب الرقابة المستقلة وآليات التنفيذ الدقيقة، خاصة في الملفات السيادية والأمنية، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الخوف ذاته الذي فرضه نظام الأسد على السوريين.

3. مليشيا قسد، التي تقدم نفسها ديمقراطية، مارست على أرض الواقع أكثر من عقد قمعًا واسعًا، استغلالًا للموارد الوطنية من نفط وزراعة، إضافة إلى البطش واستغلال الأطفال وتجنيد القاصرات. أي تساهل معها يهدد فعالية الاتفاق.

4. الحقوق الممنوحة للأكراد يجب أن تُنفَّذ ضمن إطار الدولة وبضمانات واضحة، بحيث لا تتحول إلى ذريعة لإبقاء قوى مسلحة خارج القانون.

● تعليق ختامي:
الاتفاق خطوة نحو التهدئة، لكنه لا يشكل ضمانًا للسلام أو العدالة ما لم يُحكم بتنفيذ صارم ورقابة دقيقة، مع مساءلة كاملة لكل الانتهاكات السابقة. دماء السوريين لا يمكن أن تُعامل ككلفة جانبية لأي تسوية.

أحمد سليمان

●● ملخص الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد مع تحليل نقدي

أبرز نقاط الاتفاق:

1.وقف إطلاق النار: التزام شامل بين الجيش السوري وقسد، مع انسحاب القوات إلى شرق الفرات.
2. تسليم الأراضي والمؤسسات: دمج مؤسسات الرقة ودير الزور وحسكة ضمن هياكل الدولة السورية، وتسليم مؤسسات الدولة كاملة.
3. السيطرة على الموارد: الدولة السورية تتولى إدارة حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية لضمان السيادة والعائدات الوطنية.
4. دمج القوى العسكرية: إدماج عناصر قسد ضمن الجيش ووزارة الداخلية بعد الفحص الأمني، مع مراعاة خصوصية المناطق الكردية.
5. مكافحة الإرهاب: إخراج جميع العناصر غير السورية من حزب العمال الكردستاني، واستمرار جهود الدولة لمكافحة داعش بالتنسيق الدولي.
6. حقوق ثقافية وسياسية للأكراد: دعم مرسوم رئاسي يضمن حقوق لغوية وثقافية، ومعالجة حقوق المدنيين وملكية الأراضي، وتسهيل عودة المهجرين.


* ينُشر في وقت واحد بالتزامن مع نشطاء الرأي






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني ...
- حين يسقط قناع “تحرير المرأة”: شهادة دولية تفضح خطاباً مزدوجا ...
- تحول تاريخي: الاعتراف الرسمي بحقوق الكرد السوريين وإعادة تعر ...
- احتمالات ما بعد الضربة الأميركية: نظام أكثر شراسة ما لم توجد ...
- العنف المتبادل… تجنيد القاصرات كأداة حرب
- تسويات المال الملوّث: وانفجار أزمة ثقة
- الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّي ...
- لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران
- إمبراطورية لاتحاد ورقي بلا أثر ثقافي
- حين يصبح السلاح عبئاً على الأكراد… حلّ قسد لم يعد خياراً
- الحسابات المجهولة في الساحة السورية- فوضى مقصودة أم عبث مجان ...
- بين إشاعتي اغتيال
- عصر القوّة… الشعوب كرهائن
- ضباط الفلول يقعون في فخ: مخترق الهواتف يدّعي أنه ضابط إسرائي ...
- هل تُهدّد الترتيبات الأمنية مكانة الجولان كأرض سورية محتلة؟
- لماذا الولاية القضائية عرجاء؟ عندما يُعتقل مادورو وتُكافأ جر ...
- الإحصاء الغائب: كيف فُتحت بوابة التلاعب الديموغرافي في الجزي ...
- الأكراد في سورية: بين التاريخ، المواطنة، والحقوق السياسية: ت ...
- الجنود الفارّون إلى لبنان: تهديد للسلم الأهلي واختبار للمسؤو ...
- أطفال بلا معيل… ووصاية بلا إحصاء: فجوة قانونية تهدد مستقبل س ...


المزيد.....




- في نهائي مثير.. السنغال تخطف لقب أمم أفريقيا 2026 من المغرب ...
- الشرع يبحث مع قادة إقليميين ودوليين التطورات بعد اتفاق وقف إ ...
- تفويض واسع وأسئلة كثيرة.. ماذا تستطيع اللجنة الوطنية لإدارة ...
- 21 قتيلا و100 جريح بتصادم قطارين فائقي السرعة جنوبي إسبانيا ...
- الاتفاق بين دمشق وقوات -قسد-.. نهاية الحلم الكردي بإدارة ذات ...
- السنغال تفوز على المغرب وتتوج بلقب بطل أمم أفريقيا 2026
- -مسار الأحداث- يتناول تحديات وقيود -إدارة غزة-
- سوريا مباشر.. الشرع يوقع اتفاقا لوقف إطلاق النار وقسد تطلب ض ...
- كيف بسط الجيش السوري سيطرته من حلب إلى دير الزور؟
- اتفاق تاريخي بين الحكومة السورية وقسد يشعل منصات التواصل


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - أحمد سليمان - انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناها الحقوقي