أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أحمد سليمان - الحرب الليزرية الأولى














المزيد.....

الحرب الليزرية الأولى


أحمد سليمان
شاعر وكاتب في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 09:36
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


لم تعد الحروب، كما عرفها القرن العشرون، تُخاض بالجبهات الطويلة، ولا بالسيطرة على التلال، ولا بحشود الجنود التي تتقدم ثم تتراجع. ما نشهده اليوم هو انتقال جذري في طبيعة الصراع، انتقال لا يغيّر أدوات القتال فحسب، بل يعيد تعريف معنى الحرب نفسه. نحن أمام ما يمكن تسميته، دون مبالغة، الحرب الليزرية الأولى: حرب تُدار عن بُعد، تُراقَب فيها المدن كما تُراقَب الشاشات، وتُحسَم فيها المعارك قبل أن يسمع المدنيون دويّ الرصاص.

في هذا النمط الجديد، لم تعد حرب الشوارع فوضى عمياء، بل عملية حسابية دقيقة. بضع أزرار، أنظمة استشعار، خوارزميات تحليل حركة، وأقمار صناعية تراقب التفاصيل الصغيرة: من يتحرك؟ متى؟ كيف؟ ولماذا؟ كل خطوة تُسجَّل، كل خطأ يُحوَّل إلى إحداثية، وكل سلوكٍ متكرر يصبح نمطًا قابلًا للاستهداف. هنا، لا مكان للمصادفة، ولا للبطولة الشعبوية التي طالما استُهلكت في خطاب المليشيات.

في الجهة المقابلة، ما يزال بعض الفاعلين يعيشون بعقلية قديمة، عقلية السلاح الفردي والذخيرة المحدودة. مقاتلون يعبّئون بنادقهم ببضع طلقات، أو يحشون قاذفاتهم بما يُسمّى «صواريخ غبية»، لا تملك قدرة التمييز، ولا تحقّق هدفًا عسكريًا محددًا. هذه الأدوات، التي تُستخدم بكثافة في الأحياء السكنية، لا تُنتج نصرًا، بل تُنتج قتلى مدنيين، وخرابًا واسعًا، ومتعة سادية زائفة لا تتجاوز لحظة الضغط على الزناد.

الفجوة هنا ليست فجوة تسليح فقط، بل فجوة فهم. الحرب الليزرية لا تهتم بعدد الطلقات، بل بنوعية البيانات. لا تسأل كم مقاتلًا تملك، بل كم إشارة التقطت، وكم هدفًا صُنِّف، وكم قرارًا اتُّخذ في الزمن الحقيقي. من يقاتل خارج هذا المنطق لا يكون شجاعًا، بل معزولًا عن العصر، يُقاتل حربًا انتهت قبل أن تبدأ.

هذه حرب تنهي أصحابها أولًا. ليس لأن الطرف الأقوى أكثر أخلاقية، بل لأنه أكثر برودة. الطرف الذي يدير الحرب من غرف عمليات معقّمة لا يدفع الثمن الاجتماعي، ولا يرى الخراب بأم عينه. إنها حرب بلا ثمن داخلي على من يموّلها، لأنها مأجورة، تُدار بالوكالة، وتُنفَّذ فوق مجتمعات لا تملك قرار الحرب ولا السلام. لهذا السبب تحديدًا تُرفَض كل الدعوات إلى التسوية، وكل الاتفاقات السلمية. السلام هنا خطر، لأنه يقطع التمويل، ويُنهي الوظيفة، ويُسقط الذريعة.

السذاجة الكبرى هي الاعتقاد بأن تعنيف المجتمعات يمكن أن يكون طريقًا لتحقيق مطالب سياسية أو حقوقية. التاريخ، بكل وحشيته، يقول العكس. العنف، حين يتحول إلى أسلوب تفاوض، لا يُنتج اعترافًا، بل يُنتج عزلًا. لا يُنتج شراكة، بل يُنتج وصاية. من يظن أن ترويع المدنيين سيجبر العالم على الإصغاء، يخلط بين الضجيج والتأثير، وبين الألم والشرعية.

في هذا السياق، لا يزجّ هؤلاء بأنفسهم فقط في حروب عبثية، بل يجرّون مجتمعات كاملة إلى مسارات انتحارية. أطفال يولدون في ظل الخوف، مدن تُختزل إلى أهداف، ونسيج اجتماعي يُمزَّق باسم قضايا لا تُناقَش مع أصحابها. الحرب الليزرية لا تدمّر الخصم وحده، بل تدمّر البيئة التي يُفترض أن يعيش فيها «المحرِّرون» أنفسهم.

يرى مراقبون أن ما يجري اليوم يشبه، في جوهره، تجربة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، لكن بنسخة أكثر تطورًا وأقل ضجيجًا. آنذاك، كان التحالف يضم عشرات الدول، يجمع بين الضربات الجوية والدعم الميداني. اليوم، المعادلة تغيّرت: لا حاجة لقوات برية كبيرة، ولا لانتشار مباشر. هناك شبكة مراقبة متقدمة، تعتمد على أجهزة استشعار ليزرية ورقمية موزّعة في الفضاء، قادرة على رصد التحركات الدقيقة، وتحليلها، ثم إرسال الإحداثيات إلى غرف عمليات متخصصة تدير المعركة بأقل قدر ممكن من الخسائر في صفوفها.

هذه الغرف لا ترى البشر كأفراد، بل كنقاط بيانات. كل هاتف، كل سيارة، كل مسار مشي يمكن أن يصبح معلومة. البرمجيات الذكية هنا عنصرًا حاسمًا في القرار العسكري. الزمن بين الرصد والتنفيذ يتقلص إلى ثوانٍ، ما يجعل أي محاولة للمناورة التقليدية ضربًا من الوهم.

في هذا المشهد، يصبح من يقاتل بعقلية القرن الماضي مجرد تفصيل هامشي. الشعارات لا توقف الأقمار الصناعية، والخطابات الحماسية لا تربك الخوارزميات. حتى فكرة «الاستنزاف» تفقد معناها، لأن الطرف الأقوى لا يستنزف مجتمعه، بل يستنزف خصمه فقط، ويُدير الصراع كملف تقني لا كقضية وجودية.

الحرب الليزرية الأولى لا تُكسب بالعدد، ولا بالضجيج، ولا بادعاء المظلومية. تُكسب بالفهم العميق للتحول، وبالاعتراف بأن زمن الفوضى المسلحة يلفظ أنفاسه الأخيرة، مهما طال أمده. المجتمعات التي تُستنزف اليوم باسم المقاومة أو الحماية أو الثورة، ستطالب غدًا بالحساب. لن تسأل عن عدد الرصاصات، بل عن عدد الأرواح التي ضاعت بلا معنى، وعن من قرر، ومن موّل، ومن استفاد.

في النهاية، ليست هذه الحرب انتصارًا للتكنولوجيا بقدر ما هي إدانة للعجز السياسي. حين تغيب الحلول العادلة، يُستدعى السلاح. وحين يفشل السلاح التقليدي، تُستدعى الليزر والخوارزميات. لكن الحقيقة تبقى واحدة: لا حرب، مهما بلغت دقتها، قادرة على إنتاج سلام. الحرب الليزرية قد تكون الأولى من نوعها، لكنها لن تكون الأخيرة، ما لم يُكسر هذا المنطق من جذوره، ويُعاد الاعتبار للإنسان، لا كنقطة على شاشة، بل كغاية لا كوسيلة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قضية غرينلاند: السيادة في زمن المال والقطب المتحوّل
- من محاربة داعش إلى انهيار قسد وانكشاف مشروع PKK
- ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم
- بخصوص ما يُشاع عن مجزرة: أين صور الجثث؟ وأين الوثائق؟
- انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناه ...
- التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني ...
- حين يسقط قناع “تحرير المرأة”: شهادة دولية تفضح خطاباً مزدوجا ...
- تحول تاريخي: الاعتراف الرسمي بحقوق الكرد السوريين وإعادة تعر ...
- احتمالات ما بعد الضربة الأميركية: نظام أكثر شراسة ما لم توجد ...
- العنف المتبادل… تجنيد القاصرات كأداة حرب
- تسويات المال الملوّث: وانفجار أزمة ثقة
- الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّي ...
- لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران
- إمبراطورية لاتحاد ورقي بلا أثر ثقافي
- حين يصبح السلاح عبئاً على الأكراد… حلّ قسد لم يعد خياراً
- الحسابات المجهولة في الساحة السورية- فوضى مقصودة أم عبث مجان ...
- بين إشاعتي اغتيال
- عصر القوّة… الشعوب كرهائن
- ضباط الفلول يقعون في فخ: مخترق الهواتف يدّعي أنه ضابط إسرائي ...
- هل تُهدّد الترتيبات الأمنية مكانة الجولان كأرض سورية محتلة؟


المزيد.....




- بين التماسيح.. كيف نجح مغامران في عبور أطول نهر في أنغولا؟
- -بلا دولة ينتمين لها-.. نظرة على مخيم احتجاز نساء يرتبطن بتن ...
- هذا ما قاله وزير خارجية أمريكا لرئيس وزراء العراق حول عواقب ...
- بمشاركة إماراتية وسعودية.. انطلاق تمرين -أمن الخليج العربي 4 ...
- غزة تواجه ظروفًا إنسانية معقدة.. إسرائيل تواصل البحث عن رفات ...
- بسبب التوتر مع إيران.. إسرائيل تحذر شركات الطيران الأجنبية م ...
- واشنطن تحذر العراق من تشكيل حكومة موالية لإيران مع ترقب عودة ...
- شهيد ومصابون وقصف إسرائيلي لمناطق عدة بغزة
- حاكم إقليم دارفور للجزيرة نت: نخشى من أجندة سرية وراء الهدنة ...
- المعارض التونسي جوهر بن مبارك يعلّق إضرابه عن الطعام


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أحمد سليمان - الحرب الليزرية الأولى