أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - حضور باهت














المزيد.....

حضور باهت


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8566 - 2025 / 12 / 24 - 18:54
المحور: الادب والفن
    


حين رجعتِ بعد انقطاعٍ طويل، لم يقف قلبي على قدميه كما توقعتِ، ولم يركض نحوي بلهفة المتأخرين عن الفرح. كان المشهد أبسط وأقسى مما يُحتمل: قلبٌ يراكِ ولا يتحرك، يعرفك ولا يتورط، يستقبلك ببرود التحية لا بحرارة الشوق. كأن الزمن، في غيابك، لم يعلّمني كيف أشتاق فحسب، بل كيف أُغلق الأبواب بهدوء.
كانت عودتكِ باهتة، بلا طعم، بلا رعشة. لم تشبه تلك العودة التي ظللتُ أخشاها وأتمناها في آنٍ واحد. كنتِ هناك جسدًا وحضورًا، لكن روحكِ لم تصل، أو ربما روحي هي التي لم تعد قادرة على الوصول. شيءٌ ما انكسر في المسافة، شيء لا يُرمّم بالكلمات ولا يُستعاد بالذكريات.
أدركتُ في تلك اللحظة أن القلوب، حين تتعب، لا تعلن موت مشاعرها، بل تكتفي بالصمت. الصمت الذي يبدو تهذيبًا، لكنه في الحقيقة انسحاب أخير. كنتُ أراكِ وأسمعكِ، لكن قلبي كان يراقب من بعيد، كغريبٍ فقد حق التدخل. لم يعد يسأل: لماذا عدتِ؟ ولا ماذا تريدين؟ اكتفى بأن يبقى محايدًا، وهذه أخطر مراحل الخسارة.
رحلتِ بعد تلك العودة، ولم يهتز داخلي شيء. لا حزن، لا غضب، لا حتى فراغ. أدركتُ أن التأثر علامة حياة، وأن اللامبالاة هي الوجه الأصدق للفقد النهائي. حين يغيب الألم، نعرف أننا لم نعد نحب، ولم نعد ننتظر، ولم نعد نخاف الفقد لأننا فقدنا بالفعل.
اقول لك بهدوء: هذا آخر العهد بيني وبينكِ. لم أقلها انتقامًا، ولا قسوة، بل خلاصًا. بعض النهايات لا تحتاج دموعًا، بل شجاعة الاعتراف بأن ما كان، لم يعد صالحًا للاستمرار. أن نترك الأشياء تمضي كما هي، دون محاولات إنعاش متأخرة، ودون أوهام ترميم ما تآكل من الداخل.
اذهبي بعيدًا… ليس لأنكِ سيئة، بل لأن المسافة أصبحت ضرورة. اذهبي كي لا نُهين ما تبقى من ذكرى، ولا نُرهق القلب بمحاولات لا روح فيها. فليس كل عائدٍ يُستقبل، وليس كل حنينٍ يُستجاب له، وبعض الأبواب تُغلق لأن ما خلفها لم يعد يشبهنا.
هكذا تنتهي الحكايات الناضجة: بلا ضجيج، بلا مشهد أخير، بلا وعود. تنتهي حين يدرك القلب أن السلام أحيانًا أثمن من الحب، وأن الفقد المتأخر أقل وجعًا من البقاء بلا معنى.
لن أكتب عنك بعد اليوم، لا لأنكِ لم تكوني يومًا حكاية، بل لأنكِ لم تعودي مصدر إلهامي. الإلهام لا يُستجدى، ولا يولد من عودة باهتة، ولا يعيش في قلبٍ أغلق دفاتره وعلّق أقلامه احترامًا لذاته. كنتِ فكرة، ثم ذكرى، ثم صرتِ سطرًا مكتمل النهاية، لا يحتاج إضافة ولا يحتمل حاشية. اليوم أضع اسمك خارج النص، وأترك المساحة للفراغ النظيف، للصمت الذي لا يوجع، وللكتابة التي لا تشبهك بعد الآن . هذا آخر العهد بيننا . انتهى .



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الهيام قدَرًا لا يُقاوَم
- كن صديقي
- تأملات في بؤس المشهد الثقافي
- كل الطرق تؤدي اليك
- قربكِ يؤذيني
- الوعي كألمٍ ناعم
- بين الطيبة والانفعال: سقوط الصورة الجميلة
- تعلموا النسيان .. وتركوا لنا الذنب كاملاً
- عدتِ متأخرة… فوجدتِ الخراب منظّماً
- عودة الشخص الآخر… عودة الحياة بطعم العتاب
- إمرأة من خيال
- همسة تصل… فتُزهر الروح
- الإنسان بعد انتهاء صلاحيته: قراءة في عنف التصنيف
- منحة المثقفين في ميزان التسليع: حين تُقاس الثقافة بفتات المو ...
- الشتيمة كفشل ثقافي: لماذا نُهين الصبر والوفاء؟
- صورة واحدة تكشف صدق الحوارات
- الهاتف… اليد الثالثة التي أطاحت بشخصية الشباب
- ابن الحضارة لا يُهزم
- أصعب اشتياق
- أصدقاء مرّوا… فصاروا وطناً


المزيد.....




- رعب وفانتازيا وخيال علمي.. 6 أفلام سينمائية جديدة تتحدى سطوة ...
- وفاة ابن الجنوب الناقد د مالك المطلبي...
- ترامب يبكي ومقاطع من أفلام هوليوود.. حرب الصور الساخرة بين ا ...
- عرضان إضافيان لمسرحية -ما تصغروناش- في جدة
- كتاب توثيقي لعمالقة الغناء في السينما المصرية
- فيلم وثائقي ( مستر لا أحد ضد بوتين): من براءة الطفولة إلى ال ...
- عودة عرض فيلم -اعترافات سفاح التجمع- بعد انتهاء أزمته الرقاب ...
- مصطفى كامل يوضح أحدث تطورات الحالة الصحية للفنان هاني شاكر
- أصيلة تنظم الدورة الربيعية لموسمها الثقافي الـ47
- -الليلة الأخيرة في غزة-.. يسري الغول يكتب سيرة النجاة من قلب ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - حضور باهت