أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - عدتِ متأخرة… فوجدتِ الخراب منظّماً














المزيد.....

عدتِ متأخرة… فوجدتِ الخراب منظّماً


عماد الطيب
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8561 - 2025 / 12 / 19 - 16:39
المحور: الادب والفن
    


بعد طول غياب تعودين…
ولكن بأيِّ صورة؟
أ بصورةٍ تشبه ما تركتِه خلفك، أم بملامح لم يعد لها في الروح متّسع؟
تعودين بعد أن توقّف النبض لا لأن القلب مات، بل لأنه تعب من استدعاء ما لا يعود. تعب من الوقوف على شرفات الانتظار، من عدّ الغياب على أصابع الخيبة، من تصديق الوعد حين كان الوعد نفسه يحتاج من يصدّقه. القلب لم يتوقّف فجأة؛ لقد انسحب بهدوء، خطوةً خطوة، مثل جنديٍّ خسر الحرب ولم يُهزم في المعركة، بل في طولها.
المشاعر تلبّدت، لا لأن الغيم ثقيل، بل لأن السماء أُرهقت من المطر على أرضٍ لا تنبت. كم مرة سقينا الغياب أملاً؟ وكم مرة قلنا: لعل العودة تصحّح الخراب؟ لكن الخراب، حين يطول، يتحوّل إلى نظام حياة، وحين يعتاد القلب الفقد، يصبح الامتلاء عبئاً عليه.
الصورة تلاشت…
لا لأن الذاكرة ضعيفة، بل لأنها ذكيّة بما يكفي لتحذف ما يؤلمها. الذاكرة ليست خزنة حديدية، إنها كائن هشّ، يفرز، ينتقي، ويقسو أحياناً ليحمي صاحبه. كانت ملامحك يوماً واضحة حدّ الوجع، ثم بدأت تتآكل، لا بفعل الزمن وحده، بل بفعل الأسئلة التي لم تُجب، وبفعل الصمت الذي طال حتى صار لغة قائمة بذاتها. تتآكل الذاكرة في الغياب ، ويصبح النسيان كالأخطبوط الذي يلتف حول الذكريات ليخنقها.
كل ما يتعلّق بك لفّه النسيان، لا بوصفه خيانة، بل كحالة دفاع أخيرة. النسيان ليس عدواً دائماً؛ أحياناً يكون رحمة متأخرة. أن تنسى يعني أنك جرّبت أن تتذكّر كثيراً، أكثر مما ينبغي، أكثر مما يحتمل الإنسان دون أن ينكسر. وما انكسر في الداخل لا يُرمّم بعودة متأخرة ولا باعتذارٍ مُعاد الصياغة.
حتى الذاكرة لم تعد تحتمل ثقلك.
وهنا، تحديداً، تكمن القسوة الحقيقية: أن يصبح الشخص أثقل من الذكرى، وأن تتحوّل الحكاية من شغفٍ إلى عبء، ومن حضورٍ إلى استنزاف. حين تعجز الذاكرة عن حمل اسمٍ ما، فهذا يعني أن الاسم استهلك رصيده العاطفي بالكامل، وأنه لم يعد جديراً بمساحة الألم التي يحتلّها.
تعودين… ولكن العودة ليست فعلاً بريئاً. العودة سؤال أخلاقي قبل أن تكون حركة جسد. هل يحقّ للغائب أن يعود كما لو أن الغياب لم يحدث؟ هل تكفي كلمة “عدت” لمحو كل ما فعله الغياب من تصدّعات؟ هناك غيابات لا تُغتفر لأنها لم تكن قسرية، بل اختياراً، والاختيار مسؤولية لا يسقطها الزمن.
العودة بعد طول غياب ليست بطوله، بل امتحان. امتحان للصدق، وللاعتراف، وللشجاعة في مواجهة ما تهدّم. ومن يعود دون أن يرى الخراب الذي خلّفه، يعود أعمى، وإن كانت عيناه مفتوحتين. ومن يطلب أن يُستقبل بالدفء ذاته، يجهل أن الدفء لا يُخزَّن، وأن القلوب لا تعمل بنظام الاسترجاع.
هنا لا نقف موقف العتاب وحده، بل موقف النقد. نقد الفكرة الرومانسية التي تقدّس العودة لمجرّد أنها عودة، وتغفر للغائب لأنه اشتاق. الاشتياق لا يكفي. الحب لا يُقاس بالحنين فقط، بل بالمسؤولية أثناء الحضور، وبالأمان الذي يُمنح لا الذي يُسحب ثم يُطلب من جديد.
ربما تعودين، نعم…
لكن ما لم تعودي به هو الأهم: هل تعودين بذات الصدق الذي غبتِ عنه؟ بذات الوضوح الذي افتقدناه؟ أم تعودين لتبحثي عن صورة قديمة لم تعد موجودة إلا في مخيّلة متعبة؟ القلوب التي نجت من الغياب لا تقبل أن تُختبر مرة أخرى بالطريقة ذاتها.
الغياب يعلّمنا القسوة الناعمة: أن نبتسم دون حنين، أن نتذكّر دون ألم، وأن نغلق الأبواب دون ضجيج. وما بعد الغياب ليس فراغاً كما يُظن، بل ترتيب جديد للأشياء، حيث لا مكان لمن لم يعرف قيمة البقاء.
تعودين… لكن القلب الذي تنتظرينه لم يعد هنا. لم يمت، بل تعلّم كيف يعيش بلا انتظار.



#عماد_الطيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عودة الشخص الآخر… عودة الحياة بطعم العتاب
- إمرأة من خيال
- همسة تصل… فتُزهر الروح
- الإنسان بعد انتهاء صلاحيته: قراءة في عنف التصنيف
- منحة المثقفين في ميزان التسليع: حين تُقاس الثقافة بفتات المو ...
- الشتيمة كفشل ثقافي: لماذا نُهين الصبر والوفاء؟
- صورة واحدة تكشف صدق الحوارات
- الهاتف… اليد الثالثة التي أطاحت بشخصية الشباب
- ابن الحضارة لا يُهزم
- أصعب اشتياق
- أصدقاء مرّوا… فصاروا وطناً
- حب يفيض على صدر يخشى الندى
- المرأة الأخرى
- الإنسان الأخير في زمن الخراب الناعم
- الاعلام الحربي الناعم
- عبث العطاء في عالم بلا جذور
- وهم المكانة وحقيقة الآخر
- عراقٌ مُعَطَّل
- حين تمطر… يغرق الوطن في قطرة
- لستُ بخير


المزيد.....




- -زمن مغربي-.. شهادة من داخل دوائر القرار تكشف تحولات نصف قرن ...
- هل أهان ترمب ستارمر؟.. المنصات تتفاعل مع المقطع الكوميدي الس ...
- -نعم، أعرف اسمه-... من سيخلف المدرب ديشان على رأس الإدارة ال ...
- يحاكي ضربات فرشاة كبار الفنانين.. روبوت يعيد تصوّر لوحات الح ...
- نص سيريالى (يَقظَة تَحلُم بِنَا) الشاعرمحمد أبو الحسن.مصر.
- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عماد الطيب - عدتِ متأخرة… فوجدتِ الخراب منظّماً