أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي














المزيد.....

الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي


عادل الدول
كاتب

(Adil Al Dool)


الحوار المتمدن-العدد: 8549 - 2025 / 12 / 7 - 18:02
المحور: قضايا ثقافية
    


نحن نعيش في قلب العاصفة الرقمية التي تجتاح عالمنا، ومنطقتنا العربية تشهد تحولاً جوهرياً لم يعد خافياً على أحد. لقد انقلب هرم المعرفة رأساً على عقب، فلم يعد الأبُ معلماً ولا الجدُّ مرجعاً، بل وجد الكبير نفسه فجأة في منطقة ظلٍ قسرية، بينما يتقدم الصغير بثقة ليأخذ بيده عبر متاهات العصر الجديد. هذا المشهد ليس مجرد تغيير في طريقة نقل المعلومة، بل هو زلزال يهز أركان السلطة بأشكالها كافة: في البيت، في المدرسة، في مؤسسة العمل، وحتى في سدة الحكم.

تتسع الهوة بين جيلٍ تشكّل وعيه على مهل، بين دفتي كتاب وخطابات مسموعة، وجيلٍ يتلقف المعرفة في فيضٍ رقميٍ عابرٍ للحدود، سريعٍ كالبرق. فالأصغر اليوم على تماسٍ مباشر مع منصات المعرفة العالمية، مع مناهل الفكر المتنوعة، وأدوات التغيير الفعالة. لقد تحولت الهواتف الذكية في أيديهم إلى مكتبات ضخمة ومختبرات اجتماعية وساحات للخطاب العالمي، بينما يحمل الأكبر في جيبه نفس الجهاز لكنه لا يرى فيه سوى آلةٍ للاتصال التقليدي. هذا الفارق في العلاقة مع الأداة هو جوهر الفارق في القدرة على الفهم والتأثير.

في الماضي، كانت المعرفة تتراكم كالرواسب، طبقةً فوق طبقة، مع تقدم العمر. وكانت الخبرة، بكل ما تحمله من حكمة ودراية، هي العملة الصعبة التي تمنح الشرعية للكبير في قيادة الأصغر. أما اليوم، فقد تحولت المعرفة إلى نهرٍ جارٍ، سريع التدفق، متغير المسار. والقدرة على السباحة في هذا النهر، لا مجرد الوقوف على ضفته، هي ما يمنح القيادة. فأصبح الصغير، بفضل مرونته الفكرية وقدرته على استيعاب الجديد، هو السبّاح الأكثر مهارة، بينما يقف الكبير حائراً على الشاطئ، يخشى الغرق إن هو اقتحم المياه المتلاطمة.

تداعيات هذا التحول في مجتمعاتنا العربية، التي تعاني أساساً من هزات سياسية واجتماعية عميقة، هي بمثابة صدمة مضاعفة. فالأسرة، التي كانت حصن السلطة الأبوية المتوارث، تترنح. يرى الأب سلطته وهي تذوي لأن ابنه يعرف أكثر منه عن آلية عمل العالم، عن الفرص الجديدة، عن الأدوات التي تحرك الاقتصاد الحديث. يتوارى منطق الطاعة العمياء ليحل محله حوار الصدام أحياناً، أو الصمت المشحون بالاستعلاء الخفي أحياناً أخرى. لم يعد ممكناً قول "افعل هذا لأني أدرى منك"، عندما يكون الدليل على عكس ذلك متاحاً للجميع بنقرة واحدة.

أما على المستوى المجتمعي والسياسي، فالحدث أخطر. لقد سقطت آخر ستائر القداسة التي كانت تحجب النقاش عن مؤسسات الحكم والسلطة. فجيل "اليوتيوب" و"تويتر" و"التيك توك" لا يستهلك الخطاب، بل يحلله، ويقارنه، وينشره، ويسخره للسخرية أحياناً. لقد أصبحت الشفافية مطلباً حتمياً، والكفاءة معياراً لا مهرب منه. لم تعد الكاريزما الخطابية وحدها تكفي، فالشباب يريدون رؤية النتائج ملموسة على أرض الواقع، ويقيسون أداء حكوماتهم بمقاييس عالمية يطلعون عليها كل يوم. وأصبحت أدوات فضح الفساد أو الفشل الإداري في متناول أي شابٍ يملك هاتفاً ذكياً وشجاعةً لنشر ما يراه.

هذا الصدام بين سرعة الشباب الرقمية وبطء المؤسسات البيروقراطية يخلق حالة من الاحتقان. فالمؤسسات التعليمية ما زالت تخرّج طلاباً بمناهج عفا عليها الزمن، بينما الطلاب أنفسهم يتعلمون خارج أسوار المدرسة مهارات قد تغنيهم عن شهادتها. ومؤسسات العمل ما زالت تطلب الخبرة المتراكمة وتغفل عن المهارات الجديدة التي يمتلكها حديثو التخرج، فتفوت على نفسها فرصة التجديد. والحكومات تواصل الحوار بلغة الأمس مع جيلٍ يتحدث لغة المستقبل.

لكن في قلب هذه العاصفة، تكمن أيضاً بذور أملٍ عظيمة. هذا التحول يمثل فرصة تاريخية للمنطقة العربية للقفز فوق عقود من التخلف. فلو أحسنت المجتمعات والحكومات استقبال هذه الطاقة الجديدة، وتفهمت هذه الثورة المعرفية، لأمكن تحويل هذا الجيل الصاعد من قنبلة موقوتة إلى محرك للتنمية. المطلوب ليس مجرد منحهم مقاعد شرفية، بل تمكينهم من قيادة دفة التغيير في الاقتصاد نحو اقتصاد المعرفة، وفي السياسة نحو الحوكمة الرشيدة، وفي المجتمع نحو قيم الإبداع والمبادرة.

نحن إزاء لحظة مفصلية: إما أن نتعامل مع هذا التحول بوصفه تهديداً للثوابت، فنزيد من حدة الصدام ونُعمق الهوة حتى الانهيار، أو أن نتعامل معه بوصفه رياح تغيير محمولة، فنبحر بها نحو آفاق جديدة من النهضة. الخيار ليس بين التمسك بالماضي أو الانسلاخ عنه، بل بين الفهم الذكي لمتطلبات الحاضر، والاستعداد بشجاعة لمستقبلٍ يصنعه الأصغر، بمعرفة الأكبر وحكمته، إذا ما توفرت لديه التواضع الكافي ليتعلم من ابنه من جديد. فالحكمة لم تعد حكراً على الشيخوخة، والطاقة لم تعد وقفاً على الشباب. التحدي هو في صناعة الجسر بينهما.



#عادل_الدول (هاشتاغ)       Adil_Al_Dool#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب كنموذج عمل: كيف تحولت الصراعات إلى آلة للربح المستدام
- في انتظار أن يصبح سببًا
- الحسد: رحلة الشعور الأزلي من الأسطورة إلى الخوارزمية
- أنت والحظ: حين تنحرف المعادلة عن قوانينها
- المأزق الثقافي العربي: بين العجز والنهوض
- الألم... ميلادٌ لا ينتهي
- العصر الأسود: أغنية الشاشات المغلقة
- العراق: هشاشة الدولة وأزمة الهوية الوطنية
- سجون عقولنا غير المرئية: كيف تُديرنا معتقدات الطفولة القديمة ...
- التغيير الإيجابي والمستدام: في معنى التكيّف الهوياتي
- البشتون وإسرائيل: بين الأسطورة التوراتية وأدوات المشروع السي ...
- عندما يُشلّنا الخوف من الخطأ: من تبرير النية إلى امتلاك الأث ...
- هل يحتاج العالم العربي إلى ديمقراطية... أم إلى رؤية جديدة لد ...
- قانون جانتي: يُقلّل من الحسد الطبقي، ويُعزّز التماسك الاجتما ...
- هوليوود تُعيد كتابة سرديّتها: حين يكسر النجوم صمتهم عن فلسطي ...
- التسامح مع عدم اليقين
- الإنسان في عصر البيانات الرقمية: بين الوعي والسيطرة
- يطير الملفوظ... ويبقى المكتوب
- الجذور في الجحيم: في معنى المعاناة كطريقٍ للتحول
- الوساطة منهج فكري وثقافة مؤسسية


المزيد.....




- ببغاء هارب يقتحم مدرسة في كندا ويستقر على كتف معلّمة
- لحظة توقيع ترامب ميثاق -مجلس السلام- في دافوس
- ترامب يطلق حفل تدشين -مجلس السلام- لغزة بحضور أقل من المتوقع ...
- بعد فنزويلا.. إدارة ترامب تبحث -تغيير النظام- في كوبا
- أخبار اليوم: دمشق تتهم قسد بخرق اتفاقات وقف إطلاق النار
- السودان: اجتماع لمجلسي السيادة والوزراء في الخرطوم للمرة الأ ...
- ما الدور الذي تلعبه تركيا في الصراع القائم بين حكومة دمشق وق ...
- بوتين: بإمكان روسيا دفع المليار دولار كرسم انضمام لمجلس السل ...
- تسليم الجزائر سيف الدين مخلوف لتونس: -خرق- لحق اللجوء السياس ...
- أمين عام حلف الناتو يقول إنه لم يناقش مع ترامب مسألة السيادة ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عادل الدول - الصغير يعلم الكبير - تحول المعرفة يهز أركان المجتمع العربي