محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)
الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 21:19
المحور:
القضية الفلسطينية
في زاويةٍ معتمةٍ من ذاكرة الأيام، يطلّ علينا بيتُ شعرٍ قديم، لكنه لا يزال نابضاً كأنه كُتِب هذا الصباح:
«وما الدهرُ إلا جامعٌ ومفرِّقٌ، وما الناسُ إلا راحلٌ ومودِّعُ!»
كلماتٌ قصيرة، لكنها تُشبه صدراً يعلو ويهبط تحت ثقل الحزن. ليست مجرد حكمةٍ منسية، بل مرآة لواقعٍ نعيشه جميعاً دون استثناء. فالدنيا كما يقول الشاعر، ليست سوى محطة قطارٍ تتقاطع فيها الوجوه طويلاً أحياناً، وقصيراً غالباً، ثمّ ينفرط العقد حين يحين موعد الرحيل.
يبدو الزمن في هذه الأيام أكثر قسوة، وأكثر قدرةً على أن يفاجئنا بالخسارات. نجلس بين ركام الأخبار والرحلات التي تنتهي بلا موعد، نحاول أن نُمسك بأطراف من أحببنا، لكنهم ينزلقون من بين أيدينا كما ينزلق الماء من الأصابع. يرحلون، وربما لا يعلمون ما يتركون خلفهم من فراغٍ يتّسع كل ليلة، كأنه شقٌّ يتعمّق في جدار القلب.
وفي المدن التي تضجّ بالحياة، يمشي الناس متجاورين، لكن كلّ واحدٍ يحمل وداعه الخاص في جيبه: وداع صديقٍ تغيّب، أو قريبٍ غاب، أو زمنٍ جميلٍ لم يَعُد. كأن الوداع أصبح فريضةً يومية، وكأن قلوبنا صارت محطة عبور لا محطة استقرار.
والمؤلم في هذه الحياة ليس الرحيل ذاته، بل تلك اللحظة التي نصحو فيها على حقيقة أننا لم نكن مستعدّين له. كأن الزمن يتفنّن في مباغتتنا؛ يفتح أبوابه في وجهٍ ويغلقها في وجهٍ آخر، بلا إنذار ولا تمهيد، ودون حتى فرصةٍ لالتقاط الأنفاس.
ومع ذلك، يبقى في الحزن جانبٌ إنسانيّ عميق؛ فهو يذكّرنا بضعفنا، بعاطفتنا، وبأننا ما نزال قادرين على الشعور. فالقلوب التي تبكي هي القلوب التي أحبَّت، والوجوه التي تتعب هي الوجوه التي عاشت. وربما هذا ما يجعلنا نستمرّ، رغم كل ما نفقده: أننا نعرف، في أعماقنا، أن الحكايات لا تنتهي ما دام هناك من يتذكّرها.
في نهاية المطاف، يظلّ البيت الشعري صادقاً في تلقينه:
نحن أبناء اللحظات العابرة؛ نجتمع لِنفترق، ونفترق ليلتقي غيرنا، وكأن الدهر يكتب قصته الكبرى بمداد اللقاء والفراق.
وما بينهما… نحاول نحن أن نُحبّ، وأن نحفظ ما يمكن حفظه من دفءِ الأيام.
محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.
#محمود_كلّم (هاشتاغ)
Mahmoud_Kallam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟