أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - غزة… صلاةٌ فوق الركام وحياةٌ لا تنطفئ!














المزيد.....

غزة… صلاةٌ فوق الركام وحياةٌ لا تنطفئ!


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 15:53
المحور: القضية الفلسطينية
    


حكايةُ مدينةٍ تنهض من تحت النار، وتحمل في قلبها وطناً لا يُقصف ولا يموت.

عندما تنهار المدن، يفرّ الناس إلى البعيد بحثاً عن الحياة…
لكن في غزة لا مكان للهروب. السماءُ حديد، والأرضُ نار، والبحرُ مُغلَق بالشِّباك والأسلاك. هناك لا يُولد النهار إلا على صوت الانفجار، ولا ينام الليل إلا على شهقة أمٍّ فقدت طفلها، أو بكاء أبٍ يبحث عن طفله بين الركام.

في غزة لم يَبقَ من المدينة إلا ظلُّها، ولا من البيوت إلا الجدرانُ التي تحفظ رائحة الأهل. الأطفال هناك يعرفون أسماء الطائرات كما يعرف أطفالُ العالم أسماء ألعابهم، والنساءُ يحفظنَ طريقَ المستشفى أكثر من طريق السوق. صار الحُلمُ ترفاً، والابتسامةُ مغامرة، والحياةُ مؤقّتةً مثل الكهرباء التي تأتي دقائق وتغيب دهوراً.

وعندما تنهار الدول، كما قال ابن خلدون، يكثر المتكلمون باسم الوطن، والمنظّرون باسم الحرية، والمنتفعون من دماء الأبرياء. وفي غزة اليوم يتكاثر الخطباءُ والمزايدون، وتتزاحم على الشاشات الوجوهُ الباردة التي تتحدث عن “الحلول”، بينما الأطفال تحت الأنقاض يكتبون بدمهم بيان الحقيقة الوحيد: أننا باقون رغم الموت.

في زمن الخراب يتحوّل الحلم إلى جريمة، والأمل إلى وَهم، والسكوت إلى نجاة. في غزة لا يملك الناس ترفَ اليأس، لأنهم وُلِدوا في قلبه، وتعلّموا أن يبتسموا رغم رماد الأيام. هناك تُقام جنازاتُ الفرح في كل بيت، ويُدفن العمرُ مع كل شهيد، ومع ذلك تخرج الأرواح من بين الأنقاض كزهورٍ من الإسمنت.

“لن نرحل… وإن رحلت أجسادُنا، ستبقى أرواحُنا تحرس البحر والسهل والبيت.”

وهناك، بين الركام نفسه، يصلّي رجال غزة صلاةَ يوم الجمعة. يقفون حفاةً فوق ترابٍ ممزوجٍ بالغبار والدم، يفرشون الأرض بالإيمان حين لا تبقى سجادة، ويرفعون أيديهم إلى السماء التي تُظلّهم بالقصف لا بالغيوم. يؤمّهم شيخٌ فقد بيته، ويحرس صفوفَهم شابٌّ فقد صديقه، ويكبرون تكبيرةً تهزّ الحصار كلَّه. لا مئذنة تُنادي، لكن القلوب هي المآذن، ولا مسجد قائم إلا روح الجماعة التي تُصلّي حيثما بقي حجرٌ من وطنٍ يتّسع للركوع والسجود. في غزة حتى الجمعة تُصلَّى على عجل، لكن بحضورٍ لا يشبه إلا حضورَ من يعرف أن الله وحده لا تُغلق أبوابه.

وفي فلسطين يمشي الشعب مثقلاً بالتاريخ، يجرّ وراءه أكثر من سبعة وسبعين عاماً من الألم، ولا يزال يقف على عتبة الوجود متمسكاً بما تبقّى من معنى الوطن. هناك، حيث يموت الأمل، يُخلق أملٌ جديد من تحت الركام. وهناك حيث يصمت العالم، تتكلم الأرض، ويتحدث الحجر، وتنطق الشهادة.

لقد تحوّل الوطن إلى حقيبةٍ في يد لاجئ، والبيوتُ إلى ذكريات، والذكرياتُ إلى حكاياتٍ تُروى على أضواء الشموع في المخيمات. ومع ذلك ما زالوا يقولون: “سنعود.”
كأن العودة ليست وعداً سياسياً، بل عقيدةً في القلب لا تموت.

غزة اليوم ليست مجرد جغرافيا، بل جرحٌ مفتوح في ضمير العالم، مرآةٌ تُظهر قبحَ الصمت، وشاهدةٌ على أن الإنسان يمكن أن يُسحَق ولا ينكسر، أن يُحاصَر ولا يستسلم، أن يُحرَم من كل شيء إلا الكرامة.

وهكذا حين تنهار المدن، وتُسحَق الأحلام، وتضيع الملامح في رماد الموت، تبقى غزة رغم كل شيء قصيدةَ حزنٍ لا تنتهي، وصرخةً في وجه العالم تقول:

“ها نحن هنا… نعيش فوق الركام، ونحمل في قلوبنا وطناً لا يُقصف، ولا يُحتل، ولا يُنسى.”

في نهاية الحكاية تبقى غزة ليست مجرد اسمٍ على الخريطة، بل وجعاً نابضاً في قلب كل مَن بقي له ضمير.
تبقى شاهدةً على عصرٍ سقطت فيه القيم، وارتفعت فيه أصوات الطائرات على صوت الإنسان.
هناك، في ركامها الصامت، تنام القصص التي لم تُكتب بعد، وتبكي الجدران على مَن رحلوا ولم يعودوا.
ومع كل فجرٍ جديد، تُطلّ من بين الغبار يدُ طفلٍ صغير، تُمسك بالحياة كما يمسك الغريق بأنفاسه الأخيرة، لتقول للعالم بلغة الدموع:

“ما زلنا هنا… رغم كل شيء، ما زلنا نحلم بوطنٍ لا يحترق.”



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انهيارات في جيش الاحتلال بعد 7 أكتوبر: سقوط الأسطورة أمام ال ...
- سماح إدريس… ذاكرة لقاء، ومرارة الغياب
- وفاء بهاني: ابنة الشهيد التي حوّلت الإعلام إلى معركة فلسطين
- صرخة لم تُدفن: ماذا يعني أن تكون نزار بنات؟
- حوار الطرشان في فلسطين… وغزة وحدها تقول الحقيقة!
- جورج حبش… سيرةُ قائدٍ عصاميٍّ في زمنٍ يزدحمُ بالمُرتزقةِ!
- فلسطين.. حين يعلو الشعب على الرايات!
- ياسر عرفات... القائد الذي خانته البنادق التي صنعها!
- حينَ يبكِي التُّرابُ: مرثِيّةُ وطنٍ أَثقلتهُ الحُرُوبُ وتخلّ ...
- في غزة... هزيمةٌ مُذلّةٌ للمجتمع الدولي وحقوق الإنسان!
- غزة… وسام الحياة في زمن الخذلان!
- حين يُصبحُ الوطنُ قبراً
- كلّما عاهدوا عهداً... نبذه فريقٌ منهم!
- غزّة والفاشر.. وجهان لمأساةٍ واحدة!
- الخائن يُستَخدم ثم يُرمى: تأملات في زمن الانكسار الفلسطيني!
- غزة.. مرآة الكرامة في زمن التصفيق!
- غزّة... من قصف البيوت إلى قصف الحقيقة!
- المحررون خلف الأبواب المغلقة: خذلانٌ عربيّ يلاحق الأسرى بعد ...
- الشجاعة في غزة.. حين يصبح الخوف رفيقاً لا يفارق!
- الذين خانُوا غزّة... سقطُوا من ذاكرة الوطن!


المزيد.....




- حريق هونغ كونغ.. وفاة أكثر من 100 شخص و200 ما زالوا مفقودين ...
- روسيا تشن أكبر هجوم بطائرات مسيرة وصواريخ على أوكرانيا منذ ش ...
- ليست في اليابان أو الهند.. أين تقع أكبر مدينة في العالم؟
- هجوم روسي يهزّ أوكرانيا.. قتلى وانقطاع الكهرباء عن أكثر من 6 ...
- خرافة أم حقيقة؟ تأثير غذاء الأم على لون بشرة المولود
- قتلى وجرحى في هجوم روسي ليلي كبير على أوكرانيا قبل مفاوضات س ...
- جيروزاليم بوست: رئيسة أيرلندا الجديدة حليف لحماس وخطر على إس ...
- -أطلقوا سراح مروان-.. حملة عالمية للإفراج عن البرغوثي
- غابات أفريقيا تتحول من خزان للكربون إلى مصدر له
- تعرف على تفاصيل اتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسوريا لعام 197 ...


المزيد.....

- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ااختلاق تاريخ إسرائيل القديمة / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - غزة… صلاةٌ فوق الركام وحياةٌ لا تنطفئ!