أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - سماح إدريس… ذاكرة لقاء، ومرارة الغياب














المزيد.....

سماح إدريس… ذاكرة لقاء، ومرارة الغياب


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 8538 - 2025 / 11 / 26 - 18:16
المحور: القضية الفلسطينية
    


في صيف عام 2000، لم أكن أدرك أن اتصالاً واحداً سيقودني إلى واحد من أثمن اللقاءات في حياتي. اتصل بي أخي وصديقي خالد ناجي العلي، طالباً أن أُسلّم بعض رسومات الشهيد ناجي العلي غير المنشورة، والتي كنت أحتفظ بها، إلى شخص يدعى سماح إدريس. كان الاسم يوحي بأنني سأقابل امرأة، ولم أكن قد سمعت به من قبل، رغم أننا نقطن المدينة ذاتها، بيروت؛ هذه المدينة التي تخفي بين أحيائها كثيراً من العقول، وكثيراً من الأسرار.

لم يُعطني خالد ناجي العلي سوى رقم هاتفه. وحين اتصلت، وردّ عليّ صوت هادئ، ثابت، عميق النبرة. سألته عن “الأخت سماح”، فابتسم من وراء الخط قبل أن يقول بهدوء: «أنا سماح إدريس». اتفقنا أن نلتقي فوراً، ولم أكن أعلم آنذاك أنني في طريقي للقاء موسوعة كاملة، لا مجرد شخص.

انطلقت من حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية، قاصداً منطقة الروشة حيث كان ينتظرني. كان الطريق مفعماً بزحمة بيروت الخانقة: طريق المطار، البربير، كورنيش المزرعة… حتى بلغت مكتبة دار الآداب بعد مشقة وتأخير. وهناك، وسط رائحة الكتب، بدأت لحظة لن تتكرر.

جلسنا ثلاث ساعات أو تزيد، لكنها بدت كأنها مساحة خارج الزمن. كان حديثنا كله يدور حول الشهيد ناجي العلي، وحول حكيم الثورة جورج حبش (أبو ميساء). كان سماح يتحدث بعين المثقف وبقلب المناضل؛ يلتقط الفكرة كما لو أنها خيط من ضوء، ويعيد نسجها بنبرة المعرفة وعمق الالتزام. شعرت أنني أمام رجل لا يقرأ العالم فقط، بل يعيد كتابته.

منذ ذلك اللقاء الأول، لم ينقطع التواصل بيننا، وظلّ يمتد حتى قبل رحيله بمدة قصيرة. أتذكّر اتصاله الأخير جيداً، بصوته الذي خفّت حدّته وبقي دفؤه. طلب مني رقم الكاتب والأديب الفلسطيني سليمان الشيخ(أبو خلدون). لم أكن أعلم حينها أن هذا سيكون آخر خيط يصلني به، وآخر جملة يسمعها مني.

رحل سماح إدريس بعد صراع مع المرض، لكنه ترك خلفه ما هو أعمق من الكتب والمقالات والمواقف. ترك أثره فينا نحن الذين عرفناه، أو مررنا بظلّه، أو لامسنا شيئاً من فكره ونبله. كان رحيله خسارة للثقافة العربية، وللفلسطينيين الذين أحبّهم بلا شروط، وللبنان الذي حمله رغم الوجع… ولكن الخسارة الأكبر كانت لفلسطين نفسها؛ فلسطين التي كان سماح أحد أنبل أبنائها المعنويين، وأصدق المدافعين عنها.

أما أنا، فكلما عدت بذاكرتي إلى ذلك الطريق الطويل نحو الروشة، أدرك أن الزحام الحقيقي لم يكن في الشوارع، بل في الأسئلة التي حملتها إليك يا سماح، وفي الأجوبة التي منحتني إيّاها. لقد كان لقاؤنا صدفةً صنعت معنى، وذكراك اليوم مرارة غيابٍ ممزوجة بفخرٍ عميق بأنني عرفتك يوماً.

سماح إدريس…
سلامٌ عليك يا صديق المعرفة، ويا رفيق الحبر، يا من رحلت وبقيت.

محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال.



#محمود_كلّم (هاشتاغ)       Mahmoud_Kallam#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وفاء بهاني: ابنة الشهيد التي حوّلت الإعلام إلى معركة فلسطين
- صرخة لم تُدفن: ماذا يعني أن تكون نزار بنات؟
- حوار الطرشان في فلسطين… وغزة وحدها تقول الحقيقة!
- جورج حبش… سيرةُ قائدٍ عصاميٍّ في زمنٍ يزدحمُ بالمُرتزقةِ!
- فلسطين.. حين يعلو الشعب على الرايات!
- ياسر عرفات... القائد الذي خانته البنادق التي صنعها!
- حينَ يبكِي التُّرابُ: مرثِيّةُ وطنٍ أَثقلتهُ الحُرُوبُ وتخلّ ...
- في غزة... هزيمةٌ مُذلّةٌ للمجتمع الدولي وحقوق الإنسان!
- غزة… وسام الحياة في زمن الخذلان!
- حين يُصبحُ الوطنُ قبراً
- كلّما عاهدوا عهداً... نبذه فريقٌ منهم!
- غزّة والفاشر.. وجهان لمأساةٍ واحدة!
- الخائن يُستَخدم ثم يُرمى: تأملات في زمن الانكسار الفلسطيني!
- غزة.. مرآة الكرامة في زمن التصفيق!
- غزّة... من قصف البيوت إلى قصف الحقيقة!
- المحررون خلف الأبواب المغلقة: خذلانٌ عربيّ يلاحق الأسرى بعد ...
- الشجاعة في غزة.. حين يصبح الخوف رفيقاً لا يفارق!
- الذين خانُوا غزّة... سقطُوا من ذاكرة الوطن!
- عبّود بطاح: الوجه الحيّ للمقاومة بعد حنظلة!
- لم تنتهِ الحكاية بعد.. غداً تطير العصافير يا غزة!


المزيد.....




- شاهد.. محتج ينزع العلم الإيراني ويرفع علم ما قبل الثورة بمبن ...
- هذه تفاصيلها.. ترامب يصدر أمرا لإعداد خطة -غزو غرينلاند-
- -كنت أظنّ أنني الأم الوحيدة التي تبحث عن صغيرها، حتى أدركتُ ...
- مع سعي ترامب لاستثمارات بـ 100 مليار دولار، رئيس -إكسون- يصف ...
- ترامب: -إيران تتطلع للحرية... نحن متأهبون للمساعدة-
- بنغلاديش تسعى للانضمام إلى القوة الدولية المقترح نشرها في غز ...
- نيويورك تايمز: لهذا التزم بوتين الصمت عندما تحداه ترامب بالت ...
- خروج آخر مقاتلي قسد من حلب وعبدي يتحدث عن وساطة دولية
- تقرير: هكذا ستضرب أميركا إيران -إذا لزم الأمر-
- إدارة جائزة نوبل ترد بعد اقتراح الفائزة بمنحها إلى ترامب


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - سماح إدريس… ذاكرة لقاء، ومرارة الغياب