أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - ألمقامة الاستغنائية .














المزيد.....

ألمقامة الاستغنائية .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 13:37
المحور: الادب والفن
    


ألمقامة الاستغنائية :

ولعل الحكمة الصوفية القائلة: (( عند التمام يبدأ النقصان )) , تظل صادقة بالعرفان وبالبرهان معاً , ذلك أن أي كائن حي , عند الذروة يكون قد استعمل إلى أقصى حد مصادره وموارده كافة , وهو حين يستعملها إلى أقصى حد , فإنه يستهلكها بنفس المقدار, ومن إرهاصات ثمل مستغني : ((كبرتُ , أو هكذا خُيّل لي , أحاسيسي تمددت في جسدي كضوءٍ غامضٍ يتسرّب من شقوق الجدران العتيقة , البيت الذي يُجاور بيتنا لم يعد مجرّد بناء , بل صار نصًا خامًا يُكتَب عليّ كل مساء , هي تسكن هناك , لكنها بعيدةٌ , بعيدةٌ جدًا , كما لو أنها إحدى مجرّات الإدراك التي لا تقترب إلا حين أغفو بين الكلمات , وتراودني أفكارٌ شتى , أسحبها من خزانة اللاوعي كمن يسحب أرنبًا من قبعة مسحورة , لكنني , كل مرة , أصل إلى نتيجةٍ لا تُشبه حدسي , أُلملم بقايا أوراقي المبعثرة , خُطّت بخط مستقيم لكن قلبها مائل , أوراقٌ كتبتُ فيها أمانيَ خرساء , كأنني أستعير من المستقبل مرآةً لأطل بها على انكساراتي, وفي ليل الاستغناء , حين يخفت كل شيء وتنسحب الأرواح إلى ممراتها السرّية أبقى أنا , أتنفس من ثقبٍ صغيرٍ في السماء كأنني نُقطة لم تُكتب بعد في آخر كتابٍ ينتظر اللهُ أن يُنهيه , أنا من لا أنا ذُبْتُ في أول نظرةٍ لم تكن في عينٍ لم تُخلق حين مرّ بي اسمُهُ كالريح في رئة الطين )) .

رَوى الحارثُ بنُ هَمّامٍ قال : بينما أنا سائرٌ في مَغاني الحياةِ , ومُتقلبٌ بين الضّراءِ والسّراءِ أترقّبُ الأحوالَ بـعينِ العبرةِ , وأستكشفُ خَبايا النفوسِ بـكشفِ البصيرةِ , إذ لاح لي شيخٌ قد اكتسى بجلالِ الاستغناءِ , وتحلّى بتاجِ البهاءِ , كأنّه الليلُ حينَ جنّهُ الهدوءُ , أو الماءُ حينَ طابَ منهُ الصّفاءُ , فإذا هو أبو الفتحِ الإسكندريُّ , فقلت: يا أبا الفتحِ , يا سيدَ أهلِ الكلامِ , ومرسَلَ الحكمةِ في الأنامِ , ما بالك قد جُدتَ على صمتِكَ , واعتكفتَ في صَومعتِكَ ؟ فقال : ولكن كيف لنا ان نستغني عن سجون نختار أن نحيا فيها , وفي كلِّ مرّةٍ نعودُ بشرخٍ وتذكرةِ ألمٍ , نرصفُ للخطى طرقاتٍ بلونِ انكساراتنا , نمضي بثغورٍ تبتسم وحدها , كما النوافذُ المغلقة حين يمرُّ الضوءُ دون أن يدخل , وذلك العناقُ الذي لا أكادُ أعيشهُ حتّى أحترقَ داخلَه لا لأضيءَ , بل لأذوب كشمعةٍ عالقةٍ في عتمةٍ لم أصنعْها.

تنهد حين قال: اعلم يا حارثُ أن الاستغناءَ تاجُ المُلوكِ , ومهلكةُ الهُلوكِ , إنه التخلي عن كلِّ ما ليسَ في يدِكَ , وعدمُ الحاجةِ إلى ما كانَ من أحدِكَ , ولقد صدقَ من قالَ وزاد , ونطقَ بالحقِّ وأجاد : (( كلُّ ما تجاهلتُه , جاءني طوعًا , وكلُّ ما طاردتُه , أفلتَ من يدي , الحياةُ تجودُ على منِ استغنى , وتُذِلُّ من تعلَّقَ وتشبَّث , تبردُ نارُ النفسِ بالاستغناء , استغنِ يا ولدي , فمن تركَ مَلَك )) , وإنّه لعِزُّ المؤمنِ وعُلوُّ شأنِه , ومفتاحُ روحهِ وأمنِه , إذ قالَ في الحِكمةِ النبويّةِ الرّاشدة: ((عِزُّ المؤمنِ استغناؤهُ عن الناسِ )) , فيا لكَ من قرارٍ يُنجي الروحَ والقلبَ والنفسَ من كلِّ ما يؤذيها , ويُزيلُ عن صاحبِه كُلَّ ما يُشقيها.

فقلتُ : نعمَ القولُ والمقالُ , ولكلِّ حكيمٍ في دروبِ الوَجدِ مآلُ, ولكن كيف لنا أن نرتدي رداءَ المُستغنينَ , ونتخلّى عن سجونٍ اخترنا أن نعيشَ بينَها سنينَ؟ فواللهِ , إنّا لَنرصفُ للخطى طُرُقاتٍ بـلونِ انكساراتِنا , ونعودُ في كُلِّ مَرّةٍ بـشَرخِ روحٍ وتذكرةِ ألمٍ , ثُغورُنا تَبتسمُ وحدَها كالنّوافذِ المُغلَقةِ حينَ يَمُرُّ الضّوءُ دون أن يدخُلا , أينَ الاستغناءُ يا أبا الفتحِ؟ وقد أنهكَني صراطُ الشّوقِ , وأحرقتْني حرائقُ روحي , حتى لم يَبقَ لي إلا قابَ نهدتَينِ وشَهقةٌ .

فابتسمَ أبو الفتحِ ابتسامةَ العارفِ الخبيرِ , وقال: هذهِ يا حارثُ سِرُّ الحَكيمِ ونُكتةُ الأديبِ, إنّ الاستغناءَ عندَ جوعِ النفسِ يكونُ كـجُنونِ التّماسيحِ , وإنّ الشّبعَ يؤولُ بالبعضِ إلى نومٍ غيرِ مُكترِثٍ بـما يَدورُ, ولقد قالَ إبراهيمُ البهرزيُّ , وهو المُتيقّنُ من خُدعةِ الزّمانِ : (( حتى النُجومُ أضاعَت ظِلالَها البَرّاقةَ , ولا مِرآةَ على الأرضِ غيرَ مَرايا الغُرَفِ , مَرايا الذينَ يُصحّحونَ وُجوهَهُم كُلَّ مساءٍ لأجلِ أن تُساوِقَ انحِرافَ الحياةِ )) , وكيفَ تستغني وأنتَ تَسمعُ هرطقاتِ أبي حَيّانَ التّوحيديِّ حينَ قالَ: (( إذا كانتِ الحركةُ بـشوقٍ طبيعيٍّ لم تَسْكُنِ البتّة ؟ )) , وكيفَ تُجيبُ نَسيَم قَبها حينَ سألَكَ: يا أيّها البسيطُ كالماءِ , والواضِحُ كطلقةِ مُسدّسٍ , كيفَ أستغني وأنا أعرفُ أن أكثرَ شخصٍ يُحاولُ أن لا يُزعِجَ العصفورَ هو الصّيادُ؟ )) .

ثمّ خَلَعَ أبو الفتحِ مَسكَتَهُ , ووقفَ بـثَباتِ الرّاحلِ , وقال: يا حارثُ , يا مَن نُصوغُ لهُ لَوعةَ الرّوحِ على ضِفافِ قصيّةٍ , إنّ الاستغناءَ ليسَ هَجراً , بل هو اختيارُ العُزلةِ عن الأذى , وإنّكَ لَتعرِفُ أنّ هذا الزّمانَ قد دارَ , وذاكَ الوَجدُ قد خَسِرَ , فكن يا صاحبي في لحظةِ الانطفاءِ تلكَ , كمنْ يُضيءُ في اتجاهاتٍ مُعاكِسةٍ لاتّجاهاتِهِم , وما دُمتَ قد استغنيتَ حقّاً , فدَعهُم وراءَكَ وذِكرَهُم , وامضِ بقيةَ حياتِكَ وحيداً معَ الكونِ , سعيداً بِـصَداقةِ الشَّجرِ , والماءِ , والوَردِ , والعصافيرِ , والنّجومِ , وكُن سعيداً بـما يَمنحُ عُزلتَكَ عنِ الأذى معنىً وحياةً, فلا تَبعثْ آخرَ الرسائلِ , ولا تَخسرْ شرفَ المُحارَبَةِ , بل مُتْ عزيزاً , ولا تسألْ لماذا وكيفَ وليتني استغنيتُ .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة غجرية : وُضوءُ الغَجَر وسُكْرُالوَجْد ...قُبْلةُ المَو ...
- مقامة الشجاعة : اذا حلت المقادير بطلت التدابير.
- مقامة الحلم الطويل .
- المقامة الإسماعيلية في فضائل السلالة الخليلية .
- مقامة جشع الورثة وسوء خاتمة التركة.
- مقامة الخلجات .
- مقامة حميد يا مصايب الله : صرخة الهور والحب الضائع .
- مقامة رحى الخزاف .
- مَقَامَةُ حِفْظِ السِّرِّ بَيْنَ الْأَمَانَةِ وَالْحِكْمَةِ ...
- مقامة أبانا .
- مقامة العبر .
- مقامة تجليات قلق الورّاق .
- مقامة ام الكعك .
- مقامة غنائية .
- مقامة الرجاء الشطرنجية : في وصفِ لعبةِ التَّشظّي .
- مَقَامَةُ لَبَنِ العُصْفُورِ.
- مقامة الأنتخابات .
- مقامة لمحات من ذلك الزمان : أحداث ورجاء .
- مقامة الخبب : في رحلة العمر والأدب .
- مقامة القيمر الأسمر.


المزيد.....




- بعد مشاهدته في عرض خاص.. تركي آل الشيخ يشيد بفيلم -الست-
- كيف أسهم أدب الرحلة في توثيق العادات والتقاليد عبر العصور؟
- التعلم العاطفي والاجتماعي: بين مهارة المعلم وثقافة المؤسسة ...
- تونس.. فلسطين حاضرة في اختتام الدورة الـ26 لأيام قرطاج المسر ...
- وفاة الكاتب المسرحي الأسطوري السير توم ستوبارد
- في يومه الثاني.. مهرجان مراكش يكرم -العظيمة- جودي فوستر
- ممزّق .. كهذا الوطن
- تكريم النجم المصري حسين فهمي في افتتاح مهرجان مراكش للفيلم ا ...
- -أطلس عاطفي-.. رحلة فوتوغرافية للإيطالي فيورافانتي في قرى وم ...
- دعوة للمشاركة بالدورة الـ 19 للمهرجان الدولي لأفلام المقاومة ...


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - ألمقامة الاستغنائية .