أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الهروب .... وعودة الروح















المزيد.....

الهروب .... وعودة الروح


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 10:08
المحور: الادب والفن
    


​كانت بغداد في ذلك الصباح نسخةً رطبة ولامعة من نفسها. بقايا ليلة ماطرة غسلت الشوارع، وبدت السيدية وكأنها تستعيد أنفاسها ببطء تحت سماء رمادية.
عند زاوية الرصيف، كان موقد بائع الشاي أبو أسعد يتلألأ ناراً صغيرة، مرسلاً خيوط دخان تتشابك مع بخار الأنفاس الباردة.
​وصل سالم أولاً. حقيبته الصغيرة كانت نسخة مصغرة من ثقل يحمله على كتفيه. جلس على الكرسي الخشبي دون كلمة، يتفحص فنجان الشاي القادم وكأنه يتأمل مصيره.
لحقه حيدر، الذي بدا وجهه مزيجاً متعباً من السهر والملل، يهز ساقه بتوتر خفي. ثم جاء أمير متأخراً، ينفض قطرات المطر عن معطفه، وعيناه معلقتان بهاتفه كغريق يتمسك بلوح خشبي.
​لم تكن جلسة الشكوى جديدة، لكن هموم اليوم كانت أثقل؛ مشاحنات بيوتهم، مسؤوليات تتراكم، وكلمات لم تُقَل تحولت إلى عقد في الحناجر.
سالم يحدق في البخار صامتاً، وحيدر يهز ساقه بلا وعي، وأمير ينتظر رسالة وهمية لإنقاذه.
​خرجت الكلمات من سالم فجأة، كزفرة عميقة تحررته من قبضة الصمت:
"شباب… آني مخنوق. أريد يوم واحد بس، أرتّب روحي بيه… أطلع."
​ردّ حيدر، وهو يمسح لحيته القليلة بهدوء مباغت:
"كلنا هيچ. مرات أحس أريد أمشي بالطريق بدون وجهة، وبدون ما أحد يشوفني أو يعرفني."
​رفع أمير رأسه، وأخيراً ترك الهاتف:
"أريد مكان ما بيه لا صراخ ولا مطالب. بس هدوء… طمأنينة."

​لم تتبلور الفكرة مباشرة، بل نمت بينهم كالندى على زجاج بارد.
​قال سالم، وعيناه تلمعان بأول بصيص أمل:
"نمشي لكربلاء؟ زيارة… نهدّأ الروح… ونرجع بليل."
​انفرجت أسارير حيدر، وضرب يده على الطاولة بحماس:
"والله فكرة. الزيارة... تغسل القلب من التعب. إحنا محتاجين غسلة."
​توقف أمير عن عبثه، وأخذ نفساً عميقاً:
"خلّ نصير رجال هالمرة… ونروح. دون تردد."
​لم يكن القرار هروباً بالمعنى الحرفي، بل محاولة لالتقاط أنفاس أضاعتها مطاحن الحياة اليومية. كان لابد لكل منهم من كذبة صغيرة لتؤمن حريته. سالم أخبر هبة بمهمة رسمية قصيرة. حيدر ادّعى لرحاب عملاً طارئاً في الكاظمية. أمير تذرع لوردة بضرورة البقاء في الشركة لتوريد نظام التشغيل. الزوجات صدّقن نصفاً، وأنكرن نصفاً آخر في صمت مهين، لكنهن التزمن الصمت، ربما لأنهن يدركن أن ضيق الأنفاس عابر بين الرجال.
​وفي الصباح البارد التالي، تجمع الثلاثة أمام سيارة حيدر. خروجهم من بغداد كان خروجاً من سجن ثقيل. الطريق نحو كربلاء بدا أكثر رحابة؛ برك المطر الجانبية تعكس السماء، وضباب خفيف يرقص فوق الإسفلت الأسود.
​قال أمير، وهو يزيح الضباب من النافذة:
"كلما نقترب… أحس شي بداخلي يهدأ. كأن بغداد كانت ساحبة روحي."
​ابتسم سالم ابتسامة هادئة غير معتادة:
"المدينة إلها هيبة. تفتح للروح باب ما نعرفه."

​وصلوا كربلاء مع أول الظهيرة. الهواء هناك كان أدفأ، والطرقات مفعمة بالحياة؛ الزوار المشاة، وروائح القهوة والرشاد والخبز الحار. عندما ساروا نحو الحرم، شعر كل واحد منهم بأن خطاه تثقل، وتتصل بالأرض بتوقير.
​عند باب الضريح، توقفت الكلمات. ساد صمت يشبه صلاة بلا صوت. وقفوا طويلاً، كلٌ يغص بأمنيته الخاصة، بدعائه الصامت، ووجعه الذي لا يعلمه إلا الله.
​تمتم سالم، عيناه مثبتتان على الشباك:
"يا ربّ… ريّح البال. وعلّمني أحچي بدون ما أهرب."
​همس حيدر، وقد مسح دمعة خفيفة لم يكن ينويها:
"خلّصني من التعب. خلّي بيتي يهون عليّ."
​أغلق أمير عينيه، وارتعش صوته:
"بس أريد طمأنينة… ولو فد يوم واحد."
​بعد الزيارة، جلسوا في رواق جانبي، يشربون شاياً كربلائياً لاذعاً، والمطر الخفيف يعود ليهطل على الساحة الخارجية. نظروا إلى الجموع: رجالاً ونساءً يحملون هموماً تبدو أكبر بكثير من وجعهم اليومي. وهنا، بدأ الوعي يتسلل إليهم: مشكلاتهم البيتية ليست نهاية المطاف؛ فالكل يتألم، لكن بعضهم يواجهون، وبعضهم يهربون.
​قال حيدر، وهو يدفئ يديه بكأس الشاي:
"شوف… كل واحد هنا جاي بدعاء، مو بهروب. يمكن الله يريد يسمعنا، مو يريد نشرد من أهلنا."
​أومأ سالم بالموافقة:
"صح. إحنا مو نريد نتركهم. نريد نرتّب داخلنا علمود نرجع أقوى."
​أطرق أمير رأسه:
"والله لو نحچي بالبيت بصدق مثل ما نحچي هسه… جان ريّحناهم وارتحنا."

​بينما كانوا يستعدون للعودة، عادت الحياة لتلاحقهم. هاتف سالم اهتز بصورة زميله، مع تعليق ساخر. هاتف حيدر امتلأ برسائل رحاب القلقة. أمير انهالت عليه اتصالات الشركة بعد تعطل النظام فعلياً. لم تكن مفاجأة، لكن التوتر القديم عاد ليعرّف عن نفسه.
​ومع ذلك، عادوا إلى سيارة حيدر بقلوب أهدأ مما ذهبوا به. في طريق الرجوع، قلّ الكلام، وزاد التأمل. بدت بغداد من بعيد مختلفة قليلاً، وكأنهم يرونها بعين أقل غضباً وأكثر رحمة.
​حين وصل سالم بيته، لم تكن هبة تواجهه بالصراخ، بل بنظرة ممتلئة بالقلق:
"وين كنت؟ خفت عليك... كانت مهمة قصيرة جداً."
​وقال حيدر لرحاب، التي كانت عيناها محمرتين من البكاء الصامت:
"والله بس رِحت أرتّب بالي. ما أريد أزعلك بعد."
​أما أمير، فعاد إلى وردة، وعندما رأته، لم تقل شيئاً. اكتفت بوضع يدها على كتفه، إشارة إلى أنها فهمت كل شيء دون حاجة للشرح.
​في اليوم التالي، جلس الأصدقاء الثلاثة من جديد عند أبي أسعد. الشاي كان ألذ، والجو أهدأ، والابتسامات أكثر صدقاً. أدركوا أن الرحلة لم تكن هروباً، بل كانت جسراً للعودة. كربلاء لم تُعطهم حلولاً سحرية للمشاكل، بل أعطتهم شيئاً أعمق: الطريق إلى قلوبهم المنسية.
​قال سالم بصوت واثق:
"الهروب مو حل. الحل نحچي. نبني جسور من الكلام بدل من جدران الصمت."
​وأضاف حيدر، وهو يشعل سيجارته بروية:
"والبيت… مو مكان نهرب منّه، هو المكان الوحيد اللي نعرف أننا سنعود إليه بأمان."
​ضحك أمير أخيراً، ضحكة خالية من التوتر:
"أحسن شي… إذا نفكر بسفرة بعد، نخلي زوجاتنا ويّانه. حتى مانسوي فلم هروب جديد!"
​ضحك الثلاثة، وضحكت معهم بغداد. وللمرة الأولى منذ زمن طويل، شعر كل واحد منهم أن الطريق أصبح واضحاً.
أن الهروب لم يعد خياراً، وأن القلوب حين تُرتَّب، يرتّب معها كل شيء.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ريح الحنوب في قلب المستنصرية
- الظلّ الذي قتل الحُب
- غيلةُ الروح
- حين تعبر الريح مزرعة الحمّاد
- أنين الدار
- ​همسة الخلاص: الظل الثالث في السعدون
- الزهور التي تكذِب
- رسالةٌ وصلت متأخرة
- جراخ الازقة
- ذكرياتٌ من طُشّارِ العُمر
- بين السماء والأرض
- ذكريات راحلة
- مقهى عند شطّ العرب
- راديو أم خزعل
- جبار البنّاي… آخر حراس الطين
- عدسة مكسورة
- الكشك الأخير
- باب الدفترجي
- عود علّي
- ديوان تراتيل الفقد / ٣


المزيد.....




- محافظ طولكرم ووزير الثقافة يفتتحان مهرجان ومعرض يوم الكوفية ...
- حاز جائزة الأوسكار عن -شكسبير عاشقا-.. الملك تشارلز ينعى الك ...
- كولوسيوم الجم التونسية.. تحفة معمارية تجسد عبقرية العمارة ال ...
- الفيلم المصري -الست- عن حياة أم كلثوم محور حديث رواد مواقع ا ...
- بعد مشاهدته في عرض خاص.. تركي آل الشيخ يشيد بفيلم -الست-
- كيف أسهم أدب الرحلة في توثيق العادات والتقاليد عبر العصور؟
- التعلم العاطفي والاجتماعي: بين مهارة المعلم وثقافة المؤسسة ...
- تونس.. فلسطين حاضرة في اختتام الدورة الـ26 لأيام قرطاج المسر ...
- وفاة الكاتب المسرحي الأسطوري السير توم ستوبارد
- في يومه الثاني.. مهرجان مراكش يكرم -العظيمة- جودي فوستر


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الهروب .... وعودة الروح