أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - **حين تُصبح اللغة بيتًا للروح:














المزيد.....

**حين تُصبح اللغة بيتًا للروح:


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 15:56
المحور: الادب والفن
    


ثمة لحظة صغيرة، هامشية في ظاهرها، قادرة على أن تغيّر مسار الكائن بأكمله. لحظة تشبه قطرة ماء تسقط على أرض عطشى، فتوقظ فيها موسمًا كاملًا من الحياة.
بالنسبة إليّ، كانت تلك اللحظة كتابًا حملته لي أمي وهي تبتسم. لا شيء آخر. مجرد كتاب.
لكن في هذا “اللاشيء” كان يكمن كل شيء.
منذ طفولتي، عودتُ نفسي أن أقرأ كل يوم كتابًا.
لم أكن أبحث عن معرفة خارقة، ولا عن تفوّق مدرسي، ولا عن مشهدية ثقافية.
كنت أقرأ لأتأكد أن العالم أكبر من غرفتنا المتواضعة، وأن القلب أوسع من الوجع، وأن اللغة العربية—لغتي التي أحب—قادرة على أن تحتضن هشاشتي وقوتي في آنٍ معًا.
لكن الحقيقة التي لم أدركها إلا بعد سنوات طويلة هي أن هذا الالتزام اليومي لم يكن فعلًا فرديًا صرفًا.
لقد كان امتدادًا لامرأة عظيمة، امرأة زرعت في داخلي ما لم تستطع المدارس ولا الجامعات أن تزرعه:
الحب.
الحب أولًا،
الحب أساسًا،
الحب الذي يجعل اللغة وطنًا لا مادة دراسية.
أمي، تلك المرأة التي أرسل لها السلام وشيئًا من نور قلبي كلما فتحت كتابًا، لم تورّثني مكتبة فاخرة ولا شهادات عليا.
ورّثتني لغة.
ومن يملك لغة، يملك العالم.

أمي… المرأة التي فتحت في داخلي بابًا للتاريخ والجمال
في كل بيت، هناك شيء يشكّل جوهر الهوية:
ربما قطعة أثاث، أو صورة قديمة، أو أغنية تدندنها الجدة.
أما في بيتنا، فقد كانت الهوية كتابًا.
كانت أمي تأتي به كما يأتي الناس بهدايا ثمينة، تلفّه بحنانها، وتضعه بين يديّ كأنها تقول لي:
“إلى أينما ذهبتِ… لا تذهبي دون لغتك.”
ولم أكن أعلم أن هذا الفعل البسيط سيحميني يومًا من الضياع.
فالعالم، حين نكبر، يصبح واسعًا دون أن يكون رحيمًا،
معقدًا دون أن يقدّم دليلًا،
مليئًا بالأبواب المغلقة.
لكنني كنت أدخل كل باب وأنا أحمل معي لغة تُشبه جذور شجرة،
تثبتني،
تعطيني ظلًا،
وتذكّرني دائمًا بأن الانتماء ليس مكانًا فحسب، بل كلمة.

القراءة… ليست هواية، بل شكل من أشكال المقاومة
في المجتمعات التي تتكاثر فيها الحروب، والضجيج، وسرعة الاستهلاك، تصبح القراءة فعلًا يكاد يكون ثوريًا.
ثوريًا لأنه يعيد الإنسان إلى نفسه.
ثوريًا لأنه يمنح للوقت معنى.
ثوريًا لأنه يحوّل الضعف إلى معرفة، والمعرفة إلى قوة هادئة لا يمكن لأحد أن ينتزعها.
كنتُ أقرأ لأهرب من ضيق الواقع،
ثم اكتشفت أنني كنت أقرأ لأواجهه.
فاللغة تمنحك قدرة لا يتحدث عنها الناس كثيرًا:
القدرة على إعادة تعريف ما يحدث لك.
من يملك لغة يملك أداة تحرير،
أداة تأمل،
أداة علاج،
وأداة بناء.
ومن هنا أفهم لماذا كانت أمي تُلِحّ عليّ أن أقرأ…
لم تكن تريد أن أكون طالبة متفوقة.
كانت تريد أن أكون إنسانًا كاملاً،
إنسانًا يُفكّر،
ويُحلّل،
ويعرف أن له صوتًا داخليًا لا يجب أن ينطفئ.

العربية… ليست لغة واحدة، بل حياة كاملة
حين أقرأ بالعربية، أشعر أنني أتنفس بطريقة مختلفة.
أشعر أنني أعود إلى جذوري، إلى أجدادي، إلى الأرض التي مرّ عليها التاريخ بكل أحزانه وأمجاده.
العربية بالنسبة إليّ ليست وسيلة للتواصل، بل مكان روحي.
لغة تُشبه صلاة مفتوحة،
تُشبه شجرة زيتون لا تهتف لكنها تُثمر،
تُشبه امرأة صبورة اسمها أمي.
وذات مرة أدركت شيئًا عميقًا:
أن اللغة التي أورثتني إياها أمي لا تكتفي بأن تمنحني صوتًا،
بل تمنحني معنى للصوت.

العالم كله يتغيّر… لكن الكتاب يبقى
نعيش اليوم في زمن يركض الناس فيه خلف الصور العابرة،
يبحثون عن متعة سريعة،
وعن معلومات فورية،
وعن يقين لا وجود له.
لكن القراءة تقول لي شيئًا مختلفًا:
أن النموّ الحقيقي بطيء،
هادئ،
تراكمي،
يشبه حركة الجذور تحت الأرض.
لم يحدث يومًا أن انتهيت من كتاب دون أن أتغير قليلاً.
وهذا التغيير—وإن بدا بسيطًا—هو ما يصنع الفارق بين إنسان ينساب مع التيار،
وإنسان يجرؤ على أن يسأل:
لماذا؟
كيف؟
إلى أين نمضي؟
وماذا يبقى منا حين يزول كل شيء؟

وفي النهاية… كل ما أنا عليه اليوم يعود لامرأة كانت تؤمن بأن اللغة خلاص
من المؤلم أن الكبار غالبًا ما ينتبهون متأخرين للفضل العظيم الذي كان يحيطهم.
أما أنا، فكلما كتبت كلمة، أو ألقيت خطابًا، أو قرأت نصًا، أتذكر وجه أمي وهي تقول:
“اقرئي… ولا تخافي من الكلمات. الكلمة التي تخافين منها اليوم ستحتاجينها غدًا.”
لهذا أقولها الآن بصوت لا يخجل:
لو كان لي فضل، فهو لها.
ولو كانت لي قدرة على التعبير، فهي امتداد ليدها التي كانت تضع الكتاب في كفيّ.
ولو كنتُ اليوم امرأة تُحسن التفكير، أو التحليل، أو الكتابة،
فذلك لأن امرأة اسمها أمي قررت أن تمنحني اللغة قبل أن تمنحني أي شيء آخر.
سلام عليكِ يا أمي…
سلام على يديكِ اللتين صنعتا فيّ امرأة لا تنحني أمام الظلام،
ولا تنسى الجذور،
ولا تخون اللغة،
ولا تتخلى عن الكتاب مهما تغيّر العالم



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صوتٌ يوقظُ المعنى: قراءة نقدية معمّقة في “ليلة القبض على الد ...
- **قصيدة: “تأملات امرأة تتفاوض مع الضوء”
- في القطار من الرملة إلى حيفا… وفي الذاكرة من اللد إلى رام ال ...
- الأمهات في السماء حاضرات
- ✒️ كيف نواجه أوجاعنا؟ رؤية إنسانية عميقة من زا ...
- ✦ قراءة وارفة في رواية “أنا من الديار المقدّسة” للفتي ...
- المرأة العربية… حين يصبح الأمان ترفًا والعدالة معركة
- قراءة نقدية موسّعة لرواية “الخطّ الأخضر” بين السرد والذاكرة… ...
- **استراتيجية القراءة والكتابة
- يزن… ذلك الجزء من الأم الذي لم يغِب يومًا
- حين تنحرف السياسة عن الإنسان… وتخسر الدول معناها
- تركتُ كلّ شيءٍ خلفي… واتّبعتُ ضميري وقلبي
- يا موت… مهلًا، ألا تتعب؟
- ما نتعلّمه حين نتوقف عن الهرب من الحقيقة
- قصيدة: بيتُ لحم… حين تنهض الأرض بوجوه النساء
- **قراءة نقدية في كتاب «أسلاك كهرباء مكشوفة للريح والمطر» ليا ...
- “سامر… حين اكتشف أن الظلّ ليس قدرًا”
- إيمان خطيب ياسين… امرأة صنعت حضورها بالصدق لا بالمنصب
- حين يحمل الجسدُ الوطن ملحمة إنسانية عن الذين هُجِّروا كي لا ...
- إنسان للإنسان إنسانإنسان للإنسان إنسان


المزيد.....




- ممزّق .. كهذا الوطن
- تكريم النجم المصري حسين فهمي في افتتاح مهرجان مراكش للفيلم ا ...
- -أطلس عاطفي-.. رحلة فوتوغرافية للإيطالي فيورافانتي في قرى وم ...
- دعوة للمشاركة بالدورة الـ 19 للمهرجان الدولي لأفلام المقاومة ...
- الكِتاب السوري بين زمنين.. كيف تغيّر المشهد الثقافي وواقع ال ...
- انطلاق الدورة الثانية والعشرين لمهرجان مراكش الدولي للسينما ...
- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- آراء متباينة حول الإعلان الترويجي لفيلم -الست- المرصع بالنجو ...
- -أفلام ميوز-.. ميلانيا ترامب تطلق شركة إنتاج قبل إصدار فيلم ...
- -الزمن تحت الخرسانة- المخيم كعدسة لقراءة المشروع الاستيطاني ...


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - **حين تُصبح اللغة بيتًا للروح: