أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تجليات قلق الورّاق .















المزيد.....

مقامة تجليات قلق الورّاق .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8530 - 2025 / 11 / 18 - 10:17
المحور: الادب والفن
    


مقامة تجليات قلق الورّاق :

من تجليات (( قلق الورّاق )) , يقول محمد بوراس : كنت أظن , وأنا أضع النقطة الأخيرة في هذه الرواية , أن أبا حيّان سيغادرني كما يغادر الطيف زجاج النافذة مع أول ضوء , لكنه بقي يجاورني في صمتي , ويذكرني باستيقاظه معي قبيل كل فجر حين أفتح أوراقي لأكتب عنه , ما زلت أراه على جبل (( سَرْوَان )) , بعباءته الخشنة , ووجهه الذي لم يعرف الراحة يومًا , يخطُّ بحبر ثقيل كأنه يحفر في الصخر معنى الإنسان , كتبتُ هذه الرواية لا لأعيد إلى التاريخ اسما غاب في الغبار , بل لأعيد إلى القلق كرامته , ذلك القلق الذي كان يعذب أبا حيّان , ثم ورثناه نحن في هذا الجيل الذي يظن أنه تجاوز الحيرة , وهو في الحقيقة غارق فيها أكثر منه , لم أُردْ لأبي حيّان أن يكون محض (( فيلسوف مظلوم )) أو (( كاتب ناحل في أسواق بغداد )) , بل أردت أن يكون وجهنا جميعًا حين نقف أمام أنفسنا خائفين من السؤالِ الذي يفضحنا , كنت أكتبه , وكنت أسمع صوته في رأسي : (( اكتبني كما أكون , لا كما تحب أن أكون , لا تعطني بطولة , أعطني صدقًا )) , وهكذا كتبته , حائرًا قلقًا , يائسًا أحيانًا , متألّهًا أحيانًا أخرى , لم أخلع عليه المجد ولا الصلاح , لأنه ما أنصفَ أبا حيّان إلا إنسانيّتُه الموجوعة , حين كنت أغلق عينيّ بعد كتابة كل فصل , كنت أسمع بغداد تضج من جديد : المكتبات , دار الحكمة , أصوات الورّاقين , المناظرات التي انتهت إلى الغبار , والرجال الذين ظنوا أنهم ينقذون الدين فقتلوا العقل , كنت أكتبه لا من أجل الماضي , بل من أجل هذا الحاضر الذي يتكرّر بأسماء أخرى , ولعلي كنت وأنا أروي حكايته أروي نفسي أيضًا , فما الكاتب إلا ظل ما يروي , وما الرواية إلا اعتراف طويل بلغة تُخبِّئُ أكثر مما تُفصح , أردت لأبي حيّان أن يتكلم , لا أن أتكلم عنه , أردت له أن يشرح ما لم يشرحه لنفسه في حياته , وأن يجد في هذا الحبر المتأخر عدلا لم يجده في زمانه , وها أنا أتركه الآن يرحل كما جاء : بلا وداع وبلا تمثال , لكنه حاضر في كل قارئ يتساءل عن معنى العزلة , وعن ثمن الصدق في زمن يكره الصادقين , إن كان أبو حيّان قد كتب ليُنصفَ نفسه , فقد كتبته أنا لأُنصفَ القلق فينا جميعًا , ذلك القلق الذي لا يهدأ ولا يشيخ ولا يموت مع صاحبه.

في مساءٍ يشبه المساءات التي كان فيها التوحيديُّ يكتب على ضوء السراج , وقد انتهى الحبر , لكن الحكاية لم تنته بعد , ها أنا اكتب بغزارة بسبب الشعور العميق بأن العمر صار يتحول الى مادة قابلة للاختزال , وان الزمن لم يعد مفتوح كما كان , لم اعد اكتب لترف فكري او محاولة لتعزيز مباديء أؤمن بها , فتأريخي معروف وحصيلته معروفة وموثقة , انا اكتب لاسابق شيئ لا اراه واعرف انه يسبقني , انا في منتصف عقدي الثامن واعاني من مرض ثقيل يسكن جسدي منذ سنوات , ومع تفاؤل الاطباء وتشاؤم اخرين منهم لم اعد اعرف كم تبقى لي من الطريق , لكنني اعرف جيدا ما تبقى لي من الرغبة العميقة في ان أظل على العهد لمباديء لم تعد مألوفة , وأن اكمل ما بدأت.

قررت ان اكتب سلسلة مقامات جديدة بعد ألأجزاء الثلاثة التي نشرتها , ضمن مشروعي الفكري ثلاث مائة مقامة كاملة , وضعت عناوينها وخلاصات موضوعاتها مسبقا وكأنني ارسم خريطة لرحلة طويلة لا اريد ان تتوقف وسط الطريق , انا لا اكتب لأملأ فراغ , بل لأترك أثر , لا اكتب من فائض الوقت , بل من فائض الرغبة في ان اودع في النصوص شيئ من خبرتي ومعرفتي وما رأيته في هذا التحول الحضاري الذي نعيشه جميعا , وربما اكتب كي لا يضيع ما تعلمته خلال عقود بين العلوم السياسية والبرمجة والفلسفة والبحث , وربما اكتب لأقول للاجيال القادمة اننا عبرنا هذا البرزخ ولم نكن عميان , انا اكتب لان الكتابة صارت طريقتي للعزاء وطريقتي للمقاومة , وصارت ايضا طريقتي لاستباق ما قد يفوتني من العمر , واذا بدا الامر للبعض غزارة غير مفهومة , فهو بالنسبة لي محاولة لترتيب الإرث قبل ان يطوي الزمن صفحته الاخيرة , قد لا اعرف كم تبقى , لكنني اعرف عن يقين ان ما اكتبه سيبقى , وهذا يكفيني.

كتب ابراهيم البهرزي : (( عزيزتي ام يرن , الأصل ان تكتبي ما انت مقتنعة به ولو كره الكارهون , نحن لا نكتب لننتظر الثناء , فان جاء الثناء وجاءت المحبة من نفوس سليمة فهذا امر يسعدنا حقا , وان جاءت الإساءة من نفوس مريضة (وهو امر شديد الشيوع في عراق شديد المرض ) فنحن غير معنيين بمعالجتهم , طريقتي التي اعتدت عليها هي العناد , ازعاج المنزعج بطريقة اعلى صوتا وأعمق سخرية , نحن نحيا في غابة أطلق العنان فيها لأعتى الحيوانات سما وغدرا وهذا قدر علينا احتماله والإصرار على الكتابة بكل ماتقتنع به والا فلا جدوى من كتابة تنصاع للمجاملات )) .

تقول لطفية الدليمي : (( فالروح حين تنكسر لا تعود كما كانت , لكنْ حسبُنا أنّنا نحاول أن نحيا رغم الخراب , أن نكتب , أن نحبّ , أن نحلم , الكتابة بالنسبة لي في الأقلّ ليست هواية بل مقاومة ضد العدم , حين أكتب عن العراق فكأنّني أعيد بناء ما تهدّم بالكلمات , ربما لا تعيد الكلمة بيتاً مهدوماً وذكريات مسروقة , لكنها تُبقي الباب مُشرَعاً للعودة , جيل جديد الآن يحاول أن يقول : نحن هنا , يرسم على الجدران , يصنع أفلاماً , يكتب شعراً بدمٍ طريّ , جيلٌ لم يعرف العراق الجميل كما عرفناه نحن , لكنه يعرف أنّ ما تبقّى منه يستحقُّ الدفاع عنه , ربما في صوت هذا الجيل يختبئ الشفاء الذي لم نقدر عليه نحن , طوبى لهؤلاء الأنقياء الذين يدافعون بالدم عن عراق لم يروه في عنفوانه وحداثته الريادية في المنطقة )) .

تقول السيدة كفاح مجيد أنهم في غاليري مجيد يناقشون : كتاب (( محنة الاقدام الكاذبة )) للمفكر الأستاذ جمال جاسم امين : نحن , نصرُّعلى ان (الخرافة ) , متكاملة , و(العلم) ناقص , هكذا صنع الكهنوت لنا ( أقداما كاذبة ) , محنة هذه الاقدام انها تخشى الخروج إلى ساحة ( العلم) الشاسعة , تعتقد ان اقدامها غير كافية , وعليها عدم الخروج او حتى التفكير بالخروج , كي لا تقع في المحذور الديني , ما الحل؟؟ كيف نَعْبُرْ من الكَهَنوت الى الأنسنة؟؟ ما واجبات المثقف اليوم ؟؟ وكيف يغادر ثرثرته , ويكثف تركيزه بالحلول؟؟ نحتاج إلى سبابة باسلة تشير بقوة إلى خدعة (الأقدام الكاذبة ) التي لا تعين احد على الوقوف .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة ام الكعك .
- مقامة غنائية .
- مقامة الرجاء الشطرنجية : في وصفِ لعبةِ التَّشظّي .
- مَقَامَةُ لَبَنِ العُصْفُورِ.
- مقامة الأنتخابات .
- مقامة لمحات من ذلك الزمان : أحداث ورجاء .
- مقامة الخبب : في رحلة العمر والأدب .
- مقامة القيمر الأسمر.
- مقامة الفلْس الدّوّانِقِي : نوادر البخلاء ومآثرهم .
- مقامةُ الأفندي تحسين في بَتانِ بغدادَ وبَطِّها .
- الغطرسة : الداء والجلاء .
- مقامة العبارة الضيقة : ما أوسع رؤيتها ؟
- مَقَامَةُ الْأَحْفَادِ وَمَتَاعِبِ الْأَجْدَادِ .
- مقامة شذرات من السيرة الذاتية .
- مقامة نجاة الصغيرة : ( الضوء المسموع ) , وهمسٌ يغوص في أعماق ...
- المقامة البغدادية في تَلَوُّنِ الأوطانِ وبكاءِ الأحياءِ .
- مقامة أللاأنجابية : في زمن الروبوتات والمنتحرين .
- مقامة الهدم: جرافات تهاجم ذاكرة العراق الثقافية .
- مقامة ابن باديس والتنوير: الأذهان أولاً , ثم الأوطان .
- مقامة الفصام .


المزيد.....




- من هم قادة الرأي الرقميون؟ وكيف يؤثّرون علينا؟
- نجلاء البحيري تطلق -امرأة الأسئلة-.. إصدار شعري جديد يطرق أب ...
- المغرب يعلن اكتشاف بقايا عظمية تعود لـ 773 ألف سنة بالدار ال ...
- بعد فوزه بعدة جوائز.. موعد عرض فيلم -كولونيا- في مصر والعالم ...
- العودة إلى الشعب: مأزق التعددية الحزبية وفشل التمثيل السياسي ...
- اعتقال مادورو.. كيف صيغت الرواية؟
- 10 نصوص هايكو بقلم الشاعر: محمد عقدة.دمنهور.مصر.
- معبد -هابو- بمصر.. تحفة فرعونية تتحدى الزمن
- سيرة حياة نبيّة من القرن الـ18.. أماندا سيفريد في فيلم مليء ...
- أحمد عبد اللطيف: روايتي -أصل الأنواع- تنتمي للكتابات التي يح ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة تجليات قلق الورّاق .