حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8390 - 2025 / 7 / 1 - 18:27
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ هَلْ تُخَصْخِصُ النَّيُولِيبْرَالِيَّة الْأَخْلَاقِ
هَذَا السُّؤَالِ يُشِيرُ إلَى جَانِبِ نَقْدِيّ مُهِمٌّ فِي تَحْلِيلِ النَّيُولِيبْرَالِيَّة. هَلْ تُؤَدَّي النَّيُولِيبْرَالِيَّة إلَى خَصْخَصَة الْأَخْلَاقِ ؟ بِمَعْنًى آخَرَ، هَلْ تُحَوَّلُ الْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة مِنْ قَضِيَّةِ مُجْتَمَعِيَّة شَامِلَة إلَى مُجَرَّدِ إخْتِيَار فَرْدِيٍّ أَوْ مَصْلَحَةٍ إقْتِصَادِيَّة بَحْتَة؟
النَّيُولِيبْرَالِيَّة وَخَصْخَصَة الْأَخْلَاقِ: تَحْلِيلُ نَقْدِيّ؛ نَعَمْ، يُجَادِل الْعَدِيدِ مِنَ النُّقَّادِ بِأَنْ النَّيُولِيبْرَالِيَّة تُسَاهِمُ فِي خَصْخَصَة الْأَخْلَاقِ، وَتُضْعِفُ دَوْرُهَا كَنِظَام قِيَمِيّ مُجْتَمِعِي شَامِل. يحدّثُ هَذَا عَبَّرَ عِدَّة آلِيَات:
1. التَّرْكِيزِ عَلَى الفَرْدَانِيَّة وَالْمَسْؤُولِيَّةُ الْفَرْدِيَّة: النَّيُولِيبْرَالِيَّة تَعْلِي بِشَكْلٍ كَبِيرٍ مِنْ قِيمَةِ الْفَرْد وَحُرِّيَّتُهُ فِي الِإخْتِيَارِ. يُنْظَرُ إلَى الْأَفْرَادِ عَلَى أَنَّهُمْ كَيَانات عَقْلَانِيَّة مُسْتَقِلَّة، وَمَسْؤُولٌون بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ عَنْ قَرَارَاتِهِمْ وَنَتَائِجِهَا. بَيْنَمَا تَبْدُو هَذِه الفَرْدَانِيَّة قِيمَةُ إِيجَابِيَّةٍ فِي ظَاهِرِهَا، إلَّا أَنَّهَا يُمَكِّنُ أَنْ تُؤَدِّي إلَى تَقْلِيص مَفْهُومِ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْجَمَاعِيَّة أَوْ الْمُجْتَمَعِيَّة. عِنْدَمَا يُصْبِحَ كُلُّ فَرْدٍ مَسْؤُولًا عَنْ خِيَارَاتٍه الْأَخْلَاقِيَّة فِي سُوقِ مَفْتُوح، تُصْبِح فِكْرَّة الْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ الصَّالِحِ الْعَامّ أَقَلّ وُضُوحًا وَأَقَلّ إلْزَامًا.
2. أَوْلَوِيَّةُ السُّوقِ عَلَى الْقَيِّمِ الِإجْتِمَاعِيَّةِ: فِي ظِلِّ النَّيُولِيبْرَالِيَّة، يُصْبِحُ السُّوقِ هُوَ الْآلِيَة الرَّئِيسِيَّة لِتَنْظِيم الْعَلَاقَاتِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَيْس فَقَطْ الِإقْتِصَادِيَّة. تَزْدَاد النَّزْعَة السُّوقِيَّة لِتَقْدِيرِ كُلٍّ شَيْءٍ عَلَى أَسَاسِ الرِّبْح بِمَا فِي ذَلِكَ الصِّحَّةُ، التَّعْلِيم، وَحَتَّى الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِنْ خِلَالِ عَدَسَة الْقِيمَة السُّوقِيَّة أَوْ الْكَفَاءَة الِإقْتِصَادِيَّة. عِنْدَمَا تُصْبِح الْأَخْلَاق خَاضِعَة لِمَنْطق السُّوقِ، فَقَدْ تُصْبِح مَا هُوَ مُرْبِح لِلْفَرْدِ أَوِ لِلشَّرِكَة. فَالشَّرِكَة قَدْ تُقَرِّرَ أَنَّ الْأَخْلَاقِيّ هُوَ مَا يُعَزِّز سُمْعَتُهَا وَ يَزِيد أَرْبَاحَهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُحَقِّقُ بِالضَّرُورَة أَقْصَى دَرَجَاتِ الْعَدَالَةِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُجْتَمَع كَكُلّ.
3. تَقْلِيصِ دَوْرِ الدَّوْلَة وَالْجِهَات الْمُنَظَّمَة: تُفَضِلُ النَّيُولِيبْرَالِيَّة تَقْلِيلُ التَّدَخُّل الْحُكُومِيّ فِي الِإقْتِصَادِ وَالْمُجْتَمَع. هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَرْجِمَ إِلَى إضْعَافٍ الْقَوَانِين وَاللِّوَائِح الَّتِي تَفْرِّضُ مَعَايِير أَخْلَاقِيَّة عَلَى الشَّرِكَات أَوْ الْأفْرَادِ مِثْل لَوَائِح حِمَايَة الْبِيئَة، حُقُوقُ الْعُمَّالُ، أَوْ مَعَايِير الْجَوْدَة. عِنْدَمَا يَضْعُف الْإِطَار التَّنْظِيمِيّ الْخَارِجِيّ، تُصْبِح الشَّرِكَات أَكْثَرَ حُرِّيَّةً فِي إتِّخَاذِ قَرَارَاتِهَا بِنَاءً عَلَى الْمَصَالِحِ الذَّاتِيَّة لِلرِّبْح، حَتَّى لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْقَرَارَاتُ تُثِير تَسَاؤُلَاتٍ أَخْلَاقِيَّة.
4. الْأَخْلَاقِ كَأَدَاة تَسْوِيقِيَّة (Greenwashing, Ethics Washing): قَدْ تُسْتَخْدَمُ الْأَخْلَاقِ فِي السِّيَاقِ النَّيوليبْرَالِيّ كَأَدَاة تَسْوِيقِيَّة أَوْ وَاجِهَة. الشَّرِكَات قَدْ تُرَّوِجُ لـِأَخْلَاقِيَّاتِهَا أَوْ مَسْؤُولِيَّتُهَا الِإجْتِمَاعِيَّةِ مِثْل مُبَادِرًات الِإسْتِدَامَةُ أَوْ التَّنَوُّع لِتَحْسِين صُورَتُهَا وَزِيَادَة الْمَبِيعَات، دُونَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمُمَارَسَات جُزْءًا أَصِيلًا مِنْ قِيَمِهَا الْأَسَاسِيَّة أَوْ تُغَيِّرَ مِنْ جَوْهَرٍ نَمُوذَجِهِا الِإقْتِصَادِيِّ. تُعْرَفُ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ أَحْيَانًا بـِغَسِيل الْأَخْلَاقِ أَوْ غَسِيلٌ الصَّدَاقَة البِيئِيَّة.
5. تَأْكُلُ الْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة الْمُشْتَرَكَة: النَّتِيجَة النِّهَائِيَّة لِهَذَا التَّوَجُّه هِيَ تَآكُلُ تَدْرِيجِيّ لِلْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا مُجْتَمِعِيا. إذَا أَصْبَحَتْ الْأَخْلَاق مُجَرَّدُ إخْتِيَارِ فَرْدِيٍّ أَوْ مَيَّزَة تَنَافِسِية، فَمَنْ سَيُّدَافِع عَنْ قَيِّمِ مِثْل الْعَدَالَة، الْمُسَاوَاة، التَّضَامُن، أَوْ حِمَايَةِ الْفِئَات الضَّعِيفَة عِنْدَمَا تَتَعَارَضُ هَذِهِ الْقِيَمِ مَعَ الرِّبْحِ الْفَرْدِيّ أَوْ الشَّرْعِيِّ؟ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مُجْتَمَعِ أَكْثَر إِنْقِسَامًا، حَيْثُ تُصْبِحُ الْأَخْلَاق نِسْبِيَّة وَخَاضِعَة لِأَهْواء السُّوقِ.
نَعَمْ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ أَنَّ النَّيُولِيبْرَالِيَّة تُسَاهِمُ فِي خَصْخَصَة الْأَخْلَاقِ، وَتُحَوِّلُهَا مِنْ نِظَامِ قِيَمِيّ يُحَافِظُ عَلَى الصَّالِحِ الْعَامِّ إلَى مَسْأَلَةِ إخْتِيَار فَرْدِيٍّ أَوْ مَصْلَحَةٍ إقْتِصَادِيَّة بَحْتَة. بِتَرْكِيزِهَا عَلَى الفَرْدَانِيَّة الْمُطَلَّقَةُ وَدُور السُّوق، تُضْعِفُ النَّيُولِيبْرَالِيَّة آلِيَات الرِّقَابَة الْمُجْتَمَعِيَّة وَتُقَلِّلُ مِنْ الْإِلْزَامِ الْأَخْلَاقِيّ لِلْقِوَّى الِإقْتِصَادِيَّة. هَذَا يُثِير تَحَدِّيَات خَطِيرَة حَوْل قُدْرَّة الْمُجْتَمَعَات عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى نَسِيَجها الْأَخْلَاقِيّ الْمُشْتَرَكِ فِي عَالَمِ تَتَسَارَع فِيه التَّغَيُّرَات وَتَتَعمق فِيهِ التَّفَاوُتَات.
_ أَخْلَاقُ الْكَفَاءَة وَالِإنْتِاجِيَّة فِي النَّيُولِيبْرَالِيَّة
هَذَا التَّسَاؤُل يُشِيرُ إلَى جَوْهَرٍ التَّنَاقُض الْمُحْتَمَل بَيْن مَبَادِئ النَّيُولِيبْرَالِيَّة وَالْقَيِّمِ الْأَخْلَاقِيَّة الْمُجْتَمَعِيَّة. فَهَلْ تَرْكِيز النَّيُولِيبْرَالِيَّة عَلَى أَخْلَاقِ الْكَفَاءَة وَالِإنْتِاجِيَّة يُقَلِّلُ مِنْ قِيمَةِ أَخْلَاق الْعَدَالَة، التَّعَاطُف، وَالتَّكَافُل؟ النَّيُولِيبْرَالِيَّة، كَمَا أَشَرْت، تَعْلِي بِشَكْلٍ كَبِيرٍ مِنْ قِيمَةِ الْكَفَاءَة (Efficiency) وَالِإنْتِاجِيَّة (Productivity). تُعْتَبَرُ هَذِهِ الْقِيَمِ مَفَاتِيح لِلنَّمو الِإقْتِصَادِيِّ، التَّنَافُسِيَّة فِي السُّوقِ، وَتَحْقِيقُ الثَّرْوَة. فِي هَذَا الْإِطَارِ، يُنْظَرُ إلَى الْفَرْدِ وَالمُؤَسَّسَة وَالْمُجْتَمَعِ مِنَ خِلَالِ مَدَى قُدْرَتِهِمْ عَلَى تَحْقِيقِ أَقْصَى قَدْرٍ مِنْ الْمُخْرَجَات بِأَقَلِّ قَدْرِ مَنْ الْمَوَارِدَ، أَوْ مَدَّى قُدْرَتِهِمْ عَلَى النَّجَاحِ فِي بِيئَة سُوقِيَّة تَنَافِسِية. هَذَا التَّرْكِيز يُؤَدِّي إلَى تَكْرِيم الْفَائِزِين، حَيْث يَحْتَفِي بِالنَّاجِحِين إقْتِصَادِيًّا وَالْمُبْدِعين فِي السُّوقِ. بِالْإِضَافَةِ إلَى التَحْفِيزِ عَلَى الِإبْتِكَارِ، مِنْ خِلَالِ السَّعْي الدَّائِم لِتَحْسِين الْعَمَلِيَّات وَ الْمُنْتَجَات لِزِيَادَة الْكَفَاءَةِ. ثُمَّ تَقْدِيرُ الْجَهْد الْفَرْدِيّ الَّذِي يَنْظُرُ إلَى النَّجَاح عَلَى أَنَّهُ نَتِيجَةُ مُبَاشَرَة لِلْعَمَلِ الْجَادِّ وَالْقُدُرَات الْفَرْدِيَّة.
. التَّنَاقُضُ مَعَ أَخْلَاقِ الْعَدَالَة وَالتَّعَاطُف.
يَكْمُن التَّوَتُّر عِنْدَمَا تَتَعَارَض أَخْلَاق الْكَفَاءَةِ مَعَ أَخْلَاقِ الْعَدَالَة وَالتَّعَاطُف وَ التَّكَافُل:
1. تَقْلِيصِ دَوْرِ غَيْرِ الْكُفُؤِ: مِنْ مَنْظُورٍ سُوقِيّ بَحْت، قَدْ تُعْتَبَرُ الْفِئَات الضَّعِيفَة، كَالْمُسِنِين، ذَوِي الإِحْتِيَاجَات الْخَاصَّة، الْمَرْضَى الْمُزْمِنُين، أَوْ العَاطِلَين عَنْ الْعَمَلِ، غَيْرُ كُفْؤُة لِأَنَّهُمْ قَدْ لَا يُسَاهَمُون بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ فِي الْإِنْتَاجِيَّة الِإقْتِصَادِيَّة أَوْ قَدْ يَحْتَاجُونَ إلَى دَعْم يُنْظَرُ إلَيْهِ كَعَبْىء عَلَى النِّظَامِ. النَّيُولِيبْرَالِيَّة تُقَلِّل مِنْ شَبَكَات الْأَمَان الِإجْتِمَاعِيّ وَالْخَدَمَات الْعَامَّةِ الَّتِي تُقَدِّمُ الرِّعَايَة لِهَذِه الْفِئَات، مُبَرِّرة ذَلِكَ بِأَنَّهَا تُعِيق الْكَفَاءَة الِإقْتِصَادِيَّة وَتُشَجِّعْ عَلَى الإِتِّكَالِيَّة.
2. تَآكُلُ التَّضَامُن الِإجْتِمَاعِيّ: عِنْدَمَا يُصْبِح النَّجَاح وَ الْمَسْؤُولِيَّة فَرْدٍيين بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ، يُمْكِنُ أَنْ يَتَآكَلَ حِسّ التَّضَامُن وَالتَّكَافُل الْمُجْتَمَعي. لِمَاذَا يَجِبُ عَلَى الْفَرْدِ الْكُفُؤ وَ الْمُنْتِج أَنْ يُدَّعِمَ غَيْرِ الْكُفُؤِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَافِعٌ إقْتِصَادِيّ مُبَاشِر؟ يُمْكِنُ أَنْ تُقَلِّل النَّيُولِيبْرَالِيَّة مِنْ قِيمَةِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ الشَّامِلَة، التَّعْلِيم الْمَجَّانِيّ، وَالْإِسْكَان الِإجْتِمَاعِيّ، مُفَضِّلَة أَنْ يَتَحَمَّلَ الْأَفْرَاد مَسْؤُولِيَّة هَذِهِ الْأُمُورِ بِشَكْل خَاصّ.
3. الْعَدَالَةُ كَقِيمَة ثَانَوِيَّة: قَدْ لَا تُعْطَى الْعَدَالَةِ الِإجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تُعْنَّى بِتَوْزِيع الْمَوَارِد وَالْفُرَص بِشَكْل مُنَصِّف نَفْس الْأَوْلَوِيَّةِ الَّتِي تُعْطَى لِلْكَفَاءَة الِإقْتِصَادِيَّة. فَالْنِظَام النَّيوليبْرَالِيّ يُجَادِلَ بِأَنْ السُّوقُ الْحُرَّةُ، بِكُفْاءَتِهَا، سَتُحَقِق الْعَدَالَةُ فِي النِّهَايَةِ مِنْ خِلَالِ "trickle-down effect" أَيْ الْفَوَائِدِ الِإقْتِصَادِيَّة الَّتِي تَتَسَرَّبُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ إلَى الْفُقَرَاءِ، وَهُوَ أَمْرٌ كَثِيرًا مَا يُنْتَقَدْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ بِشَكْل فَعَّال. يُمْكِنُ أَنْ تُصْبِحَ التَّفَاوُتَات الْهَائِلَةِ فِي الثَّرْوَة وَالْفُرَص مُبَرِّرة كَـنَتَائِج طَبِيعِيَّة لِلسُّوق الْحُرَّة وَ الْمُنَافَسَة بَيْنَ الْأَفْرَادِ ذَوِي الْكَفَاءَات الْمُخْتَلِفَة.
4. تَأْثِيرِ عَلَى الْقَيِّمِ الْإِنْسَانِيَّة: التَّرْكِيز الْمُفْرِط عَلَى الْإِنْتَاجِيَّة يُمْكِنُ أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ قِيمَةِ جَوَانِبِ الْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ غَيْرِ الْقَابِلَةِ لِلْقِيَاس الِإقْتِصَادِيّ، مِثْل الْفُنُون، الْعَلَاقَات الْأُسَرِيَّة، الْعَمَل التَّطَوُّعِي، أَوْ حَتَّى الرَّاحَة وَالتَّأَمُّل. تُصْبِح قِيمَةَ الْإِنْسَانِ مُرْتَبِطَة بِشَكْل وَثِيق بِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمُسَاهَمَةِ إقْتِصَادِيًّا، مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى إِنْسَانِيَّة مُجَرَّدَةً مِنْ أبْعَادِهَا غَيْر الْمَادِّيَّة.
يُمْكِنُ الْقَوْلُ أَنَّ تَرْكِيز النَّيُولِيبْرَالِيَّة عَلَى أَخْلَاقِ الْكَفَاءَة وَ الِإنْتِاجِيَّة يُقَلِّلُ بِالْفِعْلِ مِنْ قِيمَةِ الِإعْتِبَارَات الْأَخْلَاقِيَّة الأُخْرَى مِثْلَ الْعَدَالَةِ الِإجْتِمَاعِيَّةِ، التَّعَاطُف، وَالتَّكَافُل. هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ النَّيُولِيبْرَالِيَّة تُعَارِض هَذِهِ الْقِيَمِ صَرَاحَة، لَكِنَّهَا غَالِبًا مَا تُهْمِلُهَا أَوْ تُخْضِعُهَا لِمَنْطق السُّوقِ، حَيْثُ تُعْتَبَرُ غَيْرَ كُفْؤُة أَوْ غَيْرَ مُرْبِحَة. النَّتِيجَةُ هِيَ خَلْق تَوَتُّر بَيْن نَمُوذَج إقْتِصَادِيّ يُعْطِي الْأَوْلَوِيَّة لِلنَّمو وَالْكَفَاءَةُ، وَنِظَام قِيمِيّ بَشَرِي يَسْعَى إلَى مُجْتَمَعِ أَكْثَر إنْصَافًا وَشُمُولِيَّة وَرَحْمَةُ. هَذَا التَّوَتُّر يُشْكِل أَحَدَ أَبْرَزِ التَّحَدِّيَات الْأَخْلَاقِيَّةُ وَالِإجْتِمَاعِيَّةُ فِي الْعَالَمِ الْمُعَاصِرِ.
_ دُورٌ الدَّوْلَةِ فِي حِمَايَةِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ فِي ظِلِّ هَيْمَنَة الْفِكْر النَّيوليبْرَالِيّ
هَذَا السُّؤَالِ يُسَلِّطُ الضَّوءَ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَكْثَرَ النَّقَّاشُات حِدَّةً فِي الْفَلْسَفَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَ الِإقْتِصَادِيَّةِ الْمُعَاصِرَة. دُور الدَّوْلَةِ فِي حِمَايَةِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ فِي ظِلِّ هَيْمَنَة الْفِكْر النَّيوليبْرَالِيّ.
. دُورٌ الدَّوْلَة التَّقْلِيدِيِّ فِي حِمَايَةِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ
تَارِيخِيًّا، لَعِبَتْ الدَّوْلَةِ أَوْ الكِيَّانِات الشَّبِيهَة بِهَا فِي الْعُصُورِ الْمُخْتَلِفَة دُورًا مُحَوَّريا فِي تَحْدِيدِ، فَرْض، وَحِمَايَة الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ مِنْ خِلَال:
1. التَّشْرِيع وَالْقَانُون: سَنّْ الْقَوَانِينِ الَّتِي تَعْكِس الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ السَّائِدَة مِثْل مَنَع السَّرِقَةِ، الْقَتْلُ، التَّمْيِيز، وَتَطْبِيق الْعُقُوبَاتِ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهَا.
2. التَّعْلِيم: دَمْج الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ فِي المَنَاهِجِ التَّعْلِيمِيَّة وَ تَنْشِئَة الأَجْيَال عَلَى مَبَادِئِ مُعَيَّنَة.
3.الْمُؤَسَّسَات الِإجْتِمَاعِيَّة: دَعْم الْمُؤَسَّسَات مِثْل الأَسِرَّة، الجَمْعِيَّات الْخَيْرِيَّةِ الَّتِي تَعَزُّز الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ وَالتَّضَامُن.
4.الْأَمْنِ وَالنِّظَام: تَوْفِير بِيئَة مُسْتَقِرَّة تُمَكِّن الْأَفْرَادِ مِنْ مُمَارَسَةِ حَيَاتِهِم وَفْقاً لِمَعَايِير أَخْلَاقِيَّة مُعَيَّنَة.
5.الدَّعْم وَالرِّعَايَة: تَقْدِيم الدَّعْم لِلْفِئَات الضَّعِيفَةِ، وَهُوَ مَا يَعْكِس قِيَّم التَّعَاطُف وَالتَّكَافُل.
. تَقْلِيصِ دَوْرِ الدَّوْلَةِ فِي النَّيُولِيبْرَالِيَّة
النَّيُولِيبْرَالِيَّة تَتَبَنَّى مَبْدَأ تَقْلِيصِ دَوْرِ الدَّوْلَة بِشَكْلٍ كَبِيرٍ، خَاصَّةً فِي الْجَانِبِ الِإقْتِصَادِيّ وَالِإجْتِمَاعِيّ. تُرَكِّزُ عَلَى أَنَّ السُّوقَ الْحُرَّة وَالْحُرِّيَّة الْفَرْدِيَّة هُمَا الْكَفِيلَان بِتَحْقِيق الرَّفَاهِيَة وَالْعَدَالَةِ. فِي هَذَا الْإِطَارِ، يُنْظَرُ إلَى تَدَخُّلَ الدَّوْلَةِ فِي تَحْدِيدِ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ أَوِ فَرْضَهَا عَلَى أَنَّهُ تَدْخُلُ فِي الْحُرِّيَّةِ الْفَرْدِيَّة أَوْ تَشْوِيهِ لِآلِيات السُّوقِ الْكُفْؤَة. نَتِيجَةُ هَذَا التَّقْلِيص، تَظْهَر أَسْئِلَة حَاسِمَة. مَنْ يُحَدِّد وَ يُنَفِذْ الْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة؟ فِي الْمَنْظُورِ النَّيوليبْرَالِيّ، يُفْتَرَضُ أَنْ السُّوق نَفْسِهَا سَتُحَدِّدْ الْقَيِّمُ مِنْ خِلَالِ التَّفْضِيلات الْفَرْدِيَّةُ لِلْمُسْتَهْلْكَيْن وَالْمُنْتَجين. الْقَيِّمُ الَّتِي تَعَزُّز الْكَفَاءَة وَالرِّبْحُيَّة هِيَ الَّتِي سَتَسُود. يُعْتَقَدُ أَنَّ الْأفْرَادَ الْأَحْرَارَ هُمْ الْقَادِرُونَ عَلَى تَحْدِيدِ قِيَمِهِمْ الْخَاصَّة بِنَاءً عَلَى إخْتِيَارَاتِهِمْ العَقْلَانِيَّة. أَمَّا الْمُؤَسَّسَاتِ غَيْرِ الحُكُومِيَّة وَ الْمُجْتَمَع الْمَدَنِيّ، قَدْ يُفْتَرَضُ أَنْ الْمُنَظَّمَات غَيْرِ الرِّبْحِيَّةِ، الجَمْعِيَّات الْخَيْرِيَّة، وَ الْمُبَادِرًات الْمُجْتَمَعِيَّة سَتُّمْلِىء الْفَرَاغِ الَّذِي تَخْلِيه الدَّوْلَة.
. التَّحَدِّيَات الْعِلْمِيَّة الْجَدِيدَة وَفَرَاغ الْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة
هَذَا الْفَرَاغُ يُصْبِح أَكْثَر خُطُورَة وَوُضُوحًا عِنْدَمَا نَوَاجه التَّحَدِّيَات الْعِلْمِيَّة وَالتِّكْنُولُوجِيَّة الْجَدِيدَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي الأَطْر الْأَخْلَاقِيَّة التَّقْلِيدِيَّة، وَاَلَّتِي تُهَدِّد الْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَوِ الْبِيئَة. أَمْثِلَةٌ عَلَى ذَلِكَ الْهَنْدَسَة الْوِرَاثِيَّة وَ التَّحْرِير الْجِينِيّ (CRISPR). مَنْ يَضَعُ الْحُدُود الْأَخْلَاقِيَّة لِلتِّدخل فِي الْجِينُومِ الْبَشَرِيِّ؟ مَا هُوَ الْمَسْمُوحِ بِهِ وَمَا هُوَ الْمَرْفُوض؟ هَلْ نُجْرِي تَعْدِيلَات جِينِيَّة لِتَحْسِينِ السِّمَات الْبَشَرِيَّة مِثْل الذَّكَاءِ أَوْ الْجَمَالِ، أَمْ نُرَكِّز فَقَطْ عَلَى عِلَاجِ الأَمْرَاضِ؟ أَمَّا بِخُصُوصِ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيّ (AI) كَيْف نَضْمَن أَنْ أَنْظِمَة الذَّكَاء الِاصْطِنَاعِيّ لَا تُظْهِرُ تَحَيُّزَاتٍ غَيْرَ أَخْلَاقِيَّة (الْعُنْصُرِيَّة، التَّمْيِيزِ)؟ مَنْ الْمَسْؤُول عِنْدَمَا يَتَّخُذُ الذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ قَرَارَات تَضُرُّ بِالْبِشْر مِثْل السَّيَّارَات ذَاتِيَّة الْقِيَادَةِ فِي حَوَادِثِ؟ كَيْف نَحْمِي خُصُوصِيَّة الْبَيَانَات وَكَرَامَة الْأَفْرَادِ فِي عَصْرِ الْمُرَاقَبَة وَالتَّحْلِيل الضَّخْم؟ أَمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِطَمَوحَات إسْتِكْشَاف الْفَضَاء وَإسْتِغْلَال الْمَوَارِد الْكَوْكَبِية. مَنْ يَضَع الْقَوَاعِد الْأَخْلَاقِيَّة لِإسْتِغْلَال الْمَوَارِد خَارِجَ الْأَرْضِ؟ هَلْ يَجِبُ أَنْ تُطَبَّقَ نَفْس الْمَعَايِير البِيئِيَّة وَالْأَخْلَاقِيَّة عَلَى الْكَوَاكِبُ الْأُخْرَى؟ إلَى جَانِبِ هَذَا هُنَاكَ التَّحَدِّيَات البِيئِيَّة الْكُبْرَى. تَغَيُّرِ الْمُنَاخِ، إسْتِنْزَاف الْمَوَارِد. إذَا كَانَ السَّوْقُ وَحْدَهُ هُوَ الْمُحَدَّدُ، فَغَالِبًا مَا تُقَدَّمَ الرِّبْحِيَّة الْفَوْرِيَّةِ عَلَى الِإسْتِدَامَةِ طَوِيلَة الْأَمَدِ أَوْ حِمَايَةِ الْبِيئَةَ. مَنْ يَفْرِضُ الْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة لِلْحِفَاظِ عَلَى الْكَوْكَب لِلْإِجْيَال الْقَادِمَة؟ فِي ظِلِّ غِيَابِ دُور فَعَّال لِلدَّوْلَةِ، أَوْ عِنْدَمَا تُرْكَز الدَّوْلَة النَّيُولِيبْرَالِيَّة بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ عَلَى تَيْسِير السُّوقِ، فَإِنْ تَحْدِيد وَتَطْبِيق الْمَعَايِير الْأَخْلَاقِيَّة لِهَذِه التَّحَدِّيَات يُصْبِح مُشْتَتا وَغَيْرُ مَنْسُق. قَدْ تُحَاوِل الشَّرِكَات وَضَع أَخْلَاقِيَّات خَاصَّةً بِهَا، لَكِنْ هَذِهِ قَدْ تَتَعَارَضُ مَعَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ أَوْ تُعْطِي الْأَوْلَوِيَّة لِلرِّبْح.
. الْحَاجَةُ إلَى الدَّوْلَةِ الضَّامِنَة
الْعَدِيدِ مِنَ الْمُفَكِّرِينَ وَالْمُنَظَّمَات الْعَالَمِيَّة يُجَادِلُون بِأَنَّ هُنَاكَ حَاجَةٌ مَاسَّةٌ إلَى دُورِ لِلدَّوْلَة يَتَجَاوَز مُجَرَّد الدَّوْلَة الْحَارِسَة الَّتِي تُرَكِّزُ عَلَى الْأَمْنِ وَ الدِّفَاع وَحِمَايَة الْمِلْكِيَّة لِيُصْبِح الدَّوْلَة الضَّامِنَة لِلْقَيِّم الْأَخْلَاقِيَّة الْأَسَاسِيَّة، خَاصَّةً فِي مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَات الْحَدِيثَة. هَذَا الدَّوْرِ يَشْمَل:
1. وَضَعَ الأَطْر الْقَانُونِيَّة الْأَخْلَاقِيَّة: سَنّْ قَوَانِين تُنَظِّم إسْتِخْدَامُ التِّقْنِيَّاتِ الْجَدِيدَةِ وَتَحَدُّد الْخُطُوط الْحَمْرَاء الْأَخْلَاقِيَّة.
2. تَعْزِيز الْحِوَار الْعَامّ: تَسْهِيل النَّقَّاشُات الْمُجْتَمَعِيَّة حَوْلَ الْقَضَايَا الْأَخْلَاقِيَّة الْمُعَقَّدَة لِلْوُصُولِ إلَى تَوَافُقِ مُجْتَمِعِي.
3. دَعْم الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ الْأَخْلَاقِيّ: تَمْوِيل الْأَبْحَاثِ الَّتِي تُرَكِّزُ عَلَى الْجَوَانِبِ الْأَخْلَاقِيَّة لِلتَّكْنُولُوجْيَا وَتَسْهَم فِي فَهْمِ التَّدَاعِيَات.
4. التَّعَاوُنِ الدَّوْليِّ: الْعَمَلِ مَعَ دُوَل وَمُنَظَّماَت عَالَمِيَّة لِوَضْع مَعَايِير أَخْلَاقِيَّة عَابِرَة لِلْحُدُود، خَاصَّةً وَإِنْ التَّحَدِّيَات الْعِلْمِيَّةِ مِثْلُ الذَّكَاء الِإصْطِنَاعِيّ لَا تَعْرِفُ حُدُودًا جُغْرَافِيَّة.
5. حِمَايَةُ الْفِئَات الضَّعِيفَة: ضَمَانَ إنْ التَّقَدُّمَ الْعِلْمِيَّ لَا يَزِيدُ مِنْ تَهْمِيش أَوْ اسْتِغْلَالٍ الْفِئَات الَّتِي لَا تُعْتَبَرُ كُفْؤَة فِي السُّوق.
بَيْنَمَا تَعْلِي النَّيُولِيبْرَالِيَّة مِنْ قِيمَةِ الْفَرْد وَالسُّوق، فَإِنْ التَّحَدِّيَات الْأَخْلَاقِيَّة الْمُعَاصِرَة تُبْرِزُ الْحَاجَةِ الْمَاسَّةِ إِلَى دُورِ مُتَجَدِّد وَمُتَطَوِّر للدَّولةِ كَحَارِس لِلْقَيِّمِ، لَا سِيَّمَا تِلْكَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْكَرَامَة الْإِنْسَانِيَّة وَالِإسْتِدَامَة البِيئِيَّة، وَاَلَّتِي قَدْ لَا يَسْتَطِيعُ السُّوق وَحْدَه حِمَايَتِهَا أَوْ تَحْدِيدِهَا بِفَعَالِيَّة.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟