أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - سعيد مضيه - هشام شرابي المفكر الماركسي-2















المزيد.....


هشام شرابي المفكر الماركسي-2


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 7223 - 2022 / 4 / 19 - 12:10
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


الاستعمار الثقافي يحيل الثقافة الأداة الرئيسة للهيمنة
في الحلقة السابقة توصلنا الى التمويه في ثقاقة الغرب الامبريالية، يزعم أن الإنسان، في حضارة الغرب ونظرياته ومثله، هو القيمة الأساسية. غشاوة على العيون يجب التخلص منها وخلع سيطرة الغرب الحضارية كما خلعنا سيطرته السياسية. السيطرة هوس نفسي، بدون نبذه يستحيل أن تفاعل مع الغرب التفاعل السليم ولا يمكننا التحررمنه، والاستفادة من تبقدمه. امبريالية الغرب، كما نفذ شرابي الى جوهرها ، في مؤلفه "البنية الأبوية .. إشكالية تخلف المجتمع الأبوي" ، هي "الإرهاب نظاما عقلانيا للقمع والسيطرة اختراع أوروبي جرى تطبيقه أساسا على كل الشعوب غير الأوروبية" (90). فحيث تصادم الأوروبيون والسكان الأصليون كان الإرهاب ينزل بالمستعمَر، على غرار ما حصل في فلسطين. مع تأسيس الدولة عمدت إسرائيل الى اتنهاج أساليب استعمارية مالوفة؛ استخدمت القوة وانتزعت الممتلكات من أصحابها . "اعتبر المستوطنون الفرنسيون والإيطاليون والصهيونيون ان سكان البلاد الأصليين عثرة في وجه المشروع الاستعماري ، فتعاملوا معهم على انهم مستعمَرون، دون الالتفات الى الحقوق الإنسانية او القوانين الدولية"(84). في بلدان أخرى فقد اكتفت بالسيطرة غير المباشرة، وبإخضاع الاقتصاد الوطني للمصالح الامبريالية، بمساعدة السلطة الأبوية.
تزامن الاستعمار الحديث برسوخ مناهج الثورة العلمية التقانية وثورة المعلومات ، واتسعت الفجوة بين بلدان الغرب الامبريالية والبلدان النامية. غدت "ادبيات الاستعمار أشد وقعا من الاحتلال العسكري؛ بخلاف الاستعمار السياسي القديم فقد فرض الاستعمار الحديث سيطرته بتحويل المستعمَر من كائن يثق بنفسه ومتمكن مما يقوم به الى مخلوق لا يؤمن إلا بقدرة الآخرين[90]. الإرهاب المادي ظاهرة منظورة يمكن التحوط منها أو مقومتها أو النغلب على آثارها؛ اما الاستعمار الحديث فآثاره غير منظورة ويصعب الفكاك من آثارها. على سبيل المثال ، تجهل الشعوب المتخلفة أن إنتاج الغرب من السلع الاستهلاكية ، خاصة الكماليات حصيلة استيعاب علوم طبيعية وتقانيها؛ والجهل يؤولها حصيلة قدرات غامضة خُص بها الغرب، وليس لهم منها نصيب.
رافق الاستقلال السياسي نوع مغاير وغير مباشر للاستعمار الثقافي ؛ إلا أنه كان أوسع انتشارا، لم يستمد هيمنته من السيطرة العسكرية – السياسية المباشرة ، بل من اختراق الثقافة الغربية للنخبة الأبوية الجديدة، مضافا إليها سيطرة وسائل الإعلام الغربية وشيوع قيم المجتمع الاستهلاكي وحاجاته. يركز شرابي على هذه النقطة ويعود لها أكثر من مرة في مؤلفه . يقصد بذلك القول أن العدوان الثقافي للامبريالية يحتم الرد عليها بثقافة وطنية ديمقراطية . الثقافة ميدان صراع، يطرد الجيد الرديئ. الثقافة تلعب دورا مقررا في حياة مجتمعاتنا ربما يفوق تأثير السياسة . والنشاط الاقتصادي الاستهلاكي غير المنتج، يفرز ثقافته ويرسخها في الوعي الاجتماعي بقوة رهيبة ؛ العملية تتم بأشكال عفوية لا يعيها الجمهور المتلقي، الى أن يقول الباحث: "ان عوامل التخلف العقلي والقحط العاطفي والشلل الفكري التي احدثها الإرهاب الاستعماري ليست واضحة للعيان وضوح آثار الاستغلال الاقتصادي، إلا أنها قد تكون اكثر تدميرا على المدى البعيد." (91).
عزز شرابي انتقاده لمواقف الغرب الامبريالية، برؤية إدوارد سعيد للتزييف الثقافي، وهو مرادف للتمويه الذي رصده في الفكر الامبريالي في "مقدماته". " إن معرفة أوروبا بالثقافات والشعوب غير الأوروبية، لاسيما منها الحضارات الشرقية ، كانت مطعمة بروح الامبريالية الضارية والعرقية. فقد وجد الجشع الرأسمالي والتوسع الامبريالي حججهما جاهزة في النظريات ‘العلمية’ والمبادئ ‘الخلقية’ العالية وادعاء تمدين العالم وتحضيره".
في هذا الصدد يقدم شرابي الدليل على عنصرية الغرب المجافية للعلم في ما عرضه هاوارد بليس ، رئيس الجامعة الأميركية –بيروت، في شهادة امام لجنة السلام الدولية في مؤتمر فرسايل: "كانوا –العرب- عرقا مضطهدا لزمن طويل يعانون من الخجل وحب الإطراء وغياب الصراحة ... يفتقرون الى التوازن ويتحمسون وتبرد همتهم بسرعة ولا يتمتعون برؤية سياسية منصفة ، وهم لا يقرون بسهولة بمحدودية حقوقهم. لذلك يجب التقرب منهم بتعاطف وصرامة وصبر".
شأن المستشرقين المنحازين للنظم الامبريالية يفارق الأكاديمي، بليس، منهجية العلوم ، ويهيل مطاعنه ضد العرب شذوذا يصعب تقويمه؛ بينما يعرض شرابي ، الباحث الاجتماعي ، تلك الخواص السلبية وليدة قمع نظام أبوي يدعو الى الإطاحة به كي تخرج الجماهير العربية الى انوار الحضارة وتغذ السير نحو مشارف التقدم والديمقراطية:
يولد الكبت وتعليمه التلقيني عجزا في القدرات الذهنية تغيب التفكير النقدي وتطلق الانفعالية بدون كوابح عقلانية. توترات نفسية وعصاب ذهني يولدها القهر والكبت، تحيل طيب المشاعر سود الضغائن. امتدادات الكبت الذي يغيب الصراحة والنقد الوجاهي والمجادلة الفكرية ، يسري في ثنايا الروح ، يتفرع اختلالات وانحرافات سلوكية تتسم بالنزق، تزرع الوجدان الجمعي شكوكا متبادلة، تقبع في الروح قنابل موقوته تتفجر لأتفه الأسباب فتنا واضطرابات. قد يفلت طفل من العائلة من الوصاية والكبت، نظرا لظروف عائلية او طبع في الأم ؛ فيشب الطفل معتمدا على النفس،مبادرا ومبدعا. حنان الأم وهدوؤها وسعة صدرها ينمي شخصية ديمقراطية تنحو للحوار واحترام الرأي الآخر. لكن الفظاظة والانفعالية والمعاملة العشوائية يتخللها الزجر والكبت والتعنيف تنتج الانحرافات، أفرز شرابي في "مقدمات" منها التالي:
1- تدرب العائلة الطفل على معاشرة الأشخاص ومسايرتهم تأدبا؛ يعتاد تقليد الكبار في السلوك والإيماءات وطريقة الحديث. المسايرة قد تفرز نقيضها، من المجاملة تكبت إبراز الخلافات والنقد الوجاهي ، بدلا من ذلك تكبت المشاعر وتتوتر في النفوس ضغائن . يتعلم الطفل الاستغابة عندما يلاحظ ان والديه وغيرهما من الكبار ينالون من سمعة اشخاص يعرفهم . الاستغابة هي الوجه الآخر للمسايرة. الناس ليست كما تبدو؛ والفرد لا يثق عفويا بكلام الآخرين لأنه يعي نوعية الستار الاجتماعي الذي يختبئ الجميع وراءه؛ وهذا ما يؤدي الى تغليب الشك والريب فيما يتعلق بنوايا الناس ودوافعهم. يصادفنا القول "هذا حكي في حكي ، ونقيضها " كلمته لا تكون كلمتين".
نجد المسايرة في مجتمعنا لا تسيطر على اللقاءات العامة فحسب بل على المناخ الفكري للمثقفين. ان الرياء الذي ترتكز اليه المسايرة تؤدي تلقائيا الى تغذية الروح العدوانية التي تظهر عادة في الاستغابة.
2- يشعر الفرد بالعجز شعورا مستمرا ، الاتكالية والعجز والتهرب تجسم شعورا أبويا نموذجيا هو الشعور بعدم المقدرة . يتعلم الطفل باكرا ان روح الاقتحام لا تجدي نفعا وأن روح الخضوع تنال المكافأة، بمعنى انه يتعلم كيف يجد طريقه بطلب المساعدة واستثارة العطف بدلا من العمل بإرادته الخاصة . كل طلب يصبح نوعا من الاستجداء، نمط تعنى به الثقافة الأبوية كجزء لا يتجزأ من علاقات السلطة بجميع أشكالها.
3- يجهل الطفل المواجهة والنقد، ولا يجد التعويض إلا في السلوك القائم على إبراز الذات والتنافس ونسيان المصلحة العامة واستبدالها بالمصلحة الفردية التي تصبح فوق كل مصلحة. "يكبر الطفل ويتعلم ان يكون متحفظا والا يتخذ موقفا حاسما في أي موضوع". والطفل في حديث عادي او في مناقشة يميل الى توكيد ذاته ومن الشائع في اللقاءات الاجتماعية ان يتبارى المتكلمون في إبراز الذات، وأن يقاطع بعضهم بعضا. إن العدوانية في هذه الحالة تنبع من حاجة الفرد الى توكيد ذاته ، وبالتالي فهي تعزز ما في النقاش من تمثيل. ومع الزمن يصبح تحقير الآخرين طريقة عفوية في توكيد الذات بمعنى أن الفرد يشعر بالرفعة إذا حط من شعور الآخرين بإذلالهم أو الاستهزاء بهم او التقليل من قيمتهم.
4-خارج العائلة يتعامل الطفل مع غرباء، يتخلله سوء الظن المتعلم من العائلة مع قدر من المبالغة ؛ يفتقد الاحترام المبني على الخوف داخل العائلة، يغيب لدى التعامل مع "الغرباء". ومن ثم ينشأ الطفل مغتربا عن المجتمع يضمر الريب وسوء الظن. هكذا تزداد الفجوة اتساعا بين العائلة والمجتمع ، ويسود شعور عدم الاطمئنان وسوء الظن في التعامل. يسهل التحريض ضد الغريب المجهول؛ هو موقف نفسي وأحَد انماط السلوك المفضي الى دعم العلاقة العشائرية والطائفية. التحالف بين المجتمع والعائلة يبدو الوسيلة الأساس للثقافة الاجتماعية المسيطرة لضبط التغيير والمحافظة على استقرار النظام الاجتماعي الراهن، الذي هو بدوره مبني على النمط السائد في تركيب العائلة وفي توزيع الثروة والسلطة والمكانة الاجتماعية في المجتمع العربي.
5- يتخذ الشاب من عدم اقتناعه بخطة ما أو مقترح مبررا للفكاك ، يؤكد في الواقع، انه لن يشارك بالخطة او انه لن يلتزم بالعمل ، بمعنى انه بإشارته الى حتمية الفشل ، يزيل الحاجة الى الاشتراك بالعمل فيبدو الامتناع عنه امرا حكيما. وإذا ذهبنا بموقف كهذا الى حدوده القصوى وجدنا له تعبيرا في القول المأثور "فخار يطفش بعضه" ، " يصطفلوا". وتلك جذور تنبت منها الانشقاقات والتشرذم والتشظي في صفوف اليسار والحركة الوطنية، بينما القوى اللاوطنية تنضبط بضغط الامبريالية.
6- من صنوف المعاملة التي تضعف شخصية الطفل الاستهزاء ينمي لديه التخجيل؛ والتمييز دقيق وواضح بين الشعور بالخجل والشعور بالذنب والخطيئة. شعور الخجل ينتابه عندما يشعر أن الآخرين يشاهدون ما ارتكبه من عمل سيء؛ فلا يشعر بالندم ولا ينتقد الذات، ولا يعتذر؛ لغة الاعتذار مغيبة في العلاقات الاجتماعية ، يُنظَر اليها رديف الخنوع. كل ما في الأمر ان يتعود الشاب الحيطة وإخفاء السلوك المعيب. تتعود الأجيال إخفاء النوايا مدركين أن الآخرين كذلك يتسترون على العيوب، فتنمو عدم الثقة المتبادلة.
.7-الثقافة الأبوية تقدم وسائل تغطية العجز والتهرب من المسئولية. اللغة المستعملة لغة تمويه تتمكن من تغيير المظاهر دون التطرق الى الوقائع ذاتها. روح الطبقة المتسلطة، كما تبدو ظاهريا خلال شعاراتها وحِكَمها وأشعارها، هي روح ثقة وقوة وإيمان بالمستقبل ؛ ولكن اذا نظرنا اليها داخليا نجد انها روح خنوع ومساومة بالإضافة الى شعور بالتفاهة وبالعجز عن مواجهة العالم مواجهة فعالة. برزت ظاهرة الانقلابات في المجتمعات العربية مع نمو البرجوازية الصغيرة بعيد الحرب العالمية الثانية. البرجوازية الصغيرة صبغت العلاقات الاجتماعية بالتمزق الاجتماعي والسياسي ، والخصام السياسي ، والانقسامات الطائفية والعرقية. ولكي تحافظ على سيطرتها كطبقة تعمد الأبوية إبقاء العلاقات الاجتماعية على حالها ، مدافعة عن الوضع الاجتماعي السائد...
8- التعليم النظري وإغفال التعليم العملي طبع الثقافة العربية ثقافة قولية . بالنسبة الى الانتقاد والتهجم نجد الفرد مهتما بكل ما في المجتمع من قضايا ، بمعنى انه منغمس كليا في حياة المجتمع طالما ان الأمر لا يتعدى مستىوى قراءة الجرائد والاستماع الى الراديو ؛ اما بالنسبة الى الالتزام العملي فنجد ان التزام الفرد بحياة المجتمع هو في حده الأدنى.
كذلك فان شعور الفرد بعجزه الكلي عن التأثير في الأحداث في المجتمع وبأنه موضوع لهذه الأحداث بدلا من ان يكون محركا لها يسهم في زيادة المشاركة الكلامية غير الفاعلة؛ وبالتالي يوسع التناقض بين القول والعمل، حتى ان ارادة العمل او الممارسة تصاب بالانحلال ويصبح التلفظ بالأقوال هو الممارسة بعينها.
9-اهم اشكال الشعور بالعجزهو الجبرية؛ فهي في جوهرها نوع من عدم التبصر وعجزعن التهيئة للمستقبل . في المجتمع الأبوي لا يفسح الفرد للمستقبل سوى مجال محدود وغامض. تنعدم السيطرة على المستقبل، نظرا لانعدام السيطرة على الحاضر وعدم السيطرة على نواميس حركته ، ومن ثم ضعف الإمساك بدفة قيادته . تفترض العقلية الأبوية بشكل اساس ان العقل البشري في حد ذاته ، عاجز عن الفهم وانه لا يستطيع ان يدرك ما في صنائع الله من أسرار. ونجد الظلم النازل من تصور الله والطبيعة يدعم الخضوع للظلم الناتج عن الإنسان. العقلية الأبوية لا تقر بحقوق للجماهير الفقيرة بوجه خاص، لايشعرون بالتعاطف ولا يستطيعون التطابق بسبب نوع تربيتهم ووضعهم الاجتماعي . كذلك تبدو مظاهر الفقر الاقتصادي والجهل والمرض والتعاسة كلها في منظور النظام أمور اخلاقية دينية.
10- يرفض الفرد رؤية الواقع كما هو، ويلجأ الى نوع من العقلانية "السحرية"( التوجه الى البصارة والشعوذة، أو قراءة الحظ وغيرهما )، عقلانية مشوهة ومبنية على الهلوسة. العقلانية السحرية تتضمن ثنائية ذهنية بحيث ان عنصرا سحريا يختلط بالعقلانية السوية ؛ من الممكن تماما مواجهة واقع قاس تجعل مجموعة الرغبات قوية الى درجة يصعب التغلب عليها بعقلانية الحياة اليومية. فالعامل اللاعقلي الذي يسهل مواجهة الواقع ويجعله مقبولا يقحم نفسه بشكل من الأشكال في مختلف انواع التبرير.العقلانية السحرية تلازم الأفراد بغض النظر عن المستوى العلمي.
في اوضاع كهذه بالضبط يظهر جليا ان التعلم الأولي، في مرحلة الطفولة الأولى والاندراج في المجتمع يؤثر اكثر من التعليم الثانوي( في المراحل اللاحقة) في تحديد السلوك. ومهما كان مستوى ثقافة الفرد فهو يبقى تحت تاثير بنية التعليم الأولى ، بحيث يكون ميل العالم وحامل الدكتوراه الى العقلانية السحرية مساويا لميل اي فرد آخر في المجتمع.
11-النظام الأبوي يرعى الأنانية وحب الامتلاك ، أي عكس الصورة التي ينسجها عن نفسه. فالحياة اليومية بالنسبة له ما هي الا معركة ضارية ليس الشرف والكرامة من ثمارها، بل بالأحرى البقاء والسلطان. وتبقى الحياة السياسية نتيجة مقررات وأعمال تنبع من حكم متسلط لا ديمقراطي ؛ كما ان التغيير السياسي يبقى نتيجة تآمر اوانقلاب، لا نتيجة إرادة شعبية.
12- للمتعلم وضع خاص في المجتمع الأبوي؛ والمتعلم غير المثقف؛ التعلم لا يغير اسس تركيبة الشخصية ولكن المتعلم يطالب لنفسه مكانة خاصة لمجرد انه "متعلم" . ومن نتيجة ذلك ان العادات الذهنية التقليدية والسلوكية القديمة تكتسب مكانة خاصة لصدورها عن " المتعلمين"، وبالتالي تسهم في زيادة الارتباك الاجتماعي العام. كلما ازداد المثقف الأبوي علما اصبح اقل قدرة على القيام بالمهمات الاجتماعية وازداد انانية. ولذلك فان "المتعلمين" لا يمكنهم ان يشكلوا قوة مستقلة تعمل على إحداث التغيير؛ والقواعد والقيم التي يمثلونها في حياتهم العملية هي القواعد والقيم التي يمثلها النظام القائم في تركيبته وإيديولويته التي ترفض التغيير الجذري.
13-المتعلم والمثقف التابع للنظام الأبوي يرى في النظام القائم ميدانا لنشاطه الفكري وربحه المادي. في حياته العملية يلائم نفسه مع التركيب الاجتماعي بغض النظر عن إمكان وجود اية نزعة ايديولوجية مغرضة ، يهيئه لتمثيل دور المتعاون مع النظام . التضحية ، وبنوع خاص التضحية الذاتية، هي مفهوم غريب عن الشخصية الأبوية؛ وبرغم ان التزامه الفكري قد يدفعه برغبة مخلصة ، لخدمة المبادئ التي يؤمن بها ، فان نهج حياته والتركيب النفسي المرافق له يمنعانه من ذلك ؛ فهو دائما ينتهي الى تبرير ذاته وتبرير سلوكه المناقض لأقواله ومعتقداته. في المجتمع العربي احتل التبرير محل النقد ؛ فتميز الفكر العربي المعاصر بتجاهل المعرفة العلمية ( معرفة الذات والنقد الذاتي )؛ وبالنتجية الاحتفاء بالوهم والعاطفة، ونبذ العقل وحقائق العلم. كانت كل محاولة لإزالة الوهم وإصلاح الخطأ تقاوم بشدة لارتباطها بمصالح اجتماعية وسياسية قائمة وبحاجات نفسية متأصلة
14-نجد من الناحية السياسية ان الإعجاب بالغرب لا تمييز فيه، بحيث انه يقدم النظام البرلماني البريطاني او الأميركي كما يقدر الديكتاتورية الفاشية . عدوه ، اسوة بعدو البرجوازي الغربي، هو الشيوعية ، وذلك بالرغم من تقبله الاشتراكية والتعاون مع الاتحاد السوفييتي. لقد ترعرعنا ، نحن المثقفين العرب، على الإيمان بالمثل التي ينادي بها الغرب دون تساؤل او تمحيص؛ فنمت فينا عملية تمويهنا وصرنا نرى الواقع من خلال الفكرالمثالي الغربي"( يناقضه فكر واقعي في الغرب لم نعرفه ولم ينقل الينا).
15-نظرا لارتباط النظام الأبوي بالامبريالية فهو لا يقدم على مشاريع التنمية ، ويشجع الاقتصاد والثقافة الاستهلاكيين. غياب التنمية يقتل الدافع الذاتي للاستفادة العملية من العلوم والتقاني ، وتظل المعارف والشهادات العلمية مصدر نفوذ اجتماعي وسياسي. بالنسبة للنظام الأبوي كل علم وفلسفة تبقى وسيلة تمويه وكبت ما دام شكلها مستوردا تعرض وتعلم في المدارس والجامعات كما تعرض السلع المستوردة وتشترى دون إدراك لماهيتها والنهج الذي اتبع في صنعها. فما يقود العلم ويسيره في المجتمع هو دافع ينبثق من ذلك المجتمع ، فيعطيه منطقه الخاص وطبيعته الخاصة.
أخذ الباحث بمقولة غرامشي القائلة ان "القهر اللاقسري"- وهو قهر الحاجة في ظروف العجز حيال الطبيعة يتجلى مع استيراد السلع المتطورة من الغرب - يعادل الإقرار الطوعي بالعرقية الذاتية ، وهو أشد خطرًا من القهر المادي الموظف من قبل السلطة، إذ الأخير ملموس ومدرك ومرفوض لذلك- نقول ان "القهر اللاقسري للاستعمار الثقافي يمكن النظر إليه على أنه السياق الأوسع الذي تنهض فيه ثقافة المستعمِر طامسة لثقافة المستعمَر" [94]. هذا التلاقي في ظرف غير موات يولد القناعة بتفوق الآخر ، ومن ثم الرضوخ الطوعي لهيمنته. وتتجلى خطورته في إدخاله في طيات المنهاج التعليمي في المدرسة والجامعة. ومثال صارخ إدخال زيوف الفكر الاستشراقي بصدد تاريخ فلسطين القديم في المنااهج المدرسية بدون نقد او تمحيص.
يطلق الباحث على هذا الاستعمار الثقافي "عقدة الخواجا، شاهدا على النقص في الثقافة المحلية مقابل تفوق كل ما هو اوروبي. لذلك، على كل من أراد الجودة والقوة والمقدرة والصدق ان يتمثل بالأوروبيين. وقد تجسد هذا المنحى معرفة وممارسة في قيام معظم الأقطار العربية بتبني أنظمة تربوية كان للمبشرين الأوائل اليد الطولى في إرسائها "[96] . نظم التربية لم تدخل العلم مكونا في الإنتاج وقاعدة للتفكير؛ لم تتم تنمية البحث والاستنتاج ، إنما الذي تكاثر هو الحفظ والنقل وتخزين المعلومات. واخطر من هذا كله ان المنتجين المحليين، مزارعين وحرفيين لا يشكلون نخبة المجتمع، ولا قوته الملهمة للتطور والتقدم. يتعزز النزوع للتعلق بنموذج من التطور تقرره النخب الفوقية." التغيير الاجتماعي لا يحصل إلا بالسيطرة من فوق ، أي ليس بثورة الجماهير ، بل من خلال القيادة "الحكيمة" . الخبراء والمثقفون وحدهم المؤهلون لإجراء التحديث وتنفيذ التغيير ...كيف يمكن إذن شرح الحقيقة بأن العرب ما زالوا يستوردون العلم والتقانة (التكنولوجيا) بعد مرور قرن ونصف من انفتاحهم على العلوم الغربية"[100]. وما يصدره الغرب من علوم وتقانة هو ما تجاوزه التطور العلمي وغدا متخلفا. في ضوء واقع الوهن المدعم بالغفلة والانصياع التام لمرشدات الدعاية الامبريالية فإن "الثورة الثقافية (او الاستقلال الثقافي) تكتسب معناها الأصيل ، إذ انها تشير الى نضال أضنى من الصراع السياسي واطول مدى"[101] . التغيير الثقافي الثوري سيرورة واعية وهادفة تنطلق من الإدراك بأن "فرض نموذج التدريب المتبع الى خلق مثقفين وخبراء يميلون الى الولايات المتحدة ومؤسساتها السياسية والاقتصادية"[102] حيلة مخادعة وشرك تورطت فيه أجيال من التربويين العرب.
في الحلقة الثالثة نقارب قضية التحرر الثقافي



#سعيد_مضيه (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشيوعيون سعوا لتجنب النكبة ولم ينصاعوا لموقف سوفييتي
- هشام شرابي المفكر الماركسي - الحلقة الأولى
- كيف نقلم التناقضات بين نضالات توجب التحالف والوحدة
- داخل روسيا يحسم الصراع حول أكرانيا
- متاهة قوى التغيير الاجتماعي .. مازق التحرر الوطني
- يوم الأرض في التصدي لاحتلال اقتلاعي
- يوم الأرض-1
- وحشية أميركا في العراق فاقت بكثير ما تقوم به روسيا في أكراني ...
- المسئولون عن غزو العراق مجرمو حرب يعاقبون روسيا!
- سيمور هيرش في استقصاءاته الصحفية- الحلقة الأخيرة
- سيمور هيرش في استقصاءاته الصحفية-6
- سيمور هيرش في استقصاءاته الصحفية -5
- سيمور هيرش في استقصاءاته الصحفية -4
- سيمور هيرش في استقصاءاته الصحفية-3
- سيمور هيرش في مذكرات استقصاءاته-2
- سيمور هيرش في مذكرات استقصاءاته .. -1
- التضامن الأممي ..نستثمره ام نتفيأ بظله؟
- ماذا يكمن خلف صخب الدعاية المتصاعد حول أكرينا؟
- نظام التفاهة - الفصل الثالث :: التفاهة إلهاء وإفساد – الحلقة ...
- نظام التفاهة- الفصل الثالث : الثقافة والحضارة - الحلقة الساد ...


المزيد.....




- نمر يحمل قردًا نافقًا.. إليكم صور القائمة المختصرة بمسابقة م ...
- محاولات مصرية لاستعادة حجرها الأغلى في التاريخ المسروق في بر ...
- إعلان تفاصيل نتائج مفاوضات وفد حكومة الاقليم في بغداد
- النزاهة في الإقليم تؤشر فراغاً قانونياً بموضوع مكافحة غسيل ا ...
- وزير الداخلية يقيل مدير مكافحة المخدرات في البصرة
- تعديل قانون الانتخابات في العراق: محاولة لإعادة مكاسب القوى ...
- ماكرون يحذر من إجراءات بايدن -العدوانية- ومن -تفتيت الغرب-
- دراسة تكشف عن مخاوف في مصر من استخدام الروبوتات
- أوكرانيا تفكك نصب صاحب -كيف سقينا الفولاذ-
- أردوغان يترأس اجتماع مجلس الأمن القومي الأخير لبحث عملية بري ...


المزيد.....

- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح
- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد / ياسين الحاج صالح
- حزب العمل الشيوعي في سوريا: تاريخ سياسي حافل (1 من 2) / جوزيف ضاهر
- بوصلة الصراع في سورية السلطة- الشارع- المعارضة القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمج ... / محمد شيخ أحمد
- في المنفى، وفي الوطن والعالم، والكتابة / ياسين الحاج صالح
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - سعيد مضيه - هشام شرابي المفكر الماركسي-2