السقوط ليس حدثًا طارئًا، بل قابلية كامنة
بشير الحامدي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 16:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كنت أتوهم أن بعض الوجوه التي عرفتها قد بلغت من الثبات حدًّا يعصمها من السقوط، فإذا بها تكشف لي هشاشة القناعة حين تُختبر.
أيُّ انحدارٍ هذا الذي تنزلقون فيه حتى تغدوا أدواتٍ صمّاء في آلةٍ لا روح لها... آلةٍ تبتلع المعنى وتعيد إنتاج الفراغ؟
إن التحول الذي يعتريكم ليس مجرد تبدّلٍ في المواقف بل هو انتقال من الفاعلية إلى الوباء من الإبداع إلى عدوى العدم.
كنتم في زمنٍ مضى تُنشدون خارج السرب تقاومون ابتذال الانسياق فإذا بكم اليوم تلتحقون... لا لتضيفوا صوتًا جديدًا بل لتفقدوا أصواتكم أصلًا.
هناك حيث يتوقف الخلق، لا يبقى إلا الضجيج والضجيج فقد للمعنى.أهذه أهذه هي المسغبة التي أوقعتكم في هذا التردّي؟
يا من تدّعون نصرة القضايا لو كان السقوط قدرًا فليكن على الأقل في اتجاهٍ أسمى لا في هاويةٍ أدنى. لكن المفارقة القاسية أن ما تبقى ليس تفاضلًا في العلو بل تنافسٌ في درجات الانحدار.
أتذكر قولًا قديمًا كانت أمي تصر دائما على تذكيري به : إن التجربة وحدها تفكك الأوهام.
وقد أدركت متأخرًا أن بعض الأصوات التي كنا نظنها صدى للمعنى لم تكن إلا رجعًا قادمًا من الأعماق السحيقة من حيث يعلو الضجيج كلما غاب الجوهر.
ظننتُ أن بعضكم قد تحصّن ضد السقوط، فإذا بي أكتشف أن السقوط ليس حدثًا طارئًا، بل قابلية كامنة تنتظر لحظة انكشاف.
ما أنتم فيه ليس مجرد انحراف بل انخراطٌ واعٍ في آلةٍ تمحو المعنى وتستبدله بضجيجٍ أجوف. حين يجفّ منبع الفكر يتحول الإنسان إلى صدى...
والصدى لا يُبدع بل يكرّر. إن المأساة ليست في سقوطكم، بل في ضحالة الاتجاه الذي سقطتم نحوه.
تونس 30 أفريل 2026