ليتنا نكونُ صادقين وشرفاءَ!


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 11:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial

عنوانُ المقال من كلمة الرئيس "السيسي" في احتفالات عيد الشرطة: “ليتنا نكون مسلمين ومسيحيين صادقين وشرفاءَ نُتقن العمل ونحب الوطن!" وقال إن الدولة تقف على مسافة متساوية من جميع العقائد، وحتى مَن فاتته معرفةُ الله، له كاملُ الاحترام من دولته. وتلك بديهةٌ. فالدولة لا تُصلّي، بل تحمي حقَّ الصلاة. الدولةُ لا تؤمنُ، بل تحمي حقَّ الإيمان، وحقَّ عدمه كذاك. بكل بساطة: السماءُ لله، والأرضُ والدول للعدل، والعمل، والعقل.
هذه البديهيات التي يقولها الرئيسُ منذ بداية حكمه قولا وفعلا، هي ما يقوله المستنيرون منذ دهور. وهو ذاتُ الكلام الذي بُحَّ صوتي ونفد مدادُ قلمي وأنا أردده منذ ربع قرن في كتبي ومقالاتي ولقاءاتي، فما كان نصيبي إلا التكفيرُ، والاغتيالُ الأدبي والمعنوي، والملاحقات القضائية والحكم بالسجن، والاغترابُ عن وطني، والإقصاء، والحرمانُ من حقوقي الأدبية!! تلك البديهياتُ يُدركها أيُّ طفل في الدول المتحضرة التي استثمرت في تعليم أبنائها بحق. من العيب ومن العجب أن نظلَّ نكررها كأنها ابتكاراتٌ تُدهشنا حين نسمعها. وبدلا من أن تأخذ مساحتَها على أرض التنفيذ، ونتجاوزها للأرقى فنبتكر وننتج ونخترع ونبدع، نصحو في اليوم التالي لنعيد ترديدها، ونستعيد الدهشة منها من جديد، ثم ننساها!
ما قاله الرئيسُ السيسي حول حقوق المواطنة وحرية العقيدة، وما نقولُه منذ عرفنا الكلام، هو بالضبط مفهوم "الدولة المدنية"، والتعريف الأصدق للعلمانية. "العلمانية"، التي ما زال اسمُها يُثير الهلعَ في عقول البسطاء، بعدما شيطنَها الكذبةُ الأفاقون، ليست إلحادًا، ولا حربًا على الدين، بل هي تحريرٌ للدين من السُّلطة، وتحريرٌ للإنسان من الوصاية. "العلمانية" هي أن يستقرَّ الإيمانُ في القلب، ويعلو القانونُ في المجال العام، ويُقاس البشرُ بأفعالهم وإنجازاتهم، لا بانتماءاتهم العَقَدية. الدولة المدنية والعلمانية، ليستا بدعة غربية، ولا مؤامرة على الإيمان، كما يظن البسطاءُ الذين تشوّهت معارفُهم بفعل الأدعياء المخادعين، بل هما ضرورةٌ تاريخية حين تتعدد الأديانُ، وتتشابك المصائرُ، ويصبح العيشُ المشترك مسألةَ بقاءٍ لا ترفًا فكريًّا. ببساطة: أن يتسيَّدَ القانونُ في المجال العام، وأن تظلَّ العقيدة شأنًا حرًّا في المجال الخاص. لهذا قال الفيلسوف الإنجليزي "جون لوك": "الدولة لا شأن لها بخلاص الأرواح، بل بحفظ الحقوق المدنية”. وتلك قاعدةُ بناء مجتمع قابل للحياة.
تلك بديهياتٌ لم يعُدِ العالمُ يناقشها، لا في العالم الأول، ولا في معظم الدول العربية. فقط في مصر مازلنا نلوكها عامًا بعد عام وعقدًا بعد عقد. لماذا؟ لأن بمصرَ مَن يريد لها أن تظل تدور حول نفسها ولا تتقدم. أنا مسلمةٌ؛ لكن إسلامي علاقةٌ شخصية بيني وبين خالقي، لا بطاقةَ تعريفٍ ولا سلاحًا ألوّحُ به في وجه الآخرين. والمسيحيُّ كذلك، واليهوديُّ، والبهائيُّ، والبوذيُّ، والكونفوشيوسيُّ والطاويُّ والهندوسيُّ، واللاديني واللاأدري والملحد. جميعهم، بلا استثناء، مواطنون في دولهم؛ لهم كاملُ الحقوق وعليهم كاملُ الواجبات. هل تراه كلامًا بديهيًّا يا عزيزي القارئ المثقف؟ نعم هو كذلك. ولماذا نكتبه مادام بديهيًّا؟ لأننا يا عزيزي مكتوبٌ علينا أن نقضي أعمارَنا في قول البديهيات، مادامت تثيرُ الدهشة، ولم تتحول بعد إلى واقعٍ حيٍّ نعيشه ببساطة ودون عنت! في الدول التي سبقتنا حضاريًا، وفي الخليج وعديد الدول العربية، يُعدُّ سؤال: "ما دينك؟" تعدّيًا فجًّا على الخصوصية، وقد يُعرّض السائلَ للمساءلة القانونية. أما عندنا، فما زال السؤال يُطرح بتبجح وبلا خجل، وكأن الدين جوازُ مرور اجتماعي، لا شأنٌ روحيّ! ومازال المفكرون يلاحَقون ويُسجنون دون جريرة!
والقرآنُ الكريمُ ذاتُه حسمَ المسألة، بلا مواربة: "لا إكراه في الدين”. هذه ليست آية تسامح عاطفي، بل مبدأ فلسفيٌّ صارم، ينفي عن الإنسان حقَّ السيطرة على ضمير إنسان آخر. فأي دولة، وأي جماعة، وأي فرد، يملك بعد ذلك حقَّ التأله على الله، والتفتيش في القلوب؟!
فقط في بلادنا، تحوّلت سوشيال ميديا إلى ساحات قتال، لا إبداع. شتائمُ بدل القصائد، تكفيرٌ بدل اللوحات، تنمّر وبذاءات بدل الأفكار والابتكارات. بينما العالمُ من حولنا يتقدّم ويخترع، يبتكر ويعالج الأمراض، ويرتقي سُلّمَ الحضارة، بلا التفات إلينا!
لسنا بحاجة إلى إعادة تعريف المُعرَّف، بل إلى شجاعة التطبيق. أن نفهم أن الدولة لا تُدخل الجنة ولا النار، وأن حساب الضمائر ليس من اختصاص الحكومات والجماعات والبشر، بل شأنُ الله وحده. وبحجم ما نُحرّرُ الإيمانَ من السُّلطة، ونُحرّر السُّلطةَ من الإيمان، نُنقذ الاثنين معًا: نحمي الدينَ من الابتذال، ونحمي الدولةَ من الانهيار. ليتنا نكون صادقين وشرفاءَ فعلًا، لا شعارًا. ليتنا نُتقن العملَ لا الوعظ والوصاية. ليتنا نحبُّ الوطن بما نُنتجه له، لا بما نزايد به عليه. فالأوطان لا تُبنى بالتكفير والوصاية، بل بالعمل والإبداع.
***