في معرض الكتاب… الروايةُ تفتحُ لي بابَها


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 12:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial

هناك كتبٌ نقرأُها، وكتبٌ نكتبُها، وكتبٌ تظلُّ سنواتٍ تقف في الظلِّ، تراقبُنا، تنتظر أن ننضجَ بما يكفي لنحتمل ثِقَلَ أوراقها. ربما هذه العبارة هي الردُّ الحاسم لكل مَن سألني: “لماذا تأخرتِ، ولماذا دخلتِ عالمَ الرواية، بعد تمنّع امتدَّ ربع القرن قضيتِه في دروب الشعر والترجمة والصحافة والنقد الثقافي؟" والحقُّ أنني لم أدخل "الرواية" متأخرةً، بل دخلتُها في موعدها الخفيّ.
هذا العام، وأنا أخطو من بوابة "معرض القاهرة الدولي للكتاب"، شعرتُ أنني لا أزوره كعادتي، بل أُستَقبَل فيه. كأن المكان يعرف عني سرًّا، ينتوي إفشاءه. سمعتُ القاعاتِ والأجنحةَ ورفوف الكتب تهمسُ لي: "الآن!” أن تكون شخصية المعرض "نجيب محفوظ"، فذلك ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. لأن "نجيب محفوظ" ليس كاتبًا عظيمًا نحتفي به، بل زمنًا كاملًا تعلّمنا فيه كيف نحيا داخل الحكاية دون أن نُفسد الواقع. هو الذي جعل الرواية بيتًا مصريًا واسعًا، له شرفاتٌ على الفلسفة، ونوافذُ على السياسة، وسلالمُ تؤدي إلى الأسئلة الكبرى، دون ضجيج.
وأن تصدر روايتي الأولى في عام يكون فيه "محفوظ" بطلَ معرض الكتاب، فتلك ليست إلا "فلسفة المصادفة" التي تكلّم عنها المفكر "محمود أمين العالم"، أبي الروحي وأولُ مَن نصحني بكتابة الرواية قبل عشرين عامًا لامتلاكي "النَفَسَ السردي" على حدّ قوله، واتفق معه الناقدُ الكبير "رجاء النقّاش"، رحمهما الله. لكنني تخوفتُ من اقتحام هذا العالم المشتجّر بالحياة، أنا التي أخافُ الحياةَ أكثر مما أخافُ الموت. وظللتُ ربع قرن أكتب الشعرَ والترجمات والنقد، وأصدرتُ أربعين كتابًا، ليس من بينها روايةٌ واحدة. وحين أتممتُ روايتي الأولى هذا العام، وسلمتُها للناشر، غمرني شعور من يضع يده الصغيرة في يد مدينة كاملة. على أنني لم أكن يومًا بعيدة عن الرواية. كنتُ أدور حولها. أختلسُ النظرَ إليها، فإذا ما بادلتني النظرَ، أطرقتُ، وأغمضتُ عيني خجلا. وكلما همستْ لي: "اكتبيني الآن!”، همستُ لها: “ لستُ مستعدة.”
ترجمتُ روايات "فرجينيا وولف" التي هشّمت الزمنَ إلى تيار وعي، و"فيليب روث" الذي أوقفَ الإنسانَ عاريًا أمام تاريخه ليفضح وصمةَ العنصرية، و"تشيمامندا نجوزي أديتشي"، التي أعادت للسرد أخلاقَه دون وعظ، و"تشينوا آتشيبي" الذي أعادَ للإنسان المُستعمَر صوتَه المسلوب، وكتب من داخل الجرح لا من شُرفته العلوية. جميع من سبقوا، جعلوا الأدبَ فعلَ استعادة ومقاومة، لا زينةً. اكتشفتُ أنني سنواتِ هروبي من الرواية، كنت أتعلّم منهم، لا فنون السرد وأسرار اللغات، بل "الشجاعة". شجاعة خوض المجهول.
أستاذي "رجاء النقاش" لم يُغوِني بالرواية، بل صالحني عليها، وأزال خوفي منها. وبطل حياتي "محمود أمين العالم" لم يدفعني للرواية بوصفه ناقدًا، بل حرّضني عليها بوصفه مناضلًا يعرف أن الأفكار لا تكتمل إلا حين تُروى.
ومع ذلك، ظللتُ أؤجّل. كنتُ أعرف أن الرواية ليست جنسًا أدبيًا، بل مسؤولية وجودية. أن تكتبَ رواية، يعني أن تضع مخاوفك على الطاولة، دون أقنعة الشعر. غرستُ بذرة الرواية في تُربتي منذ خمسة عشر عامًا، وتركتُها دون رِيٍّ. كبرتُ، وتغيّر العالمُ، وتكسّرت أوهامي وأحلامي بأن أُصلحَ العالمَ ليصيرَ أجملَ وأكثرَ عدالةً ورحمة. بينما هي، الرواية، بقيت: صامتةً، صابرةً، حتى هذا العام؛ حين شعرتُ أن بوسعي فتح الباب دون خوف. وكانت "قبو الورّاق"، روايتي الأولى التي احتفى بها النقادُ في قاعة "ملتقى الإبداع" بالمعرض. د.“فاطمة الصعيدي"، د.“مجدي نصّار"، والشاعر "شعبان يوسف"، ونخبة من المثقفين والأدباء الذين حضروا مناقشة وحفل توقيع الرواية، حوّلوا رهبتي من اقتحام "الرواية" إلى فرح واطمئنان.
معرض الكتاب هذا العام لم يكن إذن احتفالًا بالكتب فقط، بل احتفالٌ بالمسارات الطويلة، بالنصوص التي تأخرت وهي تنتظر أصحابها. أقفُ أمام روايتي كما تقف الأمُّ أمام طفلها الأول: دهشة، خوف، وفرح لا تصفه الكلماتُ. أتذكّر كل المعارض السابقة، التي جئتُ فيها قارئة، وشاعرة، ومترجمة، وأبتسم: لم أكن أعرف أنني كنتُ أتدرّب على هذه اللحظة.
في حضرة "نجيب محفوظ"، وفي مدينة علّمت العالم كيف تُنجَبُ الحكاياتُ، أقولُ لمكتبتي: تأخّرتُ لأن الطريقَ كانت وعرة، ولأن الرواية لا تُكتب إلا حين يحين وقتُ نزيفها. هذا العام، لم آتِ إلى معرض الكتاب لأشتري كتبًا وأقول الشعر وأوقّع دواويني وكتبي، بل لأُخرج روايتي الأولى من عتمة الانتظار إلى ضوء الرفوف. "قبو الورّاق" ليست حكاية كتبها خفقُ قلمي، بل نصٌّ صوفيٌّ يحفرُ في الذاكرة المثقوبة، حين يتحوّل القبو إلى مسرح حلول لمواجهة النسيان والاغتراب، وساحة صراع الإنسان ضد محو هويته، حيث يصبحُ الحرفُ سلاحًا، والكلمةُ دِرعًا، واللغةُ فعل مقاومة ضد الإلغاء القسري للوجود. وأما الكتبُ فهي الحياةُ التي تنطقُ بعد صمتها الطويل.

***