“رادار- CIC يرصدُ جرائمَ بلا وجوه


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 11:46
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial

ثمّة جرائمُ لا تُرى، دون رصاصة أو خنجر، لكنها تتركُ في الروح صدوعًا لا تبرأ. في الفضاء الرقمي، تكفي ضغطة رابط لتفتح مجاهيل الفقد: فقد الخصوصية، الطمأنينة، أو المال. من هنا جاءت ندوة توعوية أطلقها فريقُ مشروع التخرج “رادار” بكلية إعلام CIC الكندية، لإضاءة تلك المنطقة الرمادية التي يلتقي فيها الضوءُ بالظل. جاءت الندوة مسايرةً لجهود الدولة لنشر الوعي الرقمي، وحماية المجتمع من مخاطر الجرائم الإلكترونية التي لم تعد على هامش الحياة، بل صارت جزءًا من تفاصيلها اليومية. ينطلق المشروع من فكرة أن حماية الأمن المعلوماتي تبدأ من توعية الأجيال الأصغر: Gen Z وGen Alpha، الذين يشكلون قلب العالم الرقمي، الأكثر عرضة للمخاطر.
شهدت الندوة مشاركة لافتة من المتخصصين والطلاب، في مشهد يؤكد أن مواجهة الجريمة مسؤولية مشتركة. قدّم اللواء "حامد فايد"، خبير جرائم تقنية المعلومات، قراءة عملية لصور الاختراق الإلكتروني والاحتيال الرقمي، مشيرًا إلى أن الحماية تبدأ من تفاصيل صغيرة قد يستهين بها المستخدم. فيما أضاء الدكتور "إبراهيم أحمد"، محلل السلوك الجنائي، الجانبَ النفسي للمجرم والضحية، متوقفًا عند آثار الابتزاز والتنمر الإلكتروني، التي قد تمتد إلى ما هو أبعد من الشاشة. وكان الصوتُ الديني حاضرًا عبر الأستاذ "حسين القاضي"، مدير عام مراكز الثقافة الإسلامية وعضو المكتب الفني لوزير الأوقاف، والقمّص "أشعياء لمعي"، ليؤكدا أن التكنولوجيا لابد أن تظل محكومة بالقيم الإنسانية العليا والأخلاق الرفيعة التي تدعو إليها الأديان مثل: احترام الخصوصية، ورفض الإيذاء، وعدم استباحة الآخر. ذاك أن الوعي الأخلاقي، قبل أي إجراء تقني، يظل خطَّ الدفاع الأول. وعلى المستوى التطبيقي، قدّم الدكتور "محمد منصور"، مستشار الأمن السيبراني، نصائح مهمة لحماية الحسابات والبيانات الشخصية، واضعًا الحضور أمام مسؤولياتهم الفردية في هذا الفضاء المفتوح. ثم جاءت مداخلتي لتطرح سؤالا جوهريًّا: ما دور الإعلام في مواجهة تلك الجرائم؟ هذا السؤال لا يتعلق بوظيفة الإعلام وحسب، بل يمسُّ طبيعته. فالإعلام لم يعد كيانًا يقف خارج الحدث ليرويه، بل صار جزءًا من بنيته، يؤثر فيه ويتأثر به.
الإعلام، في أبسط صوره، هو أداة توعية. لكنه لا يكتفي بنصائح عابرة من قبيل “لا تضغط على رابط مجهول”، بل يسهم في بناء ثقافة رقمية متكاملة، تجعل المستخدم واعيًا بالعالم المعلوماتي الذي يحيط به، ومدركًا أن كل نقرة قد تكون قرارًا، ومصيرًا. بعدئذ يأتي دوره في كشف الجرائم وتعريتها؛ حيث لا يكتفي بنقل الخبر، بل يحلله ويشرّحه: كيف حدثت الجريمة؟ وأين مكامن الخلل؟ وكيف أسهمت الضحيةُ فيها دون قصد؟ فالضوء الذي يُسلَّط على مناطق الظل لا يكتفي بالكشف، بل يردع. كما أن الإعلام بوسعه أن يخلق رأيًا عامًا ضاغطًا يدفع نحو تطوير التشريعات، أو تغليظ العقوبات، أو إعادة النظر في آليات حماية البيانات. وبرغم كل ما سبق من إيجابيات، فالإعلام ليس بريئًا دائمًا؛ إذ يمكن أن يتحول إلى جزء من المشكلة، حين ينخرط في نشر الشائعات، أو تضخيم الجرائم بطريقة قد تروّج لها. لهذا، كان عليَّ التأكيدُ على فلسفة "التربية الإعلامية" بوصفها حجر الزاوية: أن يتحول المتلقي من مستهلكٍ سلبي إلى قارئ نقدي، يسألُ ويفكك ويُشكّك، بدل أن يمرر كل ما يصله دون تدقيق.
الجميلُ في الندوة لم يكن فقط ثراء الطروحات، بل ذلك التفاعل الحيّ بين المنصّة والطلاب، الذين طرحوا أسئلة ذكية كشفت عن وعي ورغبة في الفهم، لا الاكتفاء بالتلقي. تلك اللحظات، في تقديري، هي الجوهرُ الحقيقي لأي فعالية حيّة: حين يتحول الحوار إلى عصف ذهني ومساحة للتفكير التفاعلي.
أعربُ مجددًا عن سعادتي بالمشاركة في هذه الندوة، وامتناني التكريم المدهش الذي حظيتُ به. ولا يفوتني توجيه الشكر لفريق "رادار" بقيادة د. "شيرويت سامح"، تحت رعاية قيادات الكلية: أ.د. "ماجي الحلواني"، أ.د. "نرمين الأزرق"، أ.د. "آمال الغزاوي"، د. “ياسمين علي"، د. “نِعَم محيي"، لما بذلنه من جهد في إخراج هذه الفعالية على هذا المستوى الرفيع.
في النهاية، تبقى الحقيقةُ الأهم: أن الجرائم الإلكترونية لن تختفي؛ فقد أصبحت جزءًا من طبيعة العصر السيبراني الذي نحياه، لكنها قد تتراجع أو تُحاصرَ بتكريس الوعي. لذا فالمعركة ليست وحسب ضد المجرم، بل ضد الجهل بالمعلومة. علينا الاعترافُ بأننا نحيا في عالم تُرتكب فيه الجرائم بضغطة زرّ. وأداةُ الجريمة من الصعب تحريزها، فهي ليست رصاصةً ولا خنجرًا، كما أن المجرم متخفٍّ وراء شاشة. لهذا فهي جريمة بلا وجه. وهنا، يكون الدرعُ الواقي الأهم هو "العقل الواعي" الذي يعرف كيف يقرأ ويفكّر، قبل أن يضغط.
***