الأمهاتُ…. ساكباتُ الطِيْب


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 12:06
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

الأمهاتُ اللواتي
حين يرحلنَ إلى رحابِ الله،
تَنبتُ الزهورُ على حوافِّ النوافذِ،
وتبتسمُ السماءُ،
حين تهمسُ الملائكةُ للصغار:
لا تبكوا،
فالجميلاتُ قد وصلنَ ديارَنا في سلام،
وهُنَّ الآن مشغولاتٌ
بسكبِ الطِيْبِ في أركانِ الجنّة،
مثلما كُنَّ يسكبنه في أرضكم.
***
ليس أجملَ من مشهدِ ابنٍ يقفُ جوارَ نعشِ أمّه، يمَسُّه بيده ليطمئنَ، مثلما كان يطمئنُ حين تمسكُ يدَه طفلا في طريق المدرسة. يكبح دموعَه، ويحكي كيف كانت تسكبُ الطِيْبَ فوق رؤوس أطفالها، ليصيروا أنفسُهم الطِيْبَ الطَّيّبَ الذي يتفرّعُ من شجرتها. طِيبُ الأمهات هو تعليمُ الصغار أن يعيشوا بالمحبة لجميع خلق الله دون تمييز. الأمُّ التي تعلّم أبناءها كيف يجولون في طرقات الحياة يصنعون الخيرَ، تشبه تلك المرأةَ التي سكبت قارورةَ طِيْبٍ نفيسٍ تحت قدمي السيد المسيح عليه السلام، ولما نهرها الناسُ لأن بثمن العطر المسكوب كان يمكن إطعامُ فقراءَ كثيرين، دافع عنها السيدُ المسيح لأنها بفعلتها صنعت رمزًا يُطوِّبُ القدمين الطاهرتين اللتين تجولان تصنعان الخيرَ لفقراء الارض والمنبوذين.
هكذا كانت الأم العظيمة "مارجريت توفيق"، والدة أصدقائي: الفنان "هاني رمزي"، الدكتور "إيهاب رمزي"، المستشار "أمير رمزي"، والمحامية "نهال رمزي"، التي رحلت بالأمس بعدما تركت طِيبًا كثيرًا تجلّى في أبنائها الذين أنشأوا مؤسسة "راعي مصر" لخدمة الفقراء دون خطّ الفقر في جنوب مصر من المسلمين والمسيحيين دون تمييز. ورغم مشاغلهم في القضاء والبرلمان والمحاماة والفن، نذروا حياتهم من أجل المأزومين، كما علّمتهم أمُّهم الفاضلة، ووالدهم الراحل المستشار "عادل رمزي حنّا" المحامي الشهير ونقيب المحامين بالمنيا. الطِيْبُ، في جوهره، هو تربية الأبناء على الرحمة والصلاح، وأن يبذلوا أنفسهم من أجل غيرهم، ذاك هو العطرُ الذي لا يجفُّ. وبهذا المعنى فإن تلك الأمُّ الجميلة لم ترحل، هي فقط غيّرت عنوانها، لأنها موجودةٌ في طِيبها الذي أنبت أولادًا وبناتٍ يشرّفون مواقعهم في الوطن، ولا يتوقفون عن الخدمة المجتمعية الرفيعة، “من ثمارهم تعرفونهم”.
في صلاة جنازتها حكى الأب "داود لمعي" بعض مآثر الراحلة الجميلة، واختتم كلمته الجميلة بأن الأرضَ قد تنسى الطِيْبَ، لكن السماءَ أبدًا لا تنسى. لهذا لم يكن في قاعة الكنيسة موضعُ قدمٍ لأن للراحلة أياديَ بيضاءَ ونفحاتِ عطرٍ في كل مكان. في كلمتها، قالت ابنتها "نهال" وصوتُها يُشرقُ بالدمع، إن أمّها كانت المدرسة التي علّمتهم المحبة والعطاء والتواضع. كانت تقوم بتنظيف نجف الكنيسة بنفسها حتى تعلّم أطفالها التواضع والعمل. كما علمتهم أن يروا في كل محتاج فرصة للعطاء ليكون الإنسانُ إنسانًا. ثم شكرت زوجات أشقائها الجميلات: “منى- عبير- ليديا" لأنهن كُنّ لوالدتها بمثابة البنات البارّات. وقال المستشار "أمير" إنه في السنوات الأخيرة لاحظ أن والدته لم تعد تتحلّى بمجوهراتها؛ ولما سألها أخبرته أنها باعتها كلَّها لتساعد الفقراء،لأنها أرادت أن تذهب إلى السماء خفيفةً بلا زينةٍ ولا ثراء. وحكى عن واقعة مدهشة حين كانت في زيارة للمنيا/ بني مزار، وطرقت باب أحد بيوت القرية لتدخل الحمّام، فأخبرتها ربّةُ البيت أن لا دورة مياه في بيتها. فما كان من السيدة "مارجريت" إلا أن شيدت لها دورة مياة جميلة، دون صخب وفي الخفاء. وفي عيد الأم كل عام يسألُها أبناؤها عمّ يجلبون لها من هدايا، ودائمًا ما تكون إجابتُها: "اجمعوا من بعض وجهّزوا عروسة فقيرة". وكانت وصيتُها الأخيرة لأبنائها قبل أن تذهب إلى السماء: “خدوا بالكوا من الغلابة والأيتام والأرامل.” وحين تأكد لها أن موعد لقائها بالله قد حلَّ، طلبت منهم أن يوزعوا على المُشيعين في عزائها هدايا "بابا نويل"، حتى يقترن رحيلُها بفرحة العام الجديد، لا بالدموع.
هكذا الأمهاتُ ساكباتُ الطِيْب. رحيلُهنّ ليس نهاية الحكاية، بل بدايتُها الأصدق. في فلسفة أخلاقيات الفضيلة Virtue Ethics، لا يُقاس الفعلُ الأخلاقي كحادثة منفردة، بل بوصفه عادةً متراكمة تُشكِّل طبيعةَ الإنسان. الأمُّ الحقيقية تصهر نفوسَ أولادها كما يُصهر الذهبُ الذي يشعُّ في وجوه الناس محبةً وخدمةً وعطاءً. الأمُّ الكريمة لا تكتفي بصنع الأفعال الطيبة، بل تصنعُ أبناء طيبين يجولون يصنعون الخير وينثرون العطرَ والطِيْبَ أينما حلّوا. فالعالم لا يتغيّر للأجمل بالضجيج والصخب، بل بالأثر الصامت المتراكم. أُعزّي أصدقائي الغالين لأنني أعلمُ حجمَ الوجع الذي يضربُ القلب حين تطير أمهاتُنا للسماء وأيادينا لا تزال مُعلّقةَ في أطراف أثوابهن. لكنّ عزاءهم أنها الآن تسكبُ الطيب في السماء، ليهمي على رؤوسهم ندىً وقطراتِ مطرٍ عطِر، لا يخبو شذاه.

***