التوحُّد… جوقةُ تراتيلَ حول عصفور


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 14:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial
لم أكتب هذا النصَّ؛ أنا فقط فتحتُ النافذةَ، فدخلتِ العصافير. ما ستقرؤونه اليومَ ليس بقلمي وحدي، بل بأقلام قراء مثقفين كتبوا على صفحتي تأملاتهم الصوفية في تجربتي مع ابني الواقف على "طيف التوحد”، حين أعلنتُ خوفي عليه بعد رحيلي عن الحياة. والحقُّ أن تعليقاتهم من الغزارة والجمال بحيث تستحق كتابًا مستقلا يجمعها. ومَن يدري ربما أعمل على هذا الكتاب يومًا. اخترتُ لكم اليومَ قطوفًا من شجرة الإبداع التي غرس بذرتَها قرائي، ويروونها كل يوم بماء حروفهم، حتى صارت حديقة غنّاء.
بدأت الحكايةُ بتعليق الأديب "أحمد رجب": حضور "عمر" في كل تفاصيلك هو تجلٍّ للنور في أنقى صوره. ذلك الانسحابُ الروحي نحو ملكوت النقاء البعيد عن الضجيج. ومن واقع تعمقي في أغوار "طيف التوحد" وقوانين التخاطب الخفيّ؛ أؤكد لك أن ما يبدعه "عمر" بصمته، هو لغةُ ارتقاء وجودي تُفكّك بِنية إدراكه الحسي الفائق، وتصوغها في سيمفونية تعجز عنها أسماعُ العامة. إن عالمه يحتاج إلى الانصهار في إيقاعه الخاص وفك شفرات تواصله غير اللفظي التي لا تدرك أبعادَها إلا روحٌ خبيرة تملك مفاتيحَ الدخول إلى تلك الحصون المنيعة. ثقي أن هناك مَن يحملُ في جعبته العلم واليقين ليحوِّلَ هذا الطيفَ إلى ضياء يغمر الروح. وإني لأستشرف بيقين تلك اللحظة التي سنحتفي فيها بافتتاح معرض الفنان "عمر" لنرى كيف يترجم صمتُه لوحاتٍ تعجز عنه الحروفُ. لنا ميعادٌ لا يُخلف بإذن الله.)
وكان رديّ عليه: ليس أجملَ من أن أفتح عينيّ على هذه الإشراقة الصوفية المدهشة. أتفق معك أ. "أحمد"، وأدركُ أن صمت ابني لغةٌ وجودية وفنية أسمى من أن تدركها لغاتُنا المحكية. لكنني غير واثقة من أن العلم قادرٌ على انتزاع خوفي عليه حين يضطر إلى مواجهة العالم وحيدًا بعدما أمضي. كيف بوسع العلم أن يساعد عصفورًا يحلق بجناحيه في العلا حين يسقط فجأة ويُجبَر على هجر جناحيه والسير على الأرض بين الناس؟ لا محال سوف تسحقه الأقدامُ الثقيلة. لكن ثقتي في الله لا حدود لها وأعرفُ أنه تعالى مُدّخرٌ لابني خطّة لا تخطر على بال بشر. هذا رجائي وأملي.
وجاء ردُّه: ثقي يا سيدتي أن عصفور العلا لا يسقطُ وفي الكون أرواحٌ جبلها الله على نور الوفاء. ومَن كان في حِمى الجلال سخَّر الُله له قلوبًا تكون هي الأرض التي يمشي عليها بأمان. نامي بسلام فالأقدامُ الثقيلة لا تملك سلطانًا على من حَفّه النور. والوعودُ العلوية لها ميعادٌ لا يضل.)
بعد هذا الحديث، توالتِ التعليقاتُ المدهشة.
"عواطف سعيد": كل المفاتيح التي تعاملت مع "طيف عمر" هي الأمومة. الأم الواعية المثابرة التي تحتملُ البُطء والعناد والرفض والعنف، ورافقت ابنَها في جميع التدريبات: ركوب خيل، السباحة، الدراجات، الرسم، الموسيقي، واصطحابه في جميع المحافل والمؤتمرات والأسفار، وحتي في تقديم واجب العزاء والأفراح؛ لكي يكتسب شجاعة المواجهه وإتقان دور الرجولة في المجتمع. فصار اليومَ يصافح ويبتسم ويحاول الكلام. ليس كل حالات الشفاء من الأطباء والمصحات؛ بل وراء كل شفاء ونضج أمٌّ حانية واعية طموحة مثلك؛ لديها إيمان بربها، وثقة بأنهم سيجتازون الصعاب. كل التحية والتقدير للأم "فاطمة ناعوت".
"آمال شكري": العبد في التفكير، والرب في التدبير. اطمئني يا أستاذة علي الملاك "عمر". دائما نقول: "سلَّمنا فصرنا نُحمَل". فحين نُسلّم أمرَنا لله يحملنا علي أذرعه الإلهية. كوني مطمئنة.
"حسن العمري": الذي خلقه سيرعاه. هذا أمر حتمي لا شك فيه. ولكن سيتم هذا بجهد البشر الذين أعطاهم الله القدرة علي إنفاذ مشيئته. أن يقوموا بعمل مؤسسات تتحمل هذه المسؤولية عن أباء كبُر سنُّهم و قلَّ عطاؤهم أو رحلوا و تركوا بيننا هديةً لنرعاها ونكسب بها رضي رب العالمين . أ. "فاطمة"، اعتبريها دعوة لنبدأ بعمل مؤسسات ترعي أولادنا بعد رحيلنا وتركهم دون سند. فمصر أهلٌ لمؤسسات الإنسانية.
"فائزة قلادة": لا تخافي علي "عمر"؛ فهو ملاك طاهر في حماية ربنا. هو الذي يعطيك القوة والإصرار، فاستمري وأشبعيه من حبك.
"هاني يارد": دروب الحياة صعبة وكثيرة ولكن للعصافير المتوحدين وجةٌ نظر أخرى في الحياة. لنا سيقانٌ وللعصافير أجنحةٌ، وربما تنكشف المظلةُ السمائية للطيور أكثرَ مما تنكشفُ للإنسان. ربنا يسعدك ويبارك في عصفورك لأزمنة كثيرة سعيدة بإذن الله.
***
وللأسف نفدت مساحة مقالي دون أن تنفدَ مئاتُ التعليقات الجميلة التي وددتُ اقتطافها. ولكن لعلّ القليل ينبئُ عن الكثير. ليت هذا المقالَ يكون دعوةً للدولة المصرية أن تنشئ مدينةً لأبناء "طيف التوحّد"، ترعاهم بعد رحيل أمهاتهم وآبائهم عن الحياة. قدّم الكيميائي الحيوي "رامز سعد" فكرةً طيبة لـ"مدينة الأحلام للتوحّد" ليت المسؤولين ينظرون فيها.

***