الاختلافُ… وفن بناء الجسور (2)


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 11:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial
في مقال الخميس الماضي، تحدثنا عن "الاختلاف" بوصفه مصدرَ ثراءٍ لا مصدرَ تهديد، وعن المجتمعات التي تزدهر كلما اتسعت فيها مساحة التنوّع، وتذبلُ كلما ضاقت حتى تختنق داخل قالبٍ واحد. لكن يبقى السؤال الأصعب: كيف نبني الجسور بين المختلفين؟ وكيف نعيش (لا أحب كلمة: "نتعايش"، لأنها توحي بقبول قسري على مضض) مع مَن لا يشبهوننا في الفكر أو العقيدة أو الرؤية أو الذائقة؟
لعل أول ما ينبغي إدراكه: أن الجسر ليس دعوةً إلى الذوبان في الآخر. كثيرون يرفضون الحوارَ؛ لأنهم يتوهّمون أن الإصغاء إلى الرأي المخالف تنازلٌ عن قناعاتهم، وأن الاعتراف بحق الآخر في الوجود اعترافٌ بصواب كل ما يؤمن به. والحقيقة أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك.
الجسور، أصلا، لا تُبنى بين ضفتين متشابهتين. ولو كانتا متشابهتين لما احتجنا إلى جسر من الأساس. إنما تُبنى الجسورُ لأن هناك مسافةً تفصل بين طرفين مختلفين. والجسورُ لا تلغي تلك المسافة، بل تجعل عبورها ممكنًا، ولا تذيب الضفتين في كتلةٍ واحدة، بل تحافظ على خصوصية كل منهما، وتسمح في الوقت ذاته بالتواصل بينهما.
حين درستُ العمارة في كلية الهندسة، تعلمنا أن من أسوأ نماذج التخطيط العمراني ما يُعرف بـ"عمارة عُلب الكبريت" Matchbox Architecture، حيث تتكرر البناية ذاتها مئات المرات حتى تفقد المدينة روحها وفرادتها وشخصيتها. فالتكرار النمطي لا يقتل الجمالَ فحسب، بل يطمس الشخصية ويُهدر التنوع ويذيب الفردانية. أما المدينة الجميلة، فتقوم على ما يسميه المعماريون: "الوحدة داخل التنوع" Unity within Diversity. حيث تختلف البيوت والميادين والحدائق ودور العبادة والمتاحف في الشكل والوظيفة والهُوية، لكنها تنتظم في نسيج متناغم يمنح المدينة شخصيتها الفريدة. وكذلك المجتمعات البشرية. فالوحدةُ لا تعني أن نصبح نسخًا متطابقة من بعضنا بعضًا، بل أن نتعلم كيف نعيش معًا، مختلفين ومتجاورين ومتواصلين، دون أن يفقد أيٌّ منا أصالته وفرادته، وحقه في أن يكون نفسه.
ولعل أزمة عصرنا أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يفرّقون بين الرأي وصاحبه. فإذا اختلفتَ مع فكرةٍ ما، اعتبر صاحبُها أنك تعاديه شخصيًّا. وإذا اعترضتَ على توسّل عقيدة في إقصاء الآخر أو الانتقاص من حقه، ظُنَّ أنك تهاجم العقيدة ذاتها. وهكذا يتحول الحوار إلى معركة، والاختلاف إلى خصومة وبغضاء. الواثق لا يخشى الاختلاف. فهو يعلم أن أفكاره ليست أوانيَ زجاجيةً هشةً تتحطم إذا لامسها رأي آخر. أما المتذبذب فيبني حول نفسه أسوارًا عالية، يظن أنها تحميه، بينما هي تحبسه داخل عالمٍ منغلق لا يرى فيه إلا صورته منعكسة على الجدران.
بناء الجسور يبدأ من فضيلةٍ: التواضع المعرفي. فكلما اتسعت معرفةُ الإنسان، أدرك أن ما يجهله أكبر مما يعلمه. أما ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة، فغالبًا ما يكون ابنَ الجهل، لا ابنَ الثقافة والحكمة. حين نتصور أننا نعرف كلَّ شيء، نغلق أبواب الحوار. أما حين ندرك أن الحقيقة أوسع من أن يحيط بها عقلٌ واحد، نصبح أكثر استعدادًا للإصغاء، إيمانًا بأن كل إنسان يرى المشهد من زاوية مغايرة. ولهذا كانت وتظلُّ القراءةُ واحدةً من أرقى مدارس التعاطف الإنساني.
الحضارة الإنسانية لا تحتاج إلى تشييد الأسوار، بل إلى مد الجسور. تحتاج إلى معادلة win-win حيث ينتصرُ الجميعُ في فضاء لا غالبَ فيه ولا مغلوب. فالأفكار تزدهر بالحوار، والعقول تنضج وتثرى بالاختلاف، والإنسان يكتشف حدود معرفته كلما اقترب من معرفة الآخرين.
الجسرُ لا يطلب من العابر التخلّي عن ضفّته. فالعبور إليك لمصافحتك لا يُفقدني هُويتي ولا يجعلنا أشباهًا. نلتقي، نتبادل الرؤية والخبرة والمعرفة، ثم يعود كلٌّ منا إلى ضفته أكثر فهمًا للآخر، وأكثر فهمًا لنفسه. تلك هي المهمة الحقيقية للجسور: ألا نتطابق بل نغدو أكثر إنسانية وتحضرًا ورقيًّا. أن تفتح أبواب الفهم ونغلق نوافذ الشك، فنمتلك القدرة على رؤية العالم بعيون متعددة لا بعينٍ واحدة.
فحين نتعلمُ فنَّ الإصغاء، لا نخسرُ أصواتنا، بل نُثريها بأصداء جديدة. فيغدو اللحنُ المنفرد سيمفونيةً ثرية متعددة الطبقات، لا يذوبُ فيها الفردُ بل يتأكد ويجد مكانه. وحين نحترم حقَّ الآخرين في الاختلاف، لا نُضعف قناعاتنا، بل نصقلها بأن نمنحها فرصة أن تُختبر وتَنضج وتتجدد. وفي النهاية، علينا الاعترافُ بأن الاختلافَ حقيقةٌ إنسانية لا يمكن إلغاؤها، بل لا ينبغي إلغاؤها، لأن إلغاءها فقرٌ وهدمٌ لفكرة الخلق. أما الخيار الذي نملكه فهو: هل نحول هذا الاختلاف إلى جدران تفصل بيننا، أم إلى جسور تقرّب المسافات؟ ذلك هو السؤال الذي يحدد مستقبل المجتمعات، وربما مستقبل الإنسانية كلها. فالمجتمعات لا يُقاس تحضرها بعدد ما تبنيه من أبراج يسكنُها أبناؤها، بل بعدد ما تمدّه من جسور تصل بين أبنائها.

***