الذي أورثني قلبًا عاطلا عن البغضاء


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 12:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial
كلما صدمني ما بالعالم من تعصّب واستعلاء وظلم، أتساءل: أين تولد البغضاءُ، ومَن الذي يرعاها حتى تنمو وتنجب جميع ما سبق من أجنّة شوهاء؟ نحن، جميعَ البشر، صنيعةُ يدِ العليّ الرحمن الذي وسِعت رحمتُه كلَّ شيء، فمَن الذي نزع الرحمة من القلوب واستبدل بها الغلاظة والفظاظة والتجبّر والاستقواء؟ أؤمن أن البغضاء لا تولد فجأةً في الشوارع ولا في ساحات الحروب ولا على طاولات المفاوضات السياسة. بل تولدُ غالبًا في غرفة صغيرة في بيت صغير، يتعلم فيه طفلٌ أن ينفر ممن لا يشبهه، ويسخر ممن يختلف عنه، ويخاف من كل ما يجهله. وفي المقابل، تولدُ الرحمةُ في بيتٍ صغير يقول فيه أبٌ لابنته إن البشرَ جميعًا يستحقون الاحترام والحب والرحمة، دون شرط، ودون سبب، ودون قرابة، ودون مشابهة، ودون مصالح ودون انتظار المقابل.
هذا "عيد الأب"، الذي يوافقُ يوم الأحد الثالث من شهر يونيو من كل عام. عيدٌ خجول يأتي على استحياء، دون جلبة، ويمرُّ دون أن ينتبه أحدٌ. رغم أن الأب الصالح هو أحدُ أخطر الجسور التي تعبر عليها القيمُ من جيل إلى جيل، وأحد أهم حرّاس ذاكرة الضمير الإنساني. فالأب ليس الرجل الذي يمنح أبناءه اسمَه فحسب، بل من يمنحهم البوصلة الأخلاقية. قد يترك لهم مالًا أو بيتًا أو أرضًا تكون لهم عونًا في وعثاء الطريق، وقد يمنحهم تاريخًا أو مجدًا يختالون به، لكن أعظم ميراث يتركه أبٌ لأبنائه، هو شتلة القيم النبيلة التي يغرسها الأبُ في طمي طفولتهم، فتُزهر مع الأيام وتغدو جزءًا من نسيج أرواحهم، يغرسونها في أبنائهم فيما بعد، فتستمرُ دورةُ النبالة والتحضر والإنسانية، من جيل إلى جيل.
لهذا دائمًا ما أتذكّر أبي، وأعتبره أحد نبلاء هذا العالم، لأنه علّمني الدرس الأعظم الذي شكّل وجداني ورسم خارطة حياتي كلها: “ألا أكره". لم يورثني أبي أرضًا ولا عقارًا ولا ثرواتٍ. ورثتُ عنه "فكرة". لم يعلمنيها وعظًا وإرشادًا وأوامرَ وتلقينًا، بل سلوكًا وفعلا وأسلوب حياة. علمني: "احترام الإنسان"، في المطلق، دون قيد أو شرط أو نفعية. علَّمني: "الانحيازَ إلى العدل" دون حسابات قبلية أو عقَدية، ودون خوف من بطش المتعصبين. علّمني: "الانتصار للحق"، مهما خَفُتَ صوتُه وضعفت شوكته. علّمني: "البحث عن الجمال" مهما عزَّ وشحّ. علّمني: "الشك في الأحكام الجاهزة" مهما تجبّر الدوجمائيون. علّمني أن محبة خلق الله جميعًا شرطٌ من شروط حب خالق الخلق، وأن من امتلأ قلبُه بحب الله، ما تبقى فيه مساحة لبغضاء. علّمني أن الرحمة ليست ضعفًا، بل منتهى القوة، وأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل منتهى الثراء البشري.
كثيرون فقدوا آباءهم مبكرًا، ومع ذلك ما زالوا يستشيرونهم كل يوم دون أن يشعروا. في المواقف الصعبة، يقفون أمام مرايا خيالهم، ويسألون أنفسهم: ماذا كان أبي سيفعل لو كان هنا؟ وحين يختارون الصدق بدل الكذب، أو الرحمة بدل القسوة، والعدل بدل الظلم، والجسارة بدل الخوف، يكون الأبُ الراحلُ قد أجاب بالفعل، بل يكون حيًّا عصيًّا على الموت، في مقابل موت آباء وهم مازالوا أحياء، لأنهم أخفقوا في رسم ضمائر أبنائهم بألوان النبالة. فالأب العظيم هو القادر على صوغ أبناء أحرار يختارون الصعاب القيّمة، مهما دفعوا من أثمان، ولا يستوحشون طريق الخير لقلّة سالكيه.
حين أتأمل العالم من حولي، فأرى بشرًا يرفعون رايات الكراهية باعتبارها فضيلة، ويتعاملون مع القسوة كأنها علامة قوة وسلطان، ويلفظون الرحمة باعتبارها ضعفًا وخوارًا، أتساءلُ: متى تعلموا ذلك؟ وكيف سمح لهم آباؤهم بكل هذا التشوّه الروحي والتصدّع الخلقي والتخبط المعرفي؟ ودون تفكير أشيرُ بإصبع الاتهام إلى الأب الذي أخفق في حمل التبعة، وأفسد الميراث الذي تركه لأبنائه.
لم يجلس أبي يومًا ليحدثني عن فضائل التسامح، ومكرمة التراحم. ولم يلق عليّ محاضرات عن قبول الآخر، ولم يرفع إصبعه محذرًا من التعصب. لكنه كان يعيش ما يؤمن به، ببساطة، فكانت حياته هي الدرس. كان يدعو بالرحمة لجميع الموتى دون تمييز، وبالشفاء لجميع مرضى بني الإنسان. في صباح يوم الجمعة كان يخرج مع جارنا "أنكل وسيم". يذهبُ أبي إلى المسجد ليؤذن بصوته الجميل ويؤم المصلّين، ويذهب جارُنا إلى الكنيسة. ثم يلتقيان، بعدما يؤدي كلٌّ شعائرَه، على مائدة الطعام يقتسمان الخبزَ والملح. يحترم كلٌّ عقيدةَ صاحبه، ويُجلُّ إنسانيةَ جاره. كلٌّ منهما مطمئن إلى إيمانه بالقدر الذي يسمح له باحترام إيمان غيره. ذاك هو جوهرُ الإيمان بالله، وجوهر الوجود الإنساني القويم، والسمو الأخلاقي. في "عيد الأب"، أدعو لأبي بحُسن المقام، ولجميع أساتذتي الذين علّموني أن ثِقَلَ الإنسان بقدر ما منح الآخرين من محبة وعطاء. كل عام وكل أب نبيل حيُّ لا يموت.
***