المهرجان القومي للمسرح… -قنصوة- والانحياز للجمال


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 11:56
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال

أؤمن بقانون "الأواني المستطرقة"، لا في الفيزياء وحسب، بل في العقول أيضًا. فالعقلُ النيّر في العلم، يستوي فيه منسوب الانحياز إلى الثقافة والفنون وصناعة الجمال. هذا ما خطر لي وأنا أستمع إلى كلمة الدكتور "عبد العزيز قنصوة" في افتتاح "المهرجان القومي للمسرح المصري” في دورته 19، أمس الأول في “دار الأوبرا المصرية”. الكلمة التي كانت أقرب لمحاضرة تنويرية رفيعة، منها إلى كلمة بروتوكولية في افتتاح مهرجان فني. فالأكاديميُّ الذي ارتبط اسمه في السنوات الأخيرة بحراك لافت في جامعة الإسكندرية، ثم في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، قبل أن يتولى القيام بأعمال وزارة الثقافة، كشف عن وجه آخر لا يقل إشراقًا: وجه المثقف المؤمن بأن المسرح والفنون الرفيعة والثقافة ليست رفاها ولا وسيلة تسلية، بل أحد أهم أدوات بناء الإنسان وترقية المجتمع. لم يتحدث بلسان مسؤول، يؤدي كلمة بروتوكولية في افتتاح حدث ثقافي بارز، بل بلسان عاشق للفن، منحاز إلى الجمال، مؤمن بأن التطرفَ، خصيمَ الحضارة، لا تهزمه الخطبُ والقوانينُ الحاسمة وحسب، بل يئده في مهده مسرحٌ راقٍ، وأدبٌ رفيع، وقطعة نحتية تسكن الوجدان وتسمو بالضمير. حين تحدّث عن تشجيعه طلابه بهندسة الإسكندرية على إحياء المسرح الجامعي، ذكّرني بأساتذتي في هندسة عين شمس حين شجعونا على الوقوف على خشبة مسرح "فلسطين"، وحضروا عروضنا. فالمهندس الجيد لا يصنعه العلم وحده، بل الفنون والثقافة كذلك. فالعلم والفن ليسا ضفتين متقابلتين، بل نهران حضاريان متصلان. كلما علا منسوب الماء في أحدهما، علا في الآخر.
رسالتان حضاريتان ميّزتا هذه الدورة من المهرجان، أولاهما أن الدولة تتحدث عن الثقافة بوصفها "مشروعًا لبناء الإنسان" لا وسيلةً للترفيه. والثانية، أن المسرح خرج من أسوار العاصمة "المدللة"، ليجوب المحافظات، بحثًا عن خبيئات مواهبه. فالكنوز منثورة في جميع أرجاء مصر، لا حيث اعتدنا أن نُسلِّط الأضواء.
وهنا يُحسب للفنان "محمد رياض" كسره "مركزية العاصمة"، حيث جال بمهرجانه، كما التروبادور الجوّال، بين ربوع الوطن، حتى تتسع قاعدته الجماهيرية باتساع مصر. فالثقافة التي تنتظر جمهورها، ثقافة كسولة، أما الثقافة الحية، فتحمل حقائبها وتمضي إليه حيث يكون.
دعوني أحّدثكم عن الإبهار المدهش في عرض الافتتاح الذي قام بتصميم رؤيته الحركية وإخراجه الرائعان د."كريمة بدير" و"وليد عوني"، بالاستعانة بورشة التعبير الحركي التابعة للمهرجان. العرض حمل عنوان "سفر"، ليُكرّس فكرة سفر المهرجان حاملا حقائب الفن، من المركز إلى الأطراف. هنا تحوّل الرقص والتعبير الحركي إلى لغة بصرية أبلغ من قصيدة، وأثرى من رواية. إنها حكاية مصر وهي تسافرُ إلى نفسها حاملة قواها الناعمة وفنونها الجميلة. الأجسادُ تتكلّم في صمتها؛ فالرقصُ التعبيري ليس رسم تابلوهات فنية جميلة، ولا استعراضًا لعبقرية الجسد البشري حين يروي، بل رسالة عميقة الأثر بليغة الدلالة، تنطق بما تعجز عنه الخطبُ والكلمات.
ثم جاءت فقرة الاحتفاء بروّاد المسرح، والتي لم تكن محض فقرة بروتوكولية في حفل افتتاح، بل وفاءً لذاكرة المسرح المصري العريق. فقد جاءت قائمة المكرمين متنوعة حاشدة برموز حصدت قلوبنا، وتركت بصماتها على صفحات أرواحنا. رموزٌ في التمثيل والإخراج والنقد، كلٌّ منهم مجرّة كاملة من التاريخ والفن الرفيع، صنعوا خوالد المسرح المصري وصنعوا إرث مصر الفني العظيم. الكبار، مع حفظ الألقاب: “أحمد ماهر"، "أحمد عبد العزيز"، المخرجان الكبيران "مجدي مجاهد"، "أحمد البنهاوي"، الناقد د. “حمدي الجابري"، وغيرهم، ممن منحوا المسرح المصري بعضًا من أجمل لياليه.
ولم تخلُ الأمسية من ومضات ملهمة، كحديث الفنان "أحمد عبد العزيز"، عن أهمية المسرح المدرسي، كأهم أدوات خلق جيل صالح لا يعرف التطرّف. ثم التفاتته الجميلة للدكتور "عبد العزيز قنصوة" قائلًا: "إحنا مش عايزينك ضيف على الثقافة… عايزينك وزير ثقافة.” فضجت القاعة بالتصفيق؛ تعبيرًا عن الأثر الطيب الذي تركته كلمته المثقفة المستنيرة.
أما روح الحفل فكانت الجميلتان: "شهيرة" و"إسعاد يونس". بعد تسلّمهما درعيّ التكريم، أهدتا الحضور لحظات إنسانية آسرة. اعترفت "شهيرة" بأنها تذكّرت أعمالًا كانت قد نسيتها وهي تشاهد الريبورتاج الذي استعرض رحلتها الفنية، ثم أطلقت إفيّه" طريفًا حين شكرت اللجنة على اختيارها، مستثنيةً مدير المهرجان؛ "عشان محدش بيكّرم حماته"، فضجت القاعة بالضحك.
وكانت "إسعاد يونس" مسكَ الختام وبهجته، حيث قالت إنها المرة الأولى التي تُكرَّم فيها عن المسرح، رغم أنه بداية إنطلاقها. ولم تنس أن تهدي الجائزة لمن ساندوها من الرواد، ثم اختتمت كلمتها بصيحتها الطفولية الشهيرة "هييييييه"، تعبيرًا عن سعادتها بالجائزة، وهي "صانعة السعادة".
مقامُ السؤال:
ألم يئن الأوان لنؤمن بأن المسرح مدرسة حقيقية، نتعلّم عليها ما فاتنا أن نتعلمه على مقاعد الدرس؟
***