أنا أعلمُ كلَّ شيء يا أبي… ربما!


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 11:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
- "بابا… أنا عارفة كل حاجة في الدنيا!"
قالتها طفلةٌ في الخامسة من عمرها، بثقة مَن يؤمن بما يقول. ولما سألها والدُها عن السبب، أجابت بعفوية الطفولة:
ــ "لأنني أتكلم العربية والإنجليزية والصينية، وسافرت إلى بلاد كثيرة. ماذا تبقي لأتعلمه؟"
ابتسم الأبُ المثقف، ولم يجادلها. فالطفولةُ لا تعرف الشكّ. إنها ترى العالم كما ترى البحر من نافذة سيارة؛ قطعةً زرقاء صغيرة، وتظنه البحرَ كلَّه.
مضت الأعوام. وكبرت الطفلة، ولم تراكم لغاتٍ جديدة إلى اللغات الثلاث، بل اختارت أن تتعلم أصعب اللغات جميعًا؛ لغة الكون. درست الفيزياءَ. ويوم مناقشة رسالة الدكتوراه، جلس والدها يتابعها بفخر على الشاشة، وهي تحاور أساتذتها وتحاججهم وتدافع عن نتائج بحثها. بعد انتهاء المناقشة، سألها والدُها المهندس عن مسألة دقيقة في الفيزياء، وتوقع جوابًا قاطعًا. فالفيزياءُ، كما الرياضيات، لا تحتملُ التأويلَ ولا تعدد الآراء. واندهشَ حين أجابته بكلمة واحدة مقتضبة، لا تحمل الإجابة، بل تدفع إلى الحيرة: “ربما".
سألها بدهشة: "ربما؟! ألم يحسم العلمُ هذه المسألة؟" قالت: “لا يا أبي. كثيرٌ مما نعدّه حقائقَ ناصعةً، هو فقط أفضلُ تفسير وصل إليه العلمُ حتى الآن. وغدًا قد يظهر اكتشافٌ جديد يوسّع هذا التفسير، أو يصححه، أو يكشف حدوده، أو حتى ينسفه من جذوره. العلمُ لا يعرف الكلمةَ الأخيرة، بل هو مراحلُ لا تنتهي. العلمُ لا يقول: وصلنا. بل يقول: لنواصل.”
لم يشأ أن يُذكّرها بيقين طفولتها حين أخبرته أنها تعلم كل شيء. فقط ابتسم. لكن ذكاءها أدرك مغزى الابتسامة، فردّت بابتسامة مماثلة خجول، وقالت: “بابا، كلما اتسعت الرؤيةُ ضاقت العبارة.” ابتسامتان في حياة الأب: الأولى ليقين الطفلة، والثانية لتواضُع العالمة.
أما الطفلةُ، فهي دكتورة "ياسمين حازم الهادي"، وأما والدُها فهو صديقي دكتور مهندس "حازم عبد العزيز الهادي". وأما "ربما" التي قالتها الطفلةُ حين كبُرت؛ فهي مفتاحُ لغز الحياة.
***
وحدهم العلماءُ يدركون "فضيلة ربما"، التي لا يعرف قدرَها الغافلون. لعلّ هذه الكلمة الخاطفة هي أعظم كلمة في تاريخ العلم. فحين يقولُ إنسانٌ: “مستحيلٌ أن نطير كعصفور"، يقول عالمٌ: “ولمَ لا؟ ربما نقدر!"، فيخترعُ الطائرةَ والصاروخ ومركباتِ الفضاء ويغزو الكون. وحين يقول إنسانٌ: “مستحيلٌ أن نسمعَ خارج نطاق السمع"، يردُّ العالم: “ربما نقدر"، فيخترعُ الهاتفَ وما تلاه من معجزات تواصُلية. نحن نربي أبناءنا على أن "ربما" علامة تردد، بينما هي إحدى علامات النضج العقلي. فالجاهلُ يطلب يقينًا سريعًا، أما العالمُ فيعرف أن كل يقين مؤقتٌ، وأن الحقيقة ليست صخرةً جامدة، بل أفق مشاكسٌ، يبتعدُ كلما اقتربنا منه.
لهذا فإن واحدة من أبلغ آيات القرآن الكريم، ما قالته "بلقيس" ملكة "سبأ" حين رأت عرشها العائد من اليمن إلى بيت المقدس في طَرفة عين. قالت: “كأنه هو!". لم تقل: "هو"، ولم تقل: "ليس هو”. بل اختارت كلمة تجمع منتهى الحكمة والذكاء والتحوّط. الكلمة العبقرية التي تتأرجح بين الشك واليقين. فالعينُ ترى العرش ذاته وإن تبدلت مواقعُ جواهره، والعقلُ يرى استحالة نقله تلك المسافة في اللازمن. لم تُكذّب عينيها، ولم تلغِ عقلها. تلك هي: عبقرية "ربما".
ولعلَّ "سقراط" كان أول من أقرَّ بالتواضع المعرفي حين قال إنه يعرف أن هناك ما لا يعرفه. فالوعيُ بالجهل أولى مراتب الحكمة، لأنه الدافع للبحث والتعلّم والسؤال.
وهذا ما يفعله العلمُ طوال الوقت. علّمنا "إقليدس" أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان، وأن مجموع زوايا المثلث 180 درجة. ثم جاء "برنارد ريمان" ليعلمنا أن الهندسة الإقليدية لا تنطبق إلا على الورق، أما في الكون الشاسع المنحني، حيث لا خطّ مستقيم أصلا، فإن قوانين اللعبة تتغير، فالخطوط المتوازية تنحني وتتلاقى عند الأقطاب، والمثلثات العملاقة لا تعترف إلا بالهندسة الكروية. “أينشتين" لم يهدم "نيوتن"، وميكانيكا الكم لم تهدم "أينشتين". فالعلم لا يقتل آباءه، بل يضعهم في مراتبهم الزمنية. "قوانين نيوتن" كانت تفسّر الكون يومًا، ثم جاءت "النسبية" لتكشف أن الزمان والمكان ليسا مطلقين كما ظن البشر قرونًا، وبالتالي ما معنى: المسافة والزمن؟ وبعدها جاءت ميكانيكا الكم، لتفتح بابًا على عالم بالغ الغرابة والطرافة، عالم لا تكفي فيه قوانيننا المألوفة لتفسير سلوك الجسيمات الدقيقة، التي كأنما تغيّر من طبيعتها حال المراقبة، فتتأرجح بين الجُسيم والموجة!
كلما اتسعت دائرةُ المعرفة، اتسع معها محيطُها الملامس للمجهول. ولعل تلك هي المفارقة الأعجب في زماننا؛ فبينما يزداد العلماءُ تواضعًا وشكًّا وسؤالا، يزداد العوامُ كِبرًا ويقينًا وإجابات. العلماءُ يقولون: "ربما”! أما العوامُ فيحسمون أعقدَ القضايا في كلمة!

مقامُ السؤال: هل تختبئُ الحقيقةُ في الإجابة؟ أم في السؤال؟ هل تتقدم المعرفةُ حين نزداد إجاباتٍ، أم حين نزداد أسئلةً؟
***