الُمعلِّمُ… وانكسارُ المرايا!


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 00:35
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial

الحضاراتُ لم تُبنَ بالحجر أولًا، بل بإنسانٍ عرف كيف يقرأ الحجر. ولم تُشَدَّ بالحديد، بل بالعقول التي عرفت كيف تحاورُ الحديدَ وتصهره وتُطوّعه. العلم هو صانع الحضارات، وكل عقلٍ عظيم مضى في طريق العلم، كان وراءه معلمٌ ساند بدايته. أستاذٌ حمل مصباحًا صغيرًا، وقال لتلميذه: من هنا يبدأ الطريق.
لهذا، كلما رأيتُ مشهدًا يُنتقص فيه من قيمة معلم، شعرت أن الإهانة لا تقع على إنسان، بل على المستقبل والماضي: الماضي الذي صنَعَنا، والمستقبل الذي نرجوه. فالمعلمُ الحقُّ ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل ثم يغادر، وإنما هو الصانع الأول للإنسان. وكل أمة تعرف قيمة الإنسان تعرف، بالضرورة، قيمة معلمه.
في ضجيج الأخبار الأخيرة، انشغل الناس بتفاصيل الأشخاص: نبرة المسؤول، هيئة المدير، كلمات المديرة. لكن القضية أكبر من الأشخاص. القضية هي: ماذا بقِيَ من الهيبة التي كانت تسبق المعلم أينما سار؟ وماذا بقِيَ من الإجلال الذي كانت المجتمعات تعتبره دَينًا في أعناقها لمن فتح لأولادها أبواب المعرفة؟
لهذا لم يكن غريبًا أن يقول "الإسكندر الأكبر”: “أنا مَدين لأبي بالحياة، ومَدين لأرسطو بالحياة الكريمة.” لقد فهم الفاتح العظيم أن الرجل الذي علمه كيف يفكرُ، أعظم أثرًا من الرجل الذي أنجبه. فالآباء يمنحون أبناءهم الميلاد، أما المعلمون فيمنحونهم المعنى.
عندما نتأمل قصة "هيلين كيلر"، تلك الطفلة التي عاشت حبيسة ظلام الصمت والعمى، لا نستطيع أن نذكر اسمها دون أن نقف احترامًا لمعلمتها "آن سوليفان”. لم تُعلّمها الكلمات، بل أعادتها إلى العالم، وأعادت العالمَ إليها. كانت يد المعلمة هي الجسر الذي عبرت عليه فتاةٌ من العزلة إلى الإنسانية. ولولا تلك المعلمة، لما عرف العالم اسم "هيلين كيلر"، وما صارت أسطورة نتحاكى بها على مدى الأزمان.
وبلغ "الإمام الشافعي" مبلغًا أنيقًا في توقير معلّمه "الإمام مالك"، فقال: “كنتُ أُصفِّحُ الورقة بين يدي مالك صفحًا رفيقًا؛ هيبةً له، لئلا يسمع وقعها.” تصوّروا جلال المشهد؛ في إخفات همس الصفحة حين تُطوى، لئلا يقطع تركيز أستاذه!
تلك الأمثلة النبيلة ليست استثناءً في التاريخ، بل هي القاعدة. المعلمون لا يتركون كنوزًا، بل يتركون جواهرَ بشرية. "سقراط" لم يترك كتابًا، لكنه ترك أفلاطون. و"أفلاطون" ترك "أرسطو”. و"أرسطو" صنع عقل "الإسكندر”. سلسالٌ كاملٌ من الإرث الحضاري لم يصنعه ملوك، بل معلّمون. كأن التاريخ يخبرنا بأن الأفكار لا تُورث بالدم والميلاد، بل بالتعليم.
الأمم الحديثة، لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها بنت المصانع قبل المدارس، بل لأنها فهمت أن المدرسة هي المصنع الحقيقي. المهندس لا يولد مهندسًا، والطبيب لا يولد طبيبًا، والقاضي لا يولد قاضيًا، ولا رئيس الدولة يولد رئيسًا. جميعهم مرّوا، في صباح بعيد، أمام سبورة يقف عندها معلم، ربما لم يعرف أحدٌ اسمَه بعد ذلك، لكنه ترك بصمته في عقولهم.
اليابان من أكثر الدول التي جعلت توقير المعلم سياسة دولة، لا شعارات تُغنّى. فبعد الحرب العالمية الثانية، كان إصلاح التعليم في صدارة مشروعها الوطني، إيمانًا بأن إعادة بناء الإنسان تسبق بناء العمران. والالتحاق بمهنة التعليم هناك ليس يسيرًا، إذ يخضع المعلمون لإعداد علمي وتربوي صارم، ويحظون بمكانة اجتماعية رفيعة. وفي فنلندا لا تصبح معلمًا إلا بعد منافسة شديدة ودراسة جامعية متقدمة. وفي كوريا الجنوبية لم تكن المعجزة الاقتصادية وليدة المصانع، بل وليدة الفصول الدراسية، إذ وضعت الدولة التعليم في صدارة مشروعها الوطني.
لهذا لا ينبغي النظر إلى راتب المعلم كبند إنفاق، بل كاستثمار في الأمن القومي، والاقتصاد، والثقافة، والأهم: في الأخلاق. فكل جنيه يُنفق على تعليم جيد يعود أضعافًا في صورة إنتاج، وعدالة، وابتكار، واستقرار. أما التقصير في حق المعلم، فلا يدفع ثمنه المعلم، بل يدفعه المستقبل.
المجتمعات الراقية تقيس قيمة الإنسان بما يمنح. فإذا كان الطبيب يمنح الصحة، والقاضي يمنح العدالة، والمهندس يمنح العمران، فإن المعلم هو الذي منحهم جميعًا القدرة على أن يصبحوا أطباء وقضاة ومهندسين.
من هنا، فإن احترام المعلم وتوقيره ليس نبلا، ولا تقليدًا اجتماعيًا متوارثًا، بل هو إعلان حضاري عن ترتيب القيم داخل المجتمع. حين يعلو مقامُ المعلم، تعلو قيمةُ العلم. وحين يعلو العلم، يعلو الإنسان فيعلو الوطن.
قد نختلف حول وزير، أو محافظ، أو مسؤول، أو واقعة بعينها، لكن لا ينبغي أن نختلف حول "مكانة المعلم". فالأمم لا تنهض إلا إذا ظلَّ المعلم واقفًا شامخًا. فإذا انحنى المعلمُ، انكسرت المرايا، وتشظّى المستقبل. في البدء لم يكن السيف، ولا العرش، ولا الثروة. في البدء، كان المعلم.
مقام السؤال:
إذا كان كلُّ عظيمٍ في هذا الوطن قد بدأ تلميذًا، فكيف لا نُعظِّمُ مقامَ من صنع العظماء؟

***