أنا... -ربَّةُ منزل-


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 12:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
في بطاقتي الشخصية مكتوب في خانة العمل: "صحفية بجريدة المصري اليوم"، وفي شهادة التخرج مكتوب "مهندسة" بحكم الدراسة، وعلى أغلفة كتبي: “كاتبة"، وفي المهرجانات الأدبية: "شاعرة"، لكن الأدفأ من بين كل تلك الألقاب: “ربّةُ منزل".
لهذا أربكني اقتراحُ السيدة النائبة التي طالبت بتغيير عبارة “ربّة منزل” إلى ”صانعة أجيال” في بطاقة الرقم القومي. وكأن: “ربّة منزل”، هذا اللقب الشريف، لقبٌ ناقص يحتاج إلى عملية تجميل لغوية.
المشكلة الحقيقة، في تقديري، هي بُعدنا المخجل عن اللغة العربية وأسرار جمالها، ودقّة اشتقاقاتها، وفرادة معانيها، وسحر دلالاتها. دعونا نتأمل معنى كلمة "ربَّة" التي أزعجت مَن لا يفهمها. الكلمة مشتقّة من "الربوبية"، وتعني: السيادة، القيادة، الرعاية. ولهذا نقول: “رُبّان السفينة"؛ لأنه قائدُها وربُّها مدة الرحلة، طالما تمخرُ السفينةُ عبابَ البحر. كلمة "ربّة" من الجذر العربي: (رَ بَ بَ) الدال على الرعاية. ومنها اشتقّت الأفعالُ وأسماءُ الأفعال: رَبَّى، يُربِّي، مُربٍّ، مُربّية، والاسم: التربية. وابتكرت الحضاراتُ القديمة ألقابًا شرفية تحمل دلالات الاكتمال: فهذه "ربّة الجمال"، وتلك "ربّة الضمير"، وهاتيك "ربّة الفضيلة" أو الحكمة، وغيرها من الفضائل الحسنى. "ربّة" في ذلك السياق تعني "الاكتمال" الذي لا بعده. فهل فيما سبق من مناصبَ عُليا ومراتبَ رفيعةٍ ما يُخجل؟ وإذا خجلتِ امرأةٌ من لقب: “ربّة منزل"، فهل سمعتم عن رجلٍ خجل من لقب: “رب الأسرة" أو "ربّ البيت"، أو "ربّ العمل"؟!
المنزلُ ليس جدرانًا تضمُّ ساكنيها. والبيتُ ليس أراضي تُكنس، وأواني تُغسل، ووجباتٍ تُطهى. البيتُ وطنٌ مصغّر، ومدرسةٌ أولى، ومصنعٌ للقيم التي تتشكّل فيها ملامحُ الإنسان وأخلاقه وضميره قبل أن يخرج إلى العالم. فإذا كان الوطنُ بحاجة إلى رجال دولة، فإن البيت يحتاج إلى سيدات دولة. سيدات نبيلات يدركن أن تربية الضمير لا تقلُّ شأنًا عن هندسة الجسور، وأن غرس الفضيلة لا يقلُّ أهميةً عن سنِّ القوانين، بل يسبقها.
فجميع الحضارات الأصيلة، وعلى رأسها حضارتنا المصرية الخالدة، لم تبدأ بقصور الحكم، ولا بثكنات الجيوش، ولا بأسواق التجارة، وإنما بدأت من بيتٍ منضبط يقوده رجلٌ حكيم وامرأةٌ حكيمة، يعرفان أن مستقبل الأمم يُصنع أولًا حول مائدة الطعام، وفي غرفة الطفل، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي تبدو صغيرة، لكنها تُنبت مواطنًا صالحًا ينهض بأسرته ومجتمعه.
ثمّ، إذا كنا نصف المرأةَ التي تُحسن تربية أبنائها بأنها “صانعة أجيال”، أفلا يحق لنا أن نتساءل: ماذا عن امرأة أنجبت مَن صار سفاحًا، مرتشيًا، متحرّشًا، لصًّا، أو أي خارج على القانون؟ الأمومة وحدها، كفعل بيولوجي، لا يضمن صناعة أجيال صالحة. ولكن تشكيل الوعي وغرس القيم، وتشذيب الضمير، هي الضمانات التي تصنع الأجيال الصالحة. وجُماع ما سبق هو جوهر رسالة "ربّات البيوت".
ثمّ، مَن قال إن "صانعة جيل" وصفٌ دقيق لـ "ربّة منزل" التي لا تعمل؟ غير صحيح. ليس كل ربّةُ منزل صانعةَ جيل. فالمرأة التي لم تنجب، تظلُّ ربّةً وملكةً تقود بيتها ومملكتها. وأيضًا "صانعة الأجيال" ليست تلك التي لا تعمل. فالمعلمةُ صانعة جيل، والطبيبة والكاتبة والخادمة والمربية كلّهن صانعات أجيال. والراهبة في المدرسة "صانعة أجيال"، وهي أبدًا لم تجرّب الأمومة.
لسنا بحاجة إلى إعادة صياغة خانات في بطاقة الهوية، بقدر حاجتنا إلى إعادة صياغة وعينا وترقية الدلالات إلى مراتبها الحقيقية. فاللغة لا تهيننا، بل نحن الذين نهين الكلماتِ والدلالات حين نحمّلها عقدنا وخيباتنا. فحين يحترم المجتمعُ المرأة، سيحترم جميع أدوارها: الطبيبة، والقاضية، والمهندسة، والفلاحة، والمعلمة، والفنانة، والعالمة، والخادمة، اللواتي كلّهن في الأساس ربّات بيوت فاضلات. أما إذا احتقر أحد تلك الأدوار، فلن تنقذه عبارة منمقة؛ لأن تغيير الألفاظ لا يغيّر الحقائق.
مقامُ الشعر:
في النهار/ تُطعم غنماتها/ وتسقي زروع الأرض/ ثم تجلس في فناء الدار تنتظر مغيب الشمس/ فيما تُحصي ذرّات الغبار المتطايرة/ مع رفرفة أجنحة الدجاج والإوز. وفي المساء/ 
تجولُ في دروبِ القرية/ 
تحملُ قنديلاً، وسلَّةَ رُمّان/ تطرقُ الأبوابَ/ بابًا في إثرِ باب/ 
وتوزِّعُ الفرحَ على أكواخِ الفقراء/ 
وقطعَ حلوى
على أطفالِ الفقد/ المنذورينَ للوَيل/ وتنثر على أسِرَّة الموجوعين/ تعاويذَ وجعارينَ من ميراث السلف/ ثم تتخفّى وراء الشجر/ حتى ترى المصابيحَ وقد أضاءت في الشرفات الحزينة/ فتبتسمُ في وهنٍ/ وتلملم أشياءها/ وتعود إلى كوخها المعتم.
مقامُ السؤال:
إذا آمنا بأن الهروب من الكلمات إلى الكلمات سهلٌ يَسرٌ، فمتى يكون الهروبُ من الأفكار إلى الأفكار بنفس القدر من السهولة واليسر؟
***