أذانٌ وجرسٌ… إحنا الكفاتسة!


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 10:56
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
حين نقول: "إحنا الكفاتسة"، فنحن لا نرفع شعارًا دينيًا، بل نستعيدُ تعريفًا قديمًا يقول: "نحن المصريون.” فقبل أن تصبح كلمة "قبطي" في الوجدان الشعبي مرادفًا للمسيحي المصري، كانت تعني: "المصريَّ".
فالكلمة تعود، إلى العبارة المصرية القديمة «حوت-كا-بتاح»، أي: "منزل روح الإله بتاح"، وهو اسم المعبد العظيم في مَنْف. حوت= منزل، كا= الروح. وحين دخل اليونانيون مصر، نقلوها إلى لغتهم بصيغة: Aigyptos أي: "مصر"، ثم Aigyptios أي: “المصري”. ومن هذا الأصل جاءت كلمة "قِبط" في العربية، بمعنى: المصريين. ومع تعاقب القرون، ضاق مدلولُ الكلمة حتى غلب استعمالُها للدلالة على مسيحيي مصر، لأنهم حافظوا على هذا الاسم التاريخي. بينما بقي معناها الأصلي شاهدًا على أنها هُوية أبناء مصر، لا وصفًا لعقيدة. ثم دخلت العامية المصرية كلمةُ "كوفتس- كفاتسة"، كتحوير شعبي لكلمة: "قبط” Coptic. لذلك، فهي كلمة تشريف وتعزيز للهوية المصرية، أقدم الهويات الحضارية في التاريخ.
أنا "كوفتس" مسلمة، وصديقتي "كوفتس" مسيحية. نختلف في العقيدة، ونتفق على الإيمان بالإله الواحد الأحد. وقبل العقائد، تجمعنا "مصرُ"، ويجمعنا الوطن. ولهذا، حين يرتفع الأذانُ من المآذن، وتدق أجراس الكنائس، لا نسمع صوتين متنافسين، بل نسمعُ صوتَ مصر يناجي اللهَ بألسن الإيمان. تلك واحدة من فرائد مصر العظيمة التي لا تشبهُ إلا نفسها.
وأعيادُنا، نحن المصريين، لها فرادتُها كذلك. أحيانًا تختار السماءُ أن تُزامنَها، وكأنها تكتب رسالة إلى أهل مصر قبل الاحتفال. هذا العام يتزامن عيدُ السيدة العذراء مريم، عليها السلام، مع المولد النبوي الشريف. وهنا فرصة أخلاقية تجعلنا نتذكر أن الأرض التي حملت آلاف السنين من الحضارة، مستحيلٌ أن تضيق باختلاف المؤمنين عليها.
"مريم العذراء" هي السيدةُ الوحيدة التي خُصصت لها في القرآن الكريم سورةٌ باسمها: "سورة مريم": "وإذا قالتِ الملائكةُ يا مَريم إن اللهَ اصطفاكِ وطهَّركِ واصطفاك على نساء العالمين.” وفي الإنجيل، تُطوَّبُ السيدةُ "مريم" بقول أليصابات: "مباركةٌ أنتِ في النساء، ومباركةٌ هي ثمرةُ بطنك”. وأما ثمرةُ بطن العذراء فكانت السيد المسيح عليه السلام، الذي وصفه القرآن الكريم: "ولنجعله آيةً للناس ورحمةً منّا"، مثلما يصف القرآنُ رسولَ الله، عليه الصلاة والسلام: “وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين". وكأن الكتابين، والعيدين، يلتقيان عند كلمة واحدة: الرحمة.
لكن الأديان لا تتجلّى فقط في كتبها المقدسة، بل في سلوك المؤمنين حين يغلقون الكتب ويخرجون إلى الشارع. هنا يبدأ الامتحانُ الحقيقي، ونعرف كيف يكون كلُّ إنسان سفيرًا لدينه. فالطيبون سفراءُ لدينهم، والأشرارُ يسيئون إليه. وفي الطيبة والحنوّ تتجلّى عبقرية المصريين "الكفاتسة"، مسلمين ومسيحيين، ويشرقُ الوجدان المصري السوي.
تطرقُ صحونُ كعك العيد أبوابَ سكان العمارة والحي، دون أن تسأل: ما دينك؟ المسلم يحمل كعك العيد إلى جاره المسيحي، والمسيحي يرسل كعك عيده إلى جاره المسلم. وفي رمضان، يتحرج أشقاؤنا المسيحيون من الأكل والشرب أمامنا، مهما قلنا لهم: تفضلوا. يحترمون مشاعرنا، حيث لا قانون ولا منطق يُلزمهم بذلك. لكنه الذوق الإنساني والوداعة التي تسبق القانون وتعلو على المنطق. تلك التفاصيل الصغيرة، ليست مجرد عادات عابرة، بل هي في الحقيقة الأعمدة الخفية التي تحمل سقفَ المجتمع، فلا ينهار.
الحضارة ليست في الأبراج الشاهقة، ولا في حجم الاحتياطي النقدي. تلك مظاهرُ ثراء. الحضارة تبدأ من "الإنسان"؛ من احترامه لإنسان آخر يختلف عنه في العقيدة أو اللون أو اللغة أو الرأي. حين يصبح الإنسانُ في ذاته "غايةً" لا "وسيلة"، يبدأ العمران وتُشرقُ الحضارة. الفيلسوف الإسباني "خوسيه أورتيجا إي جاسيت" يقول: “الحضارة هي الإرادة في العيش المشترك. ويكون الإنسانُ همجيًّا حين يعجزُ عن مراعاة الآخرين.” وهذه الفكرة هي الوجه الفلسفي لما تقوله الأديانُ منذ قرون: إن قيمة الإنسان لا تنبع من انتمائه إلى جماعة، بل من الإنسانية.
الإنسان البدائي ينتمي إلى أسرته، وقبيلته. أما المتحضرُ فيحبُ البشرية كلها. إذ لا يرى في الآخر تهديدًا، بل شريكًا في المصير الإنساني. ولذلك فإن معيار التحضر ليس أن نحب مَن يشبهنا، فتلك بديهة، بل أن نحترم مَن يختلف عنا. هذا هو الامتحان الحقيقي للأخلاق. ولهذا حسم القرآنُ المسألة بقوله: "يا أيها الناسُ إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا"، ولم يقل: لتنازعوا. وحسم الإنجيلُ المسألة بقوله: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون”. فالتعارف وصناعة السلام هم أصل الحضارة. لا نحتاج أن نتشابه حتى نتبادل المحبة. فالله لم يخلق الناس نسخةً واحدة، اختلافنا أحدُ أسرار جمال الكون. كل عام والكفاتسة بخير، مسلمين ومسيحيين.
مقام السؤال:
عام ٢٠١٦ بدأتُ مشروع كتاب عنوانه: (أنا كوفتس)، وأتممته عام ٢٠١٩. ولكن ضربات القدر وغزو كورونا، أبقته حبيسَ الأدراج. فهل آن أوانُ خروجِه للنور؟
***