المونودراما


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 12:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial
لحظتان في حياة الإنسان عليه أن يجربهما وحده، فيكون هو البطلَ مهما تكاثر الناسُ من حوله. لحظة الميلاد ولحظة الرحيل. وما بينهما يقفُ الإنسان على خشبة المسرح، يمنحه القدرُ نصًّا ناقصًا، ويترك له مهمة إكماله وحرية الارتجال داخل حدود النص. يدخل ممثلون كثيرون ويغادرون، تتبدل المناظر، ويتغير الضوء، لكن البطولة لا تغادر صاحب الحكاية. ومن هنا لا تبدو "المونودراما" فنًا مسرحيًا فحسب، بل استعارةً دقيقة للوجود الإنساني؛ فكل واحدٍ منا، في النهاية، يؤدي عرضه الوحيد الذي لن يُعاد.
لهذا يظلُّ المسرحُ أبَ الفنون الستّة، كما قسّمها الإغريق، أو السبعة، لو أضفنا فن السينما. فهو المدرسة التي نتعلّم عليها ما فاتنا أن نتعلّمه على مقاعد الدرس. فالمسرح، في جوهره، ليس خشبةً وستارةً حمراء ومقاعدَ تتوارى في الظلام، بل هو النافذة التي يرى منها الإنسانُ ما بين سطور الحياة. وكلما قلَّت الوسائط بينها وبين الجمهور، ازدادت الصعوبةُ، وازداد الفنُّ نقاءً. المسرح أعسرُ الفنون، والمونودراما أعسرُ العُسْر وأخطرُ ذُرى الإبداع. ممثلٌ واحد يقف في مواجهة الجمهور، لا يتسلّم الجملةَ والتعبير من زميل ليُسلّمهما إلى آخر، ولا يتوزع النجاحُ أو الإخفاقُ على أكتاف كثيرة، بل يحمل وحده الزمانَ والمكان والشخوص والصراعَ والأسئلة. جسدٌ واحدٌ مطالَبٌ بأن يتسع لعالمٍ بأسره.
ولعل هذا ما يجعل المونودراما أقربَ الفنون إلى الإنسان. فنحن، في النهاية، نعيش حياتنا داخل مسرحٍ لا نغادره. نُصغي إلى حوارٍ لا يسمعه سوانا، نُخاصم أنفسنا، نُصالحها، نبدّل الأدوار، ونخرج من كل ذلك بالشخص ذاته، وقد صار آخر. فالإنسان ليس فردًا، بل قارةٌ مزدحمة من التجارب والذكريات والمخاوف والرغبات والندم والأمل.
من هنا تأتي أهمية مهرجان "أيام القاهرة الدولي للمونودراما"، الذي انطلقت دورته التاسعة من دار الأوبرا المصرية، تحت شعار "من القاهرة… ينطلق الإبداع”. فالمهرجان لا يحتفي بممثلٍ يقف وحيدًا فوق الخشبة، بل يحتفي بقدرة الإنسان على أن يخلق من وحدته عالَمًا كاملًا. ويواصل المخرج الدكتور "أسامة رؤوف"، رئيس المهرجان ومؤسسه، ترسيخ مكانته بوصفه أحد أهم الملتقيات الدولية في المونودراما.
المونودراما ليست فنَّ الشخصية الواحدة، بل فنّ الإنسان الواحد. والفرق بعيد. فالشخصية كائنٌ من ورق، أما الإنسان فهو كونٌ متحرك؛ يحمل في عمقه طفلًا وشيخًا، عاشقًا ومغدورًا، ضحيةً وجلادًا، مؤمنًا وشاكًّا، متهمًا وقاضيًا. والممثل لا يؤدي هؤلاء بالتتابع، بل يصهرهم ويجعلهم يتنفسون جميعًا في الجسد نفسه، في اللحظة نفسها. امتحان وجودي عسرٌ؛ لا يختبئ فيه الممثلُ خلف زحام الشخصيات، ولا وراء الديكور أو المؤثرات، بل يقف أعزلَ إلا من صوته وجسده وروحه. وينجح العرضُ، أو يخفق، بقدر ما يجعلنا نصدق أننا لم نكن نشاهد شخصًا واحدًا، بل زحام أنفسنا، وقد غادرت أجسادنا وصعدت إلى الخشبة.
لهذا كان عرضُ الافتتاح "سما" من أعظم ما شاهدتُ من فنّ المونودراما داخل مصر وخارجها. فتاةٌ قروية حسناء من صعيد مصر، تحمل رضيعتها وتقف فوق قضبان قطار في دولة أوروبية نائية، بعدما قررت إنهاء حياتها. وفي انتظار القطار الذي سوف يُجهزُ على ضحيته، نتعرّف على تلك الروح المحطّمة التي ألقى بها أبواها، وتقاليدُ المجتمع، بين أحضان زوج أجنبي عجوز اختار جمالَها وأنوثتَها ليؤنسا ما تبقى له من أيام في الحياة. مواجعُها تذبحنا على مدار الساعتين، حتى إذا ما أطلَّ القطارُ من خلفية المسرح بوجهه المتجهّم، نكون، مثلها، جاهزين لمغادرة هذه الحياة التي سرقت منّا الحُلم والأمانَ والفرح. العرض من تأليف اللبنانية "سونيا بوماد"، وإخراج "أيمن مصطفى"، وبطولة الفنانة المدهشة "مروة عبد المنعم". ورغم أن للعرض بطلة وحيدة، إلا أن هناك أبطالا أُخر ساهموا في صنع هذا الإبهار؛ مثل: الديكور، الإضاءة، الجرافيك، الموسيقى، والأشعار. نجح العرضُ في كشف خيبات الإنسان حين يفقدُ الإرادةَ فيتحول إلى عروس ماريونيت في يد الأعراف الرجعية التي تحكم عليه قبل أن يُدان، ويُحاكم عن جرائم لم يأتِها، فيُعاقب ويُعذّب ثم يموت، دون أن يعرف بأي ذنب قُتل.
منذ أن اكتشف الإنسانُ النارَ، جلس حولها حكّّاءٌ يحكي. تلك كانت المونودراما الأولى. لهذا فإن المونودراما من أقدم الفنون الإنسانية. إذ يعود بنا إلى لحظة الميلاد الأولى للمسرح، حين كان الإنسان وحده في مواجهة الوجود، يحاول تفسير العالم بالحكاية.
شكرًا للمهرجان الذي احتفى بكبار رموز المسرح العربي والعالمي، وكرّم اسم الراحل الكبير "فاروق الفيشاوي"، وأكاديمية الفنون وجمعية دبا للثقافة والفنون والمسرح. شكرًا للمهرجان الذي يثبت عامًا بعد عام أنه احتفاءٌ بالإنسان الذي يقف وحيدًا، ليحمل على كتفيه هموم العالم وأوجاعه.
مقامُ السؤال: إذا كان بوسع فنان واحد أن يملأ المسرح بكل هذه الحيوات، فكم إنسانًا يسكن داخل كل واحدٍ منا؟
***