-الملك لير- … الملك -يحيى الفخراني-


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 11:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial
"وليم شكسبير"، وهو يرسمُ ملامح "الملك لير" على الورق قبل أربعة قرون، كان يرسم ملامح "يحيى الفخراني". هكذا كتبتُ قبل سنوات. وفي حديث خاص مع الدكتور "يحيى"، أخبرني أن "الطيب صالح"، الأديب الكبير، قال العبارة نفسها.
ويبدو أن هذه الانطباع قد استقر في وجدان كل من فاز بمشاهدة هذه التحفة الفنية الأنيقة التي تُعرض على خشبة "المسرح القومي"، أحد أهرامات مصر الشواهق. وكلما شاهدتُ العرض، ازداد يقيني بأن تلك الشخصية الشكسبيريّة المركبة، تأبى أن تسكن إلا جسد هذا الفنان العظيم، الذي يجعلك لا تتوقّف أمام مأساة ملك جليل ذاق ثالوث المحن: عقوق الأبناء، وفقد السلطة، والفقر، بل يستوقفك ملمحٌ آخر في شخصية “لير”: الطفولة. بعدما دخل عالم المُشرّدين، كان كلما قابل بائسًا أو شريدًا، سأله بعفوية: "هل بناتك جحدنك، وسلبنك كل ما تملك؟" تلك سمة الطفل حين يظن أن الكون يدور حول جرحه. هنا تتجلّى عبقرية "الفخراني". لم يقدم جنون الملك ومأساته بالصوت العالي، والهذيان الساذج، وفائض الانفعال، وإنما كشف لنا الطفل المختبئ داخل ثوب الإمبراطور. وحده "الفخراني" يعرف كيف تتبدّل ملامحُه من السلطان إلى الضعف والهوان، من الجبروت إلى طفولة تتسوّل الحنان. عيناه تنتقلان في لحظة واحدة من سطوة ملك جبار، إلى حَيرة طفل خائف، تاه تحت الأعاصير والأمطار في صقيع بريطانيا. تلك الطفولة تتسق مع سذاجته حين صدّق نفاق ابنتيه الكبريين اللتين سلبتاه كل شيء، والنفور من الصغرى الصادقة التي لم تُداهن، لكنها في الأخير أحتضنت هوانَ شيخوخته، رغم حرمانها من أبوته ومُلكه. صلفُ الملك الحَرون، والتأرجح المستحيل بين الجبروت والانكسار، بين السلطان والطفل، لا يحتمله إلا فنانٌ استثنائي من طراز يحي الفخراني. وكأن "الملك لير" هو الشخصية التي ظلّت تبحث عن مُجسّدها مئات السنين، حتى وجدته.
أما "شادي سرور"، فقد أثبت أن النصَّ العظيم لا ينبضُ بالحياة، إلا إذا صاغه بصريًّا مخرجٌ يملك جسارةَ استنطاقه من الورق، ومحاورته، ومشاكسته، لا مجرد ترديده. لم يسقط المعرضُ في غُواية الحداثة الشكلية، ولا في أسر القداسة الكلاسيكية، بل حفظ لشخصيات شكسبير جلالَها التاريخي، ، متوسّلا في الوقت نفسه، مفردات المسرح المعاصر، من السينوغرافيا والتكنولوجيا البصرية، دون أن يخون أصالة الرواية وعراقتها. لهذا فإن اجتماع أضلاع هذه الثالوث المدهش: شكسبير- الفخراني- سرور، أنتج هذه الوليمة المسرحية النادرة.
ولا يمكن الحديث عن فرادة العرض دون التوقف أمام بقية الأبطال الذين صنعوا هذه الملحمة الجماعية العظيمة. "أحمد عثمان"، الذي قدّم شخصية الداهية "إدموند"، حيث الشر لا يصرخ، بل يبتسم، ويُغوي، ويقنع، حتى تجد نفسك تحبّه قبل أن تكرهه. ويبدو أنه ملك الشخصيات السيكوباتية؛ إذ ذكّرني بدوره في مسرحية "العطل" لـ "فريدريش دورينمات"، التي أخرجها "أحمد فؤاد" على "مسرح الغد" قبل سنوات. أدهشنا بأدائه دور وكيل النيابة الماكر في "المحكمة الدورينماتية"، إذ نجح بدهائه في استخلاص الاعترافات من متهم، لم يكن يعرف أنه مُدانٌ أصلا.
أما "طارق الدسوقي" في دور النبيل "جلوستر"، فقد منح الشخصية قلبًا نابضًا بالوجع. في مشهد اقتلاع عينيه، فُجعتُ وبكيتُ، وقاومتُ نفسي لئلا أتركَ قاعة العرض وأصعدَ إلى الخشبة أحتضن أوجاعه. فلم يكن ممثلًا يؤدي دورًا صعبًا، بل إنسانًا يُسحق بمنتهى القسوة بسياط ثلاثة: عقوقُ ابنه، إخلاصُه للملك، رفضُه الخيانة في بلاط الغدر والخيانة. فكان مرآة أخرى للملك المغدور، على نحو أشد مأساوية ودموية. حين دخلنا بعد العرض إلى الكواليس لتهنئة الأصدقاء، كان أول ما قلتُه له، بعفوية: "سلامة عينيك يا حبيبي”. وكأنني نسيت أن ما رأيته تمثيلٌ، وذلك هو أعلى وسام يمكن أن يناله فنان.
ولا بد من تحية السينوغرافيا، البطل الصامت الذي أصبح اليوم شريكًا في صناعة المعنى، لا محض خلفية للحدث. الإضاءة والموسيقى والمؤثرات البصرية، هي لغة المسرح التي تخلق المناخ النفسي، وتفتح الفضاء المسرحي على آفاق الخيال ورحابة التأويل. شكرًا لجميع صُناع إحدى أعظم خوالد شكسبير. وشكرًا للمسرح القومي العظيم على استضافة هذا العرض، الذي أثبت التهافتُ الجماهيري عليه، ولافتة: “كامل العدد"، استحقاقَه أن يستمر إلى الأبد.
في الصف الخامس، مثّلنا "كنج لير" في مسرح المدرسة. منحوني دور "جونريل"، الابنة العاقّة الكبرى. بكيتُ وتوسلّتُ إلى مُعلماتي أن أؤدي دور الصغرى الطيبة: "كورديليا". لكنهن رفضن بحجّة أنني طويلة، فلابد أن أكون الشقيقة الكبرى. أديتُ الدور وأنا أكرهُ نفسي. وهذا جوهر المسرح: أن يوقظ الضمير الأخلاقي، ويغرس في أرواحنا النزوع للحق والخير والجمال.
مقام السؤال:
حين قال "بيكاسو": "استغرقتُ ستين عامًا لأرسم كطفل"، هل كان "الملك لير" يلوحُ في خياله؟
***