كرامةُ الفنّ… وداعًا -هاني شاكر-


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 11:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial

هناك فرائدُ من الناس، حين يرحلون، لا يتركون وراءهم فراغًا، بل يتركون صدًى. صدى يشبه نغمةً طويلةً في مقامٍ شرقيٍّ عتيق، تظلُّ معلّقةً في الهواء، لا يخفُت رنينُها، حتى بعدما يغادرُ الصوتُ حنجرتَه. هكذا "هاني شاكر"؛ نغمةٌ عصيّةٌ على الانطفاء، وروح لا يطالها الخفوت. فهو لم يكن صوتًا جميلًا فحسب، بل كان أخلاقًا تُغنّي.
هو طائرُ “مالك الحزين”، كما وصفتُه عام ٢٠١٣ في مقال بمجلة "نصف الدنيا"، حين شاهدتُه في دار الأوبرا، يصدحُ وقلبُه ينزفُ وجعًا لرحيل ابنته. فرأيتُ فيه هذا الطائر النهريّ الذي يخبّئ ألمه في صمتِه، فإذا انكسر، غرَّد. يومها غنّى “نسيانك صعب أكيد"، وهو ينظر إلى الأعلى كأنما يناجي ابنته “دينا”. غرّد، وبكى، فأبكانا. مَن بوسعه أن يصدحَ وجرحُه ينزف؟ مَن يملأ الفضاءَ شدوًا، وقلبُه مصدوع. زوجته الجميلة "نهلة"، لم تحضر ذاك الحفل لأول مرة منذ زواجهما، رغم توسلاتنا لها أن تداوي الوجعَ بعذوبة الفن؛ لكنها لم تحتمل أن تنظر إلى المقعد المجاور، فلا ترى ابنتَها تُنصتُ إلى شدو أبيها، كما اعتادت في جميع حفلاته. فقد سافرتِ الابنةُ إلى السماء وتركت أمًّا وأبًا بقلبين مفطورين، يتعزّيان بطفليها التوأم، اللذين كانا السلوانَ الوحيد لـ“هاني، ونهلة”.
هكذا كان "هاني شاكر"، الوديعُ البشوش الذي لم تفارقه ابتسامتُه الجميلة يومًا، مهما كان مبلغُ الوجع وانكسارُ الروح. عرف كيف يحوّل النزفَ إلى نشيد، دون أن يبتذل ألَمه. كان يخبّئ جرحَه في ثنايا صوته، فتطفرُ العذوبةُ من المقامات والجوابات. وحدهم الكبار يفعلون هذا. لهذا أحبّه الجميعُ، لا صوتًا جميلا وحسب، بل روحًا عذبه لا تعرف إلا الحبّ للجميع. وهذا سرُّ طوفان الحزن الذي اجتاح المصريين والعرب لحظة إعلان نبأ رحيله.
في حفلاته، دائمًا ما يقتصُّ من وقت غنائه ليُقدّم للجمهور صوتًا جديدًا، يحتفي به. هكذا يفعلُ الكبارُ ذوو العزم. في فلسفة الحضارات، ثمة فارقٌ بين روح النهر، وروح الصحراء. النهرُ يقول: “أنا وأنت”: نغرس، نروي، نحصد؛ لأن النهر يتّسع، يفيض، يمنح، ويعلّمنا أن الجمال لا يكتمل إلا بالمشاركة. أما الصحراء فتهمس: “أنا أو أنت”؛ لأن الماء شحيحٌ، فلا غرسَ ولا حصاد؛ وإذن فالبقاءُ للأقسى. وفي ساحة الفن، كل صوتٍ آخر، تهديد. وكان "هاني شاكر" طوالَ الوقت ابنُ النهر. ابنُ النيل الذي علّم المصريين أن الامتلاء لا يكون إلا بالعطاء، وأن الجمالَ لا يخشى الجمالَ، بل يدعمه ليصنعا معًا لوحة الحضارة. فالحضارةُ ليست شواهقَ معمارية وتاريخًا مدوّنًا وحسب، بل سلوكٌ يوميّ: كيف تحزن، كيف تختلف، كيف تمنح، كيف تحترم، وكيف تحبُّ. وكان "هاني شاكر" بحق نموذجًا للإنسانٍ المتحضّر؛ لأنّه اختار دائمًا أن يكون “مع” لا “ضد”، أن يكون “إضافة” لا “إلغاء”.
حتى في معاركه ضد موجات الهبوط الفنيّ التي اجتاحت سماء الغناء، لم يكن صوتُه صاخبًا بقدر ما كان واضحًا. لم يكن يهاجم بقدر ما كان يدافع: عن الذائقة، عن الكلمة، عن اللحن، عن "كرامة الفن”. لأنه تعلّم من الأساتذة الكبار أن الفن ليس تسليةً، بل مسؤولية، وأن من يعتلي المسرح، لابد أن يستحق اعتلاء وجدان الناس.
في رحلته الطويلة، لم يكن وحده. كانت إلى جواره تلك الجميلة "نهلة توفيق"، الرفقةُ النبيلة، التي بدأت معه المشوار منذ إشراقه، وحتى تقفَ اليومَ مساءً تتلقّى عزاءه. منذ ألمَّ به المرضُ، كنتُ أراسلُها في باريس لأسأل عن صحة الأستاذ، وكانت تطمئنني. وقبل رحيله بأيام طلبت منّي أن يدعو له ابني "عمر"، الملاكُ الذي يسكن بيتي. كانت تؤمن ببراءة الدعاء، وبأن القلوب، مهما تباعدت، يمكن أن تلتقي على رجاءٍ واحد. ولم يكن "عمر" وحده من يدعو للفارس "هاني شاكر" بالشفاء والعودة إلى حضن الوطن معافًا وجميلا وباشًّا كعادته، كانت مصر كلها تفعل. هكذا يُقاس الأثرُ بعدد القلوب التي تخفق لك حين تتألم.
“هاني شاكر"، العذبُ الوديع، شأنه شأن جميع الحقيقين في هذا العالم، عصيٌّ على الرحيل، لأنه ترك في قلب كلٍّ منّا ذكرى ما، مقطعًا من شدوه، قطعةً منه. لهذا فهو باقٍ فينا جميعًا. فإن صمتَ صوتُه، لن يصمتَ صدحُه في آذاننا، ولن تنطفئ ابتسامتُه في عيوننا. أقولُ لصديقتي الجميلة "نهلة"، لا تبكيه فهو لم يمت. هو فقط عاد إلى منبعه. عاد إلى النهر الأول، حيث يلتقي الجميعُ في نغمة واحدة كبرى، يتجلّى فيها وجهُ الرحمن. هو اليوم في مكانٍ ما من السماء الرحبة، في فردوس الله العظيم. يحمل عودَه ويغنّي، وتجلس إلى جواره الجميلة "دينا"، تُنصت إليه كما دائمًا. وأما نحن، فنقف على ضفة الغياب، نُصغي إلى الصدى، ونغنّي له: “نسيانك صعب أكيد.

***