مقامُ السؤال … أثرُ الفراشة


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 11:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

مقامُ السؤال
Facebook: @NaootOfficial

عنوان المقال هو "المصافحةُ الأولى" بين الكاتب والقارئ. هو "العتبةُ الأولى" للنص كما يخبرنا "جيرار جينيت" في كتابه Seuils، أن "العتبات"، مثل العناوين ليست زينة، بل هي برازخُ تربط العالم الخارجي بعالم النَّص، فتحوله إلى فضاء يتفاعل معه الجمهور. فالنصُّ في أي كتاب، لا يبدأ من الجملة الأولى، بل يبدأ من العنوان، واسم الكاتب، والغلاف، والإهداء، والمقدمة، وكل ما يستقبل القارئ قبل أن يلتقي بالنص.
ولذلك دائمًا ما أتعامل مع عنوان المقال كما يتعامل المهندس مع مدخل البناء. فالمدخل ليس تفصيلًا معماريًا، بل هو أول ما تقع عليه العين، وأول ما يترك انطباعًا، وأول ما يدعو الزائر إلى الداخل أو يصرفه عنه. وربما يكون آخر ما يستقر في ذهن القارئ ويحتلُّ وعيه، ويبقى.
لهذا أفكر هذه الأيام في أن يحمل عمودي في جريدة "المصري اليوم"، الذي يصافحكم مرتين أسبوعيًّا يوميْ: الاثنين والخميس، عنوانًا ثابتًا. عنوان يسبق المقال، ويسبق عنوانه، ويصاحب قلمَ كاتبته، ويرافق القارئ تمهيدًا وامتدادًا، حتى يصل إلى الكلمة الأخيرة في النص.
وأنا أفتش عن عنوان جديد لعمودي هذا، عادت إليّ عناوينُ قديمة رافقت مقالاتي وأعمدتي في صحف ومجلات عديدة. "خلسة المختلس" في مجلة "نصف الدنيا"، حين كنت أفتش عما نختلسه من وعي في لحظات الدهشة. "ريشة" في جريدة "الشرق القطرية"، وفي صحيفة "العرب اللندنية"، حيث الكلمة ترسم المعنى كما ترسم الريشةُ اللوحة، وتحلّقُ في الآماد مثلما يحلّق الطائر بريش جناحيه. “بالطباشير" في جريدة "الوقت البحرينية"، حيث ولعي بالطبشور الذي علّمنا في سِني أعمارنا الأولى في فصول المدرسة. "زهرة" في "أخبار الأدب" حيث الكلمات كما الزهور، تضوي بعطرها وشذى أفكارها. "كلمة" في "مبتدا"، و"رؤية" في صحيفة "الرؤية العُمانية"، وغيرها من العتبات الأوَل التي عنونت أعمدتي بعديد الصحف العربية والمصرية، والتي لم تكن أسماءَ فحسب، بل محطات عُمر وحياة. لكل عنوان رائحة زمن، ولكل عنوان صورة من صور المرأة التي كنتُها وأنا أكتبه.
اليوم، وأنا أفكر في عتبة لعمودي بجريدة "المصري اليوم"، احترتُ بين عنوانين: “مقامُ السؤال"، و "أثرُ الفراشة". وقلتُ: ولماذا لا أستشير أصحاب الحق الأصيل؟ قرائي الذين رافقوني سنوات، وانتقلوا معي من صحيفة إلى أخرى، ومن كتاب إلى آخر، واحتملوا شغفي بالأسئلة، أكثر مما احتملوا أجوبتي.
“مقامُ السؤال": المقام ليس مكانًا، بل مكانةً ومنزلة. فالسؤال ليس انفعالا، بل بيتٌ نسكنه. وعلاقتي بالسؤال لم تبدأ مع الفلسفة والأدب، والهندسة، بل بدأت في طفولتي التي لم تكف عن مساءلة الكبار. أين يذهب النهار حين يأتي الليل؟ لماذا لا تتحدث الأشجار؟ كيف يعرف العصفورُ طريقه إلى عُشه في فضاء بلا شوارع؟ لماذا نتألم؟ وكانت الأسئلة لا تنتهي بإجابات بل تولّد مزيدًا من الأسئلة؛ حتى كانت أمي وقد أعياها الإرهاق، تقول: "بنتي اللمضة!”. تقولها حينًا بضجر، وحينًا بابتسامة تشبه الفخر. حتى أنني، وحتى اللحظة، لا أدري: هل نعتُ: "لمضة" مدحٌ أم ذمٌّ؟ لكنني أدري شيئًا واحدًا؛ أنني ما زلت تلك الطفلة التي تعتقد أن السؤال ليس دليل نقص، بل دليل حياة. فلو كفّتِ البشريةُ عن السؤال، ماتت. تاريخ البشرية كله يُختصر في سؤال. الفلسفة لم تبدأ إلا حين سأل الإنسان سؤالا. ولا بدأ العلمُ إلا حين شكّ العلماءُ في الإجابات الجاهزة. وحبيبُنا "سقراط" لم يُلق على الناس الخطب، بل حاورهم بالأسئلة وهم يمشون في الطرقات. فالسؤال يوقظ الحقائق النائمة في العقل. وأما الأجوبة النهائية، فوهمٌ لا وجود له. ولعل أخطر ما يصيب العقلَ ليس الجهل، بل الاطمئنانُ الكامل إلى أنه لم يعد في حاجة إلى أن يسأل.
أما "أثر الفراشة"، فله سحر آخر. إذ يستدعي الفكرة العلمية الشهيرة التي أطلقها عالم الأرصاد "إدوارد لورنز"، حين التغيرات الصغيرة في بداية أي نظام معقد قد تؤدي، مع الزمن، إلى نتائج هائلة. وحيث رفّة جناح فراشة قد تكون بداية إعصار عاصف، في مكان بعيد. يُحيلنا هذا إلى حقيقة مدهشة: لا شيءَ صغيرٌ في هذا الكون. كلمةٌ قد تغيّر مصير إنسان. ابتسامةٌ قد تمنح قلبًا يائسًا سببًا للحياة. مقالٌ لن يغيّر العالم، لكنه قد يغيّر قارئًا، والقارئ قد يغيّر طفلًا، والطفل قد يغيّر العالم. هكذا تمضي الحياة. لا بالصخب بل برفيف الأجنحة التي لا يسمعها أحد.
شخصيًّا أميل إلى العنوان الأول. فأثرُ الفراشة هو "الثمرة"، بينما السؤالُ هو "البذرة". كل أثر عظيم بدأ بسؤال. وأحسبُ أنني، طوال رحلتي مع الكتابة، لم أكن صاحبة إجابات، بل رفيقة سؤال. فالكاتب، لا يملك الحقيقة، وإنما يملك شجاعة البحث عنها.

***