إفطارُ رمضانَ على مائدة -منير غبور-


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 10:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     


كعادته كلَّ عام، بدا الإفطارُ الرمضاني الكبير الذي أقامه رجلُ الأعمال المصري السيد "منير غبور" وعقيلتُه الجميلة، أشبهَ بلوحةٍ مصريةٍ أصيلة تتجاور فيها الوجوه والقلوب. مفكرون وأدباء وفنانون ورجال أعمال وإعلاميون، جا جاؤوا ليجتمعوا حول تقليد مصري عريق اسمه المودّة والتآخي على حب الوطن. في تلك اللحظة الرمضانية الدافئة، حين يجلس المسلمُ والمسيحيُّ إلى المائدة نفسها يترقّبان صوتَ الشيخ "محمد رفعت" يؤذن للمغرب، يتبدّى الوطنُ في صورته الحقيقية الأجمل التي نحلم بالحفاظ عليها. ذلك اللقاء الذي تحوّل إلى تقليد إنساني وثقافي سنوي، ينتظره كثيرون من رموز المجتمع المصري، لنشهدَ صورة مصغّرة من وجه مصر المشرق. لا يجمعنا فقط موعدُ الإفطار، بل شعور خفي بأن مصرَ، رغم كل ما يثقلها، ما زالت قادرة على جمع أبنائها على شرف الوطن. وسط ضجيج الحروب من حولنا، تصبح مثل هذه اللقاءات فسحةً نادرة لاستعادة معنى السلام والأمان والمحبة، وترسيخ المعنى القديم لفكرة "المجتمع”. مجتمعٌ يتبادل فيه الناس الرأي والأفكار والقلق على بلد عظيم قُدِّر له أن يكون كبيرًا ومسؤولا ومثقلا بالتحديات، وتداعيات الحروب الدائرة من حوله.
على هامش هذا الإفطار البهيّ، أنصتنا إلى فرقة "طبلة الستّ" التي تعمل على إحياء الفولكلور المصري. مجموعة من جميلات مصر يحملن الدفوف والطبول والرقاق ويغنين بأغنيات مصر الشعبية الساحرة، ليبعثن الحياة في الجدارية المصرية القديمة التي تعزف فيها المصرياتُ الدُّفّ والهارْب والناي. شهادتي فيهن مجروحة، لأن مؤسسة الفرقة ومديرتها، الجميلة "سهى محمد"، صديقتي التي أفخرُ بها. لكن بوسعي أن أنقل لكم ملامح الدهشة والانبهار من عيون الحاضرين. وأما مفاجأة الحفل فكانت فرقة "الإخوة أبو شعر" السورية، الذين أنشدوا، بمصاحبة التنورة، مجموعة من تواشيح العظيمين: “السيد النقشبندي"، "بليغ حمدي"، والتي صارت جزءًا حميمًا من ليالي رمضان: “مولاي إني ببابك قد بسطتُّ يدي، مَن لي ألوذُ به إلاكَ يا سندي"، ورائعة: "أم النبي يوم مولده شافت منام يوم مولده قالت كلام بنردده يا بركة الله الأحد...” التي شدت بها "ياسمين الخيام"، من كلمات "عبد السلام أمين"، وموسيقى "جمال سلامة"، وغيرهما من روائع الإنشاد الديني الذي صاحب هذا الحفل العامر بالمحبة والتواد.
ولا يمكن أن نذكر "منير غبور" دون التوقف عند حُلم عمره الذي أنفق من أجله الوقت والجهد والمال، على مدى نصف القرن. "مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة في مصر"، ذلك الطريق التاريخي الذي سلكته العذراءُ مريم مع طفلها السيد المسيح، عليهما السلام، هربًا من بطش الملك "هيرودس" في فلسطين، لتقصد مصرَ ملاذًا آمنًا احتضن هذه الرحلة، لتصيرَ مع الزمن واحدة من أكثر الحكايات الروحية تأثيرًا في الذاكرة الإنسانية. هذا المسار، الذي يمتد عبر عشرات المواقع الأثرية والروحية من سيناء إلى عمق صعيد مصر، لا يمثل مجرد قصة دينية، بل هو كنزٌ حضاريّ وسياحيّ فريدٌ لا تملكه أي دولة أخرى في العالم. وبحسّه المثقف، أدرك رجلُ الأعمال "منير غبور" أن هذا الإرث يمكن أن يتحول إلى مشروع تنموي ضخم، ينعكس خيره على الاقتصاد المصري والمجتمعات المحلية التي تقع على طول هذا الطريق التاريخي. في التسعينيات أنشأ "جمعية نِهرا لإحياء التراث الوطني"، التي رسمت الخرائط ووضعت الخطط التنموية وأقامت المؤتمرات، ومؤخرًا أنشأ شركة "المسار" التي تبنّت فكرة تطوير نقاط المسار المختلفة، والعمل على تأهيلها لتصبح محطات سياحية عالمية تستقبل ملايين السياح من مختلف أرجاء الأرض. ولم يكن الأمر مجرد طرح نظري لحلم وطني، بل مشروع عملي استدعى سنوات من الجهد والتخطيط والتعاون مع الدولة والكنيسة الوطنية والخبراء في مجالات السياحة والتراث والبيئة. والحقّ أن السيد "منير غبور" يمثل نموذجًا لافتًا لرجل الأعمال الذي لا يكتفي بإدارة المال، بل يسعى إلى توظيفه في خدمة فكرة حضارية أوسع تخدم المجتمع والوعي الفكري وتعلو بالاقتصاد القومي. فالتقديرات تشير إلى أن هذا المشروع سيجتذب أكثر من ١٥ مليون سائح سنويًا، بما يدرّ على مصر مليارات الدولارات، ويفتح أبواب العمل لآلاف الشباب في قطاعات السياحة والخدمات والحرف التقليدية، ويعيد الحياة إلى مناطق تاريخية بعيدة عن خريطة التنمية. والأعمق يكمن في الرسالة الحضارية. فمصر، التي احتضنت عبر تاريخها العريق تنوعًا دينيًا وثقافيًا نادرًا، تقدم من خلال هذا "المسار" نموذجًا حيًا للتعايش الإنساني. هنا تتحول الحكاية الدينية إلى جسر ثقافي يربط بين الشعوب، ويذكّر العالمَ بأن هذه الأرض كانت وما تزال ملاذًا للروح الإنسانية حين تضيق بها الأرض.
أتمنى أن تدعم الدولةُ المصرية جهودَ هذا الرجل النبيل لإتمام هذا المشروع التنموي العظيم. فالتنمية ليست وحسب مصانعَ وطرقًا ومدائنَ، بل كذلك اكتشاف كنوزنا الروحية والثقافية، التي ميّزنا بها الله عن سائر الأمم.

***