-الفيلسوفة الطفلة- … بقلم الدكتور -مراد وهبة-


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 12:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial

أحد أهم كنوز مكتبتي، ورقتان "بخط اليد" كتبهما المفكر الكبير د."مراد وهبة"، الذي خسرته مصرُ قبل أيام، بعد قرن من العطاء الفكري الفريد، قضاه في الدفاع الباسل عن العقل، والحرية، وحق الإنسان في أن يفكِّر بلا وصاية، ويؤمن بلا إكراه، ويختلف بلا تكفير.
أما الورقتان، فتحملان عنوان "قيثارة الفيلسوفة الطفلة" وهي مقدمة لكتابي: “الكتابةُ بالطباشير الملوَّن"، الصادر عام ٢٠١٩ عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب”. في هذا الكتاب رسمتُ ما أرى من وشائجَ فنيةٍ وفكرية وفلسفية بين "العمارة"، مجال تخصصي الدراسي، وبين "الشعر والتشكيل والنحت والمسرح والموسيقى". أي الخيوط التي تربطُ الفنون الستة، كما صنّفها الإغريق، تحت قسمين: الإيقاع البصري، الإيقاع السمعي. والحقُّ أن كلمات د. "مراد وهبة" النفيسة لم تكن تقديمًا تقليديًا لكتابي، بل قراءة فلسفية معمّقة في جوهره الخبيء، كتبها "فيلسوفٌ" وهو يقرأ الأدبَ والهندسة والأرقام، كتبها "عقلٌ" وهو يُصغي إلى دهشة شاعرةٍ تتوق للطيران، كتبها مُعلمٌ وهو يحاور تلميذتَه وينقِّبُ في عالمها.
أعتزُّ اليومَ أن أنقلها لكم، كما وردت في متن الكتاب:
قيثارة الفيلسوفة الطفلة
[هذا الكتابُ جديرٌ بالقراءة، أيًّا كان اهتمامُ القارئ أو تخصّصه. فهو وما يشاءُ من قراءة: لتحليل لوحات فنيّة، أو واجهات معمارية، أو نظريات فلسفية، أو رؤى سياسية. ومع ذلك فإن المشترك بين هذه القراءات هو المفارقاتُ أو الإشكالياتُ أو التناقضات. وهذه بدورها لها أساسٌ مشترك كامنٌ في دهشة قريبة من دهشة الطفل؛ من حيث هي دهشةٌ تنطوي على تفلسفٍ مثلما ارتأى "أرسطو" عندما قال في مفتتح كتابه "الميتافيزيقا": “إن الإنسانَ يبدأ التفلسفَ بسبب الدهشة.” أي أن: الدهشة أمُّ الفلسفة.
وصاحبة هذا الكتاب، "فاطمة ناعوت"، تمارسُ هذه الدهشة. ومن هنا يمكن أن يُقال عنها إنها "الفيلسوفة الطفلة". ولا أدلَّ على صحّة هذا اللقب، من أنها تريد أن تبقى على حال الطفولة، لكي ترى الكونَ كما يحلو لها، وليس كما هو عليه. ومن ثمَّ فهي تلعبُ مع الكون وفي يدها قيثارةُ الفيلسوف. وهي تزهو بهذه القيثارة لأنها تريدُ أن تستمتع بالفنّ وهي تتفلسف، أو بالأدقّ، تريد أن تُذيبَ الفنَّ في التفلسف؛ لكي تلوي عنقَ الواقع، حتى يطابقَ أحلامَها.
وما يشغلُها وهي في هذه الحالة أسئلةٌ "جوجان" الثلاثة:
● من أين جئنا؟
● ماذا نكون؟
● إلى أين سنذهب؟
والكاتبةُ، وهي تثيرُ هذه الأسئلة، تريد إثارة الوعي بالهُوية في سياق الوعي بالزمن. وإذا كان الزمنُ مُكوّنًا من ثلاثة آنات: الماضي والحاضر والمستقبل؛ فالسؤالُ الأول يرمزُ إلى الماضي، والثاني إلى الحاضر، والثالثُ إلى المستقبل. والمغزى أنه ليس في الإمكان تناوُل سؤال "الهُوية" بمعزلٍ عن "الزمن”. وإذا حدث وتمَّ العزلُ؛ فإنه يكون لدينا هويةٌ ثابتةٌ ومنغلقة، على نحو ما ارتأى "أرسطو" بسبب تأسيسه منطقًا شكليًّا؛ يستندُ إلى مبدأ "عدم التناقض". وهو مبدأٌ من شأنه إقصاءُ أحد الطرفين، ومن ثَمَّ ينتفي التطورُ. وهذا على الضدّ مما تستمتع به "فاطمة ناعوت"، من رؤية ضِدين متنافرين؛ مثل قولها: “التسوُّل بالموسيقى" أو "الكتابة بالطباشير" في عصر إلكتروني، أو "إرهابُ النخبة المثقفة" الذي يتمثّل في أن لدى تلك النخبة: "جرثومةُ احتكار الصواب بالمطلق"؛ وهو في رأيها أمرٌ خطير يهدد مسارَ الحضارة الإنسانية.
أما إذا دخلت الهُويةُ في علاقة مع الزمن، فإنها في هذه الحالة تخضع للتطور؛ الذي هو سُنَّة الزمن. وإذا حدث وتمَّ ذلك التداخُلُ يكون لدينا هُويةٌ متطورة على نحو ما ارتأى "هيجل"، في سياق منطقِه الجدليّ الذي يؤلِّف فيه بين نقيضين، ويرتفع بهما إلى فكرة مبدعة، يكون من شأنها إزالة التناقض.
واللافت للانتباه هنا أن "فاطمة ناعوت" تؤثِرُ السؤالَ الأول على السؤالِ الثالث، لأنها تؤثرُ الماضي على المستقبل. إلا أن هذا الإيثارَ لا علاقة له بإرهاب "الإسلام السياسي" الذي يريدُ إحالتنا إلى الماضي؛ من أجل تأسيس "وهم الخلافة الإسلامية"، واتهام كلّ مَن يقف ضد هذا الوهم بأنه يزدري الدين. وهو اتهامٌ ظالم أصاب "فاطمة ناعوت" نفسها من بين مَن أصاب، غير أنها كانت إصابةً عابرة خلتْ من أيّ أثرٍ سلبي بعد سنوات من العذاب والاغتيال المعنوي. أما إيثار الماضي لديها؛ فهو من قبيل العودة إلى حالة "الطبيعية"، أي عناق الطبيعة، تلك الحالة التي ينعم بها الأطفالُ قبل أن يدخلوا في "دار المحرّمات الثقافية"؛ التي شيّدها الكبار. ألم أقل لكم إن فاطمة ناعوت فيلسوفةٌ وطفلة؟ ] مراد وهبة | ١٩ مايو ٢٠١٨
***
هكذا قرأ الفيلسوفُ كتابَ تلميذته، ليترك أثرَه في قلبي وفي ذاكرة التاريخ. رحم اللهُ أحد أجمل فلاسفة العقل، والصوت الجسور الذي واجه التطرفَ بالفلسفة، لا بالشعارات.


***