مَن علّمَ الفتى أن يكره؟!


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 12:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

Facebook: @NaootOfficial
الكلماتُ لا تولد يتيمةً. لكلِّ كلمة نابية أمٌّ خَفيَّة، ولكلِّ كراهية مُعلمٌ جهولٌ مجهول. بعد مشاهدتي فيديو الفتى المتبجّح الذي تطاول على أقباط مصر المسيحيين بكلامٍ رخيصٍ يعِفُّ قلمي عن ذكره، وتوعّد بإيذائهم في الطريق و"مساواة وجوههم بالأسفلت"، طفرَ في عقلي سؤالٌ: “مَن علّم مثل هذا الفتى أن يكره؟ مَن شحن قاعَه بكل هذه الغلاظة؟" والأخطر: “مِن أين جاء بتلك الجرأة في إعلان الإرهاب أمام الكاميرات دون مواربة أو خوف؟" أيُّ درسٍ ناقصٍ في التاريخ جعله ينسى أن هذا الوطن لم يُبنَ بطائفةٍ واحدة، بل بقلوبٍ شتى خفقت فوق أرضٍ واحدة؟ وأيُّ كلماتٍ سامّة سمعها في طفولته رسّخت في ذهنه أن أبناء الأرض غرباءُ يُعيّرون، أو خصومٌ يُهدّدون، أو ضيوفٌ يُمّنُّ عليهم؟!
الكراهيةُ لا تغزو القلوبَ فجأةً. بل تنمو ببطء، مثل شقٍّ صغير في جدارٍ. تبدأ ربما بنكتةٍ ثقيلة الظلّ، أو عبارةٍ جهول تُقال على منبرٍ أو مجلسٍ، فتتسلل الفكرةُ إلى الوعي مثل دودة سامة ترعى داخل العقل وتتضخم حتى تغدو حيّة رقطاء تنهشُ الجسد وتنفثُ سمومَها في جنبات الوطن.
هذا الفتى الذي أطلق حمم البلطجة في وجوهنا، هو "إرهابي تحت التمرين" بدليل حيازته لأسلحة بيضاء حرّزتها الشرطة، لكنه كذلك "ضحية" المُحرّضين الذين يملأون الصفحات تطرفًا وغثاءً، ولهم أتباع بالملايين من الممسوحة عقولهم، وللأسف لا يقعون تحت طائلة القانون. المُحرّض يُلقِّمُ ضحاياه "درس البغضاء"، لُقيمةً لُقيمةً. وتمضي السنواتُ فتتصلّب الفكرةُ الخبيثة في أمعاء الضحية، وتتضخم مثل ورم سرطاني، حتى يجيء يومٌ يظن فيه المبطونُ أن من حقه أن يرفع صوته ويتباهى بتهديد الناس أمام كاميرا موبيله، فيقع في قبضة القانون. وأما المحرضون من أدعياء الدين، فهم آمنون خلف الشاشات لا يتوقفون عن نفث سمومهم، وبالطبع سيتبرأون من ضحاياهم، أمثال هذا الفتى الجهول.
مَن المسؤول عن تغييب "درس التاريخ" عن وعي هذا الفتى وأمثاله؟ كيف فاته أن يتعلّم أن أقباطَ مصرَ ليسوا ضيوفًا هبطوا عليها بليلٍ، بل أصحابُ أرض وأبناءُ تاريخٍ عريق، تضرب جذوره في تربة هذا الوطن منذ آلاف السنين؟ مَن فوّت عليهم إدراك أن كلمة "قبطي" اشتقاقٌ لغويٌّ من كلمة "جبت"، التي صارت باليونانية Aigyptios وتعني: “المصري" ومنها جاءت كلمة Egypt؟! لو عرف الفتى ذلك مبكرًا، ما خطر بباله أن يهين أقباط مصر الشرفاء.
جرأةُ شابٍّ أن يتوعّدَ مواطنين مصريين بأن "يُسوّي وجوهَهم بالأسفلت" ليست زلّة لسانٍ، ولا نزقًا رقيعًا في فيديو يبحث عن "الترند”. بل هي عَرَضٌ لمرضٍ خطير تسلّل إلى الوعي الجمعي حين اختلط الجهلُ بالتاريخ، بخطاب ديني إقصائيّ متشنّج، بثقافة رقمية تُكافئ "الاستعراض" مهما كان قبيحًا أو عنيفًا. فالعبارة التي قالها ذلك الفتى، مهما اعتذر لاحقًا وتوسّل، لا تنبتُ من فراغ. للكلمات تُربةٌ تخصّبت فيها، وهذه التربة هي ما ينبغي تشريحه. فخطابُ الكراهية لا يولد فجأة في قلب شابٍ في العشرينات. بل هو نتاج تراكم طويل من مفاهيمَ خاطئةٍ تُزرع في الوعي منذ الطفولة، وتُسقى مع السنوات، حتى تتوحشَ أشجارُ الزقّوم. حين يسمع الطفل، في بعض المنابر أو الدروس والأحاديث اليومية، خطابًا يُقسّمُ المجتمعَ إلى “نحن” و“هم”، يبدأ تدريجيًا في النظر إلى شريك الوطن باعتباره كائنًا غريبًا، لا مواطنًا كامل الحقوق والواجبات. ومع الزمن تتحوّل هذه الثنائية الخطيرة إلى شعور زائف بالتفوّق، ووهم امتلاك الحق في الوصاية.
لو تعلّم كلُّ طفلٍ هذي الحقائق البسيطة، لنضج الوعي العام وترقّى. لو تعلّم التلميذُ في مدرسته أن "الكنيسة القبطية" امتدادٌ طبيعي لتاريخ مصر، وأن الأقباط متنُ نسيج هذا الوطن قبل الإسلام وبعده، لما نشأ في ذهنه ذلك الالتباس الخطير الذي يجعل بعض الشباب يتعاملون مع شركاء الوطن وكأنهم وافدون!
المشكلة إذن ليست وحسب في فتى أرعن نشر فيديو تحريضيًّا على “تيك توك”، بل في البيئة الفكرية التي سمحت بأن تبدو كلماته ممكنة. هنا يظهر دورُ خطاب ديني متشدّد لا يزال يغذّي فكرة التمييز بين المواطنين. هذا الخطاب، حتى حين لا يدعو إلى العنف صراحةً، قد يزرع في النفوس شعورًا بالاستعلاء والتمايز، وهو شعور كافٍ لفتح الباب أمام الكراهية والفتن.
الردعُ الحقيقي لمثل هذي الآفات يبدأ من خطاب ديني مستنير يؤكد أن المواطنة والكرامة حقٌّ أصيل لكل مصري، وأن مصرَ بلد الكنائس والمآذن لا تُفصم عُراها. شكرًا لوزارة الداخلية على سرعة التحرك، وشكرًا للشعب المصري المثقف، مسلمين ومسيحيين، الذي رفض هذا السلوك المشين وأبدى استياءه من خطاب الكراهية. وليكن هذا درسًا لكل من تسوّل له نفسًه محاولةَ التطاول على وجه مصر، أو العبث بوحدتها.
***