“ميري كريسماس-… بأمر الحب!


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن - العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 11:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

الأعيادُ ليست مناسباتٍ للتهنئة فقط، بل هي اختباراتٌ صامتة لسلام القلوب. فحين يتردّد إنسانٌ في أن يفرحَ لفرحِ غيره، لا يكون الخلافُ عَقَديًّا، بل أخلاقيًا. لأن العجز عن مشاركة الناس في الفرح والحزن ليس موقفًا فكريًا، بل خللٌ في القدرة على التآخي، واضطرابٌ في الإحساس بالآخر، وانكماشٌ في سماحة القلب التي تسمح للإنسان أن يرى غيره شريكًا في الوجود لا تهديدًا له. فمن يخشى فرح غيره بأعياده، إنما يهرب من "مرآة الاختلاف" التي تكشف له ضآلة عالمه، وضحالة وعيه، وانحسار مساحة ضميره الفطري. وما يبدأ كخللٍ في الضمير الفردي، سرعان ما يصير نمطًا عامًا في اللغة والسلوك والتعليم، ثم بِنيةً نفسية لمجتمعٍ كامل آيلٍ للسقوط. وفي مصر، حيث يتجاور التاريخ الحضاري والديني على نحو فريد، وحيث تعلّم الناسُ منذ آلاف السنين أن يعيشوا تحت مظلّة التعدد على ضفاف نهرٍ واحد ليشيدوا حضارة واحدة لا مثيل لها في كتالوج الحضارات، لا يغدو هذا الخللُ تفصيلًا نفسيًا، بل يصير جرحًا في فكرة الوطن، وشوكة في قلب مصر.
الحكايةُ أبعدُ من الإغاظات الطائفية البلهاء التي ترمي بظلال السخافة على الأشياء، وأعمقُ من المجاملات الانسانية الطبيعية التي تجعل الحياة ألطف وأسهل وأجمل. إنها حكايةُ وطن يريدُ أن ينهضَ ويتقدم. ومستحيلٌ أن تنهضَ أوطانٌ منقسمةٌ. مستحيلٌ أن ينهضَ شعبٌ غير متَّحدٍ على هدف واحد؛ هو العلوّ والتحضر والمحبة.
في يناير ٢٠١٥، كتبتُ قصيدة: "محرابٌ ومذبح"، وأهديتها للرئيس المثقف "عبد الفتاح السيسي" حين دخل الكاتدرائية لأول مرة لتهنئة أشقائي المسيحيين بعيد الميلاد، في بادرة رئاسية جميلة وجسورة لم يفعلها رئيسٌ مصريٌّ من قبله. قلتُ فيها:
"زهرةٌ أورقتْ في الأشجارِ اليابسة حينَ خرجَ الأميرُ من مِحرابِه حاملاً قرآنَه وقلبَه، فيصعدُ إلى مِنجليةِ المذبحِ يقرأُ سورة مريم ليباركَ الطفلَ الجميلَ في مِزْوَدِ البَّركة، ثم ينحني يرتّبُ هدايا الميلادِ تحتَ قدمي الصغيرِ الأقدس: ذهبًا ولُبانًا ومُرًّا، فتبتسمُ الأمُّ البتولُ وتمسحُ على جبهةِ الأميرٍ هامسةً: طوباكَ بين الرجالْ أيها الابنُ الطيبُ، فاجلسْ عن يميني واحمل صولجانَ الحكم وارتقِ عرشِ بيتي وارفعْ رايتي عاليةً بين النساءْ، وعلّمِ الرعيةَ كيف يحتضنُ المحرابُ المذبحَ، وكيف تتناغمُ المئذنةُ مع رنينِ الأجراسْ، وارشدْ خُطاهم حتى يتبعوا النَجمَ الذي سيدلّهم على الطريق إلى أرضِ أجدادِهم الصالحين بُناةِ الهرم؛ فإذا ما وصلوا إلى ضفافِ النيلْ أوقدوا الشموعَ في وهجِ الصبحِ حتى تدخلَ العصافيرُ عند المساءْ أعشاشَها بعدما تبذرُ القمحَ والشعيرَ والسوسنَ على أرضِ طِيبةَ كلِّها، فلا ينامُ جائعٌ جائعًا، ولا محرومٌ يبقى محرومًا، ولا بردانٌ بردانًا ينامُ ليلتَه، ولا حزينٌ يجنُّ الليلُ على عينيه دونما يدخلُ قلبَه الفرحُ.”
***
والحق أن الصورة الأصدق لمصر لا تُلتقط من ضجيج الهوامش، بل من هدوء المتن؛ من ذلك المشهد المتكرّر كل عام، حين تمتلئ الكاتدرائية المصرية بآلاف المصريين الأشقاء لا تمييز فيهم المسلم من المسيحي. أصدقاء وجيران وزملاء عمل، يتبادلون التهاني بالعام الجديد وعيد الميلاد المجيد، في لوحة بانورامية مشرقة بالفرح الإنساني المتحضر. في هذا المشهد السنوي تتكثّف فكرةُ الوطن بلا خطابة: الناسُ يسألون بعضهم البعض عن الصحة، عن الأولاد، عن العام الذي مضى، وعن العام الجديد والأحلام التي توشك أن تتحقق فيه. هكذا تُبنى الأوطانُ: لا بالشعارات ولا بالمزايدات، بل بالعلاقات اليومية الصغيرة، بالابتسامة في وجه أخيك، بالتهنئة الصادقة، وبالقدرة الطبيعية على الفرح للآخرين. أما ما يبدو على صفحات التواصل من تراشقات عقدية وملاسنات طفولية ساذجة، فهي محض استثناء شعبوي صاخب في بحر من التعايش الهادئ المثقف. فالمجتمع المصري، في جوهره، لم يفقد بوصلته الأخلاقية، ولم يتخلَّ عن حسّه الإنساني، ولم ينسَ كيف يحتفل بالحياة. لكنه، شأنه شأن جميع المجتمعات، يحمل بعض الضجيج الشعبوي الذي يبدو أعلى من حجمه بسبب علو صوته. أما المتن الصامت المتحضر الجميل، فهو الأوسع والأرسخ والأبقى والأفعل: يعمل، يحب، يفرح، ويبني… دون إعلان.
مصرُ هي الأَولى لأن تقول: “ميري كريسماس" لكل شعوب العالم. مصر التي استقبلت المسيحَ طفلا فوق ذراعي أمِّه البتول، عليهما السلام. الطفل المقدّس الذي صار رسولَ السلام للإنسانية "يجول يصنع خيرًا"، وطوّبه اللُه بالسلام عليه: "يومَ وُلِد ويومَ يموتُ ويم يُبعثُ حيّا". أرضنا الطيبة كانت لتلك العائلة المقدسة“ربوة ذات قرار ومعين". مشت عليها عذراءُ الفضيلة؛ فتفجّرت تحت قدميها عيونُ الماء، وشقشقت زهورُ البيلسان، فامتلأت مصرَ بنورٍ لا يخبو وخصبٍ لا يبور. "ميري كريسماس" يا مصرُ، وشعبُكِ في رباطٍ إلى يوم الدين، ولو كره الكارهون. "الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن.”

***